المتنبـــي في شـــعر إبراهـــــيم الخطيب

المتنبـــي في شـــعر إبراهـــــيم الخطيب

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 11-2-2011
No Image
المتنبـــي في شـــعر إبراهـــــيم الخطيب

د.إبراهيم أحمد ملحم - القارئ لشعر إبراهيم الخطيب يلاحظ أنه أكثرَ من ذكر المتنبي كثرة لافتة للنظر، وأنه سلط الضوء على فكرة الشاعر الذي قتله شعره؛ فعندما أدرك المتنبي الخطر المحدق به، بعد خروج فاتك الأسدي عليه ومعه سبعون من اللصوص، همَّ بالفرار، ولكن الأسدي ذكَّره بقوله: الخيل والليل والبيداء تعرفني ، فتراجع عما هم به، وعاد، فقاتل، فقُتل.
كان الخطيب يدرك أنه متنبي عصره؛ فقد أصيب بالجلطة التي أقعدته طريح الفراش ثلاث سنوات، بعد وصف أحد المتنطحين لشعره بأنه ليس سوى لعب بالكلمات ، وكان آنذاك يشارك في مسابقة لاختيار شاعر متميز في إحدى القنوات الفضائية، وأصر على متابعة الاشتراك في المسابقة، وألقى قصائد وهو على السرير في المشفى رغم أن إلقاءه العذب لم يعد كذلك، وأن حشرجات الألم باتت تعني للمستمع صوت الشاعر المذبوح بشعره، والعاشق له حتى النفس الأخير.

 

تحولات الثقافة الجماهيرية بفعل العولمة التي بذرت في الإنسان المعاصر ارتباط المعرفة بالاستهلاك أو بالجانب النفعي.. أفرزت مَنْ ينقد الشعر، وهو ليس بناقد، وأفرزت مَنْ يقول الشعر، وهو ليس بشاعر. يحارب الشاعر الخطيب هذا النمط من هؤلاء وأولئك بدافع الحفاظ على الحياة الحقيقية التي ينتمي إليها:
 أبكي على الشعر أم أبكي سماسرة
  يُتاجرون به في حانة الأدب
يا جذوة الشعر صُبي فوقهم حمما
  كي ينجلي الغش في الياقوت والذهب
ماذا يريد غراب البين من طلل
  غير النعيق وشعر زائف خرب
ماذا إذا المتنبي قام يسألنا
  مستهجناً من وراء الغيب والحقب
الشعر يا سيدي ما عاد موهبةً
  بل صار شيئاً من الألقاب والرتب
الشاعر الحق يرديه توسطه
  فلا مكانة بين الرأس والعقب
الشعر سهد وكدح دمعة أرق
  إنْ هدنا تعب نسعى إلى تعب
هذا هو الشعر ما نحيا به وله
  من غير ما غاية من غير ما سبب .
الجانب النفعي عند السماسرة المتاجرين بالشعر يظهر في الشعر الزائف، وفي السعي إلى الشهرة بالحصول على لقب شاعر ، وهذا ما يدعو إلى البكاء على الحال التي آلت إليها الحياة في معية هؤلاء المؤذنين بالخراب، كما تفعل الغربان. ولأن الشعر احتراق، فإنه يطلب من جذوة الشعر أن تصب حممها عليهم كي تُظهر ذلك الزيف.
وفي وسط هذه التحولات، ينظر الشاعر إلى الزمن الغابر للشعر، إلى زمن قوة الحياة، فينتخب من التراث شخصية الشاعر المتنبي لتجلية استهجان ما يقوله الشعراء المتاجرون بالشعر. ولكي يبرأ الشاعر من الشعر الزائف، يُخاطب المتنبي مؤكداً له طبيعة الشعر التي يمضي في نسقها، وهي الطبيعة نفسها التي مضى المتنبي في نسقها؛ فالشعر حياة لا توسط فيها، ذلك أن التوسط يفرضه التعقل الذي يؤثر البقاء في دائرة المألوف والسائد، وإيثار السلامة.. الحياة التي يفرضها الشعر هي حياة النكد حيث السهر، والكدح، والتعب المفضي إلى تعب آخر. فأنْ تكونَ شاعراً يعني أن تعيش بالشعر، أو بكلمات أخرى: أن يكون الشعر هو الروح التي تشيع في الداخل. وأنْ تكون شاعراً يعني أن تعيش للشعر، أو بكلمات أخرى، أيضاً: أن تبقى في دائرة النكد من غير ما غاية من غير ما سبب سوى أنك شاعر، رضيتَ بالاحتراق في الشعر.
هل كان انتخاب المتنبي من شعراء التراث بهدف تجلية استهجان ما يقوله الشعراء المتاجرون بالشعر عشوائيّاً؟ ليست هناك عشوائية في الشعر، وليست هناك قصيدة لشاعر ما نستطيع أن نعزلها عن التكامل مع قصيدة أخرى أو قصائد أخرى للشاعر نفسه. وفي النهاية، ليست هناك قصيدة مبتورة الجذور عن النسق العام الذي تعيش فيه أو عن النسق العام الذي وصل إلى الشاعر عن طريق انحداره عن الماضي.
وحتى نستطع إدراك طبيعة توظيف شخصية المتنبي، ينبغي فتح النوافذ على قصائد أخرى وردت فيها، وهي: قصيدة الشاعر الذي قتله شعره: المتنبي في مجموعة قناديل للنهار المطفأ ، وقصيدة المتنبي في مجموعة حتى يتبين لك خيط الحلم ، ولطول القصيدتين وتركيز الثانية على الرؤيا أكثر من الأولى، يُكتفى هنا بإحالة القارئ إلى القصيدة الأولى، فيما تُفرَد قراءة للقصيدة الثانية في القسم التالي من هذا المحور.
عندما يحاور الشاعرُ العربي المعاصر الشاعرَ التراثي حول الشعر، فإنه يحاور ذاته التي يراها ماثلة فيه، وعندما يُعاتب الشخصية التراثية حول أمر ما ليس راضياً عنه، فإنه يؤكد تمايز شخصيته من الشخصية التراثية أو عدم القابلية للذوبان فيها. هناك، إذن، جوانب قوة يرى الشاعر المعاصر أنه يتكامل فيها مع الشاعر التراثي، وهناك جوانب ضعف يرى الشاعر المعاصر أن الشاعر التراثي كان ينبغي أن يتجاوزها حفاظاً على طبيعة الشعر النقية السامية.
في قصيدة المتنبي للشاعر الخطيب نجد هذا التكامل، وتلك العُتبى التي تحول دون الذوبان في هذه الشخصية التراثية:
 ماذا على القلب ألاّ يحتويه دم
 كم عاث فيه النوى والصبر والسأم
حركتَ أشجان قلبي فالعيون همَتْ
 وفي عروقي من نار الأسى حمم
هل يطفئ الشعر ناراً وهو جذوتها؟
 الشعر يأكل مذكيه ويلتهم
وحينما توصد الأبوابُ عن قدم
 فالشعر يفتح آفاقاً ويقتحم
وحينما تنتهي للدمع أعيننا
 نلوذ بالشعر من ظلم ونعتصم
ففي ظلال القوافي يستريح دم
 وكي تنام قريراً يسهر القلم .
حياة النكد التي يمضي الشاعر فيها: النوى، والصبر، والسأم، والشجن، والأسى.. ليست عابرة؛ ذلك أن الشعر نار تحرق صاحبها حتى تبقى جذوتها، والحياة التي يهبها الشعر للشاعر تجعل الاحتراق معبراً إلى الرؤيا حيث تنفتح الآفاق بعدما أوصدت الأبواب، بصورة يغدو فيها الشعر ملاذاً يحول دون الإغراق في الحزن والاستسلام للتسلط. في ظلال الشعر، ينبغي أن يبقى الجرح نازفاً حتى تبقى ينابيع الشعر متدفقة؛ فالأنا الشاعرة ليست أنا الإنسان اليومي الذي يخلد إلى النوم بعد نهار طويل من التعب، بل الأنا التي لا تطمئن في منامها إلا بتشكل القصيدة التي تتولى مهمة اليقظة حينما تنام عيون مبدعها.
في الأبيات السابقة تداخل نصي مع قول المتنبي:
 أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
  وأسمعتْ كلماتي مَنْ به صمم
أنام ملء جفوني عن شواردها
  ويسهر الخلقُ جراها ويختصم .
فقول المتنبي نظر الأعمى ، و أسمعت كلماتي مَنْ به صمم هما في ذهن الشاعر الخطيب حينما قال توصد الأبواب ؛ إذ إن الشعر الحقيقي قادر على أن يفتح آفاقاً واسعة يصل فيها إلى الناس. وممن يصل إليهم الشعر أولئك الذين يُظن أنهم غير قادرين على التلقي. وقول المتنبي: أنام ملء جفوني عن شواردها ، كان في ذهن الخطيب حينما قال ففي ظلال القوافي يستريح دم ، رغم ربط الشاعر المعاصر تدفق الشعر بالنزيف. وقول المتنبي: يسهر الخلق جراها ويختصم ، كان في ذهن الخطيب حينما قال: وكي تنام قريراً يسهر القلم ، رغم ربط الشاعر المعاصر الراحة المستحيلة باستمرارية الكتابة الشعرية؛ فكل قصيدة يخطّها الشاعر ليست نهاية المطاف، بل هي محطة لقصيدة تُباغت بالمجيء بعدها.
يخاطب الشاعرُ المتنبي مستخدماً أسلوب النداء بقوله يا سيد الشعر مرتين، وبقوله يا أيها المتنبي ، وبقوله يا مستحيل الخطى . هذا التحول في الخطاب يأتي في كل مرة ليؤكد لنا رؤية الشاعر للشعر في ظل تحولات الثقافة المعاصرة. ففي خطابه يا سيد الشعر في المرة الأولى، يقول:
 يا سيد الشعر هل يسمو القصيد بنا
  أم إنه قمةٌ تسمو بها القمم
قتلتَ نفسك كي تحيا ومن عجب
  أن القصائد نبنيها وننهدم
فهل شفيتَ غليلاً قد نذرت له
  ذكرى تنز ولا تشفى وتلتئم
الخيل والليل والبيداء جاحدة
  ففي الصحارى تحدى ذئبها الغنم
أرثيك أم أحشد الدنيا على غضبي
  من قاتل وقتيل كيف أنتقم؟
أما عرفتَ بأن الشعر مصيدة
  فالمبتدا نغم والمنتهى ندم
نطوع اللغةَ الرعناء نهزمها
  لمرتين ثلاثاً ثم ننهزم
نشد حرفاً إلى حرف ونوثقه
  فنرتخي وعُرانا بعد تنفصم
لكنه أجمل الفوضى نعاقرها
  نلم أشلاءنا فيها وننتظم .
نلاحظ في البيت الأول الحديث عن الشاعر بصفة عامة في قوله يسمو القصيد بنا ، وفي البيت الثاني ينتقل إلى مخاطبة المتنبي وحده، وذلك لتأكيد أن -الشعر الرابط المشترك- بينهما هو القمة العليا، أما الشعراء، فكل واحد كان الشعرُ روحَه التي يحيا بها، كان قمة تحظى بعلو المنزلة بسبب انتمائها لتلك القمة العليا. ويتجلى التداخل النصي مع الخبر التاريخي عند الشاعر الخطيب في قوله قتلتَ نفسك كي تحيا مع ما أورده بعض القدماء حول مقتل المتنبي. لا شك في أن المتنبي كان على يقين أنه غير قادر على صد هؤلاء اللصوص أو التغلب عليهم، ولكن وفاءه للشعر، للحياة الحقيقية، للخلود.. جعلت الحياة اليومية في نظره عديمة القيمة.
لقد اتخذ المتنبي قراره الأخير في مجابهة أعدائه؛ حتى يعيش الشعر ما دام ليس ثمة حد فاصل بين الشعر بوصفه حياة والشاعر بوصف الشعر روحه، وحتى يبقى قوله: فالخيل والليل والبيداء تعرفني / والسيف والرمح والقرطاس والقلم ، له مصداقية في الحياة. كان الفرار من المجابهة يعني للمتنبي أن كل الكبرياء والشجاعة التي حملها الشعر كانت زائفة. اتخذ المتنبي قرار المجابهة؛ لأن سقوط الإنسان مضرجاً بدمه، أهون بكثير من سقوط الشاعر الحي بشعره من ذاكرة التاريخ. ويعود البيت السابق في تداخل نصي عند الشاعر الخطيب، ولكن تحل مكان لفظة تعرفني لفظة جاحدة لتؤكد التحولات السلبية في الحياة العامة، تلك التحولات التي تقلب موازين المعرفة عند صاحبها، حينما يتنكر له السياقُ الذي يعيش فيه.
الشاعر المعاصر غير قادر على رثاء المتنبي؛ لأنه شاعر لا يطاله الموت كما يطال غيره من الناس؛ إذ إن الشاعر بعد حادثة الموت يعود إلينا أكثر إصراراً على الحياة بقوة الشعر. الشعرُ كان القاتل ، والمتنبي كان القتيل ، وفكرة انتقام الشاعر المعاصر مستحيلة؛ لأن الشعر وهب للشاعر بعد مقتله حياةً أخرى. لقد رحل المتنبي الإنسان، وبقي المتنبي الشاعر. القصيدة الأولى عند الشاعر مصيدة تورط الشاعر في إلقاء نفسه في شباكها، إنها بداية الاحتراق الجميل.. إنها بداية تشكيل الرؤيا التي تجمع أشلاءنا المبعثرة في الحياة اليومية، فتجعل نفوسنا الهشة متماسكة وقادرة على البقاء؛ لأن الرؤيا تعد بأن المستقبل سيكون أكثر جمالاً، وأكثر قابلية للعيش من ذي قبل.
في مخاطبته الثانية للمتنبي يا سيد الشعر نجد ثورة غضب الشاعر قد هدأت، وذلك لتعليل أن هذا القاتل وهب صاحبه، ووهب كل مَنْ اقترب منه نصيباً من الخلود:
 يا سيد الشعر يكفي الشعر مملكة
  قد مات مَنْ ملكوا يوماً ومَنْ حكموا
وغيبت كتب التاريخ أنجمهم
  وأنت فوق القوافي النار والعلم
لِمَ التنبي فهذا الشعر معجزة
  بها انتهى أنبياء الشعر واختتموا
لولاك جذوة سيف الدولة انطفأتْ
  والخيل نامت ونامت فوقها اللجُم
وما زهتْ ببني حمدان ذاكرة
  حلوا بشعرك كانوا ثم قيل همو
ولون كافور ما أعطاه منزلة
  بين الممالك لو لم تُثقب الظلَم
الشعر ينضو سيوف الفاتحين لهم
  ففي صهيل القوافي تصهل الحمم .
لقد طال الموتُ سيفُ الدولة الحمداني، وكافور الإخشيدي، ولكن الشعر بقي حيّاً، وبقيت روح المتنبي ساكنة في كل كلمة فيه، وكأن الموت هزيمة للإنسان وليس للشاعر. وكل شخص ورد اسمه في الشعر أعطي قسطاً وافراً من ذلك البقاء. وبصرف النظر عن مدى صدق المتنبي في قصائده المدحية، فإن المنزلة التي حظي فيها مَنْ مدحه وصلت إلينا بفضل الشعر. ومن أجل ذلك، يعتب الشاعر الخطيب على الشاعر ادعاءه التنبي ؛ فالشعر هو معجزة الشاعر التي يثير فيها الدهشة في كل مَنْ يستمع إليه.
وفي مخاطبته الثالثة للمتنبي يا أيها المتنبي ، يركز على قيمة الحكمة في تفكير المتنبي حتى يكون الموقف من العابثين بالشعر واحداً، أو من السماسرة المتاجرين بالشعر، كما سبق في القسم السابق من هذا المحور:
 يا أيها المتنبي مَنْ معلمنا
  إلاك أنتَ الحكيم الحُكْم والحَكَم
العابثون بشعر اليوم رُضعه
  لو أدركوا لغةً في الثدي لانفطموا
لو كل مفردة في سطرها حجر
  لأدركوا كم تحدى دهرَه الهرم
هلا تركتَ لهم في الشعر نافذةً
  منها يطل على آفاقه الحلم .
إن تحول الشعر إلى حياة عند المتنبي، من ناحية أولى، وشعر الحكمة عنده، من ناحية ثانية، وانحدار شخصيته من عمق التاريخ العربي، من ناحية ثالثة، أمور يرى الخطيب أنها تجعل المتنبي قادراً على إصدار حكم على طبيعة ما يتعرض له الشعر في الزمن الراهن؛ فهؤلاء العابثون بالشعر لم يدخل الشعر إليهم بوصفه حياة تمتزج بكل خلية من خلايا الإنسان، فيعيش فيها، ويعيش لها.
وفي مخاطبته الرابعة والأخيرة للمتنبي يا مستحيل الخطى عتاب آخر للمتنبي، نلمس فيه تميز صوت الشاعر المعاصر في عدم رضاه عما جرى في الماضي، وعدم رضاه عما يجري في الحاضر، وفي الحالتين، يأتي عدم الرضا من زاوية تحوّل الشعر إلى حياة، ينبغي الحفاظ عليها نقية وطاهرة وسامية:
 يا مستحيل الخطى لم تُبقِ مُمكنةً
  لما مضيتَ لما لم تستطع قدم
كم جربوا فكبوا كم صوبوا فنبوا
  أدموا أصابعهم من قبل أن ندموا
لي فيك يا سيدي عُتبى تُبددني
  وإنني مع نفسي فيك أختصم
دعني أسائلْكَ كم أنفقتَ من عرق
  لسيد همه أن يصطفيه فم
وضعتَ كفك في كف الولي فهل
  هذا هوى أم مبيع أم هو كرم؟
وجُدتَ بالشعر إذ جادوا بمالهم
  والمال مهما تمادى قدْره رقم
لا يعرض الشعر في الأسواق سلعته
  إن بيعَ بيعت به الأخلاق والقيم
وأمة لا تُجل الشعر ميتة
  وفوق أشلائها الغربان والرمم.
وحينما لا يصيخُ الناس سمعهم
  لأنة الشعر في أسماعهم صمم
إن الكتاب بلا مضمونه ورق
 وليس في العرق من دون الجراح دم .
كان المتنبي قمة عالية في تاريخ الشعر العربي، وبسبب ذلك، كانت خطى الشعراء الساعية إلى اقتفاء أثر شعره مستحيلة؛ لأن مقتفي أثر شعره كانوا يقولون الشعر وفي تصورهم تقليد المتنبي فحسب، وليس في تصورهم تحوّل الشعر إلى حياة تستضيء بقبس المتنبي، ولكن في الوقت نفسه تبقى لها سمتها المميزة في الحياة. لذلك كانت محاولات التجريب قاسية ومريرة وغير مطواعة لطبيعة الشعر، وفي نهاية المطاف، كانت محفوفة بالندم.
وفي عُتبى الشاعر الخطيب للمتنبي يتجلى مظهر آخر من مظاهر تمايز شخصية الشاعر المعاصر من الشاعر التراثي، رغم اتفاقهما على نقطة أن الشعر حياة. فالشاعر الخطيب يجد أن شعر المديح عند المتنبي كان في غير مكانه السامي الذي ينبغي أن يحافظ عليه؛ فالشعر ليس سلعة تُعرض في الأسواق ثم يتقاضى الشاعر ثمن تلك السلعة بعد بيعها. وتحول الشعر إلى سلعة يعني ضياع تلك القيمة السامية له في الحياة اليومية. الشعر ينبغي أن يدخل في حياة الإنسان، ويحظى بالإجلال، والأمة التي تتعامل مع الشعر فائضاً على الحياة، وليس جزءاً أساسياً في تركيبة حياتها هي أمة ميتة، وأما الأمة التي لا يصل الشعر إلى مسامعها فهي أمة صماء. إن الحضارة إذا فقدت الشعر، فستفقد الروح، وستغدو كل إنجازاتها المادية عديمة الجدوى، أو لا معنى لها؛ فما يعطي الكتاب قيمةً هو مضمونه الفكري، وبلا هذا المضمون ليس سوى ورق، وما يُعطي النار قيمةً هو جذوة الاشتعال في جمراتها، وهي بلا هذا الاتقاد ليست سوى رماد، وما يُعطي العروق قيمةً هو الدم المتدفق منها إثر الجراح.
لقد نالت العولمة من الثقافة الجماهيرية، فجعلت الحصول على المعرفة مرتبطاً بالحصول على المنفعة، وتراخت همة الناقد عن قراءة الشعر المعاصر له، فانشغل بتطوير النقد من الداخل مستثمراً الخطاب النقدي الغربي في تأسيس خطابٍ معزول عن الشعر، وانعكس ذلك على طاقة الشعر في التأثير والتحريك والتغيير.. إذ تُرك الشاعر وحيداً في الحياة اليومية، وبات صوته صرخة في وادٍ. ولعل هذا ما جعل الشاعر ثائراً؛ لأن في ثورته غيرة على الحياة التي ينتمي إليها:.
 لماذا يميل الحبرُ والسطرُ واضح
  وتنحرف الرؤيا وتعمى الجوانح
كأنا خُلقنا للغواية والهوى
  إلى حيث لا تُنجي خُطاك النصائح
أحس بأني حين أضحك باكياً
  كأني إذا ما جد جدي مازح
وأعبرُ باباً بعد باب ظننته
  تهاوى لأقدامي وأني فاتح
أغني عن الشكوى بشكوى تهزها
   وأغدو إلى قلبي وقلبي رائح
كأن زماني ليس للشعر والهوى
   فأنتَ تُغني بينما الكل نابح .
في زمن اللاشعر تؤسس الرؤية التي تزين للإنسان الرغبة في البقاء، فتنمي في داخله بذرة أمل فحواها أن المستقبل، حتماً، سيكون أجمل من الراهن. ليست المشكلة التي تعصف بالحياة اليومية ناجمة عن الشعر؛ فالشعر ما يزال يمضي في نسقه الطبيعي المرتبط بالهوى والحرية.. ولكن المشكلة في أن ما يتشكل في الحياة العامة لا يستطيع العيش بلا جمهور الشعر؛ فهذا الجمهور هو الذي يؤكد بحضوره أمسيات الشاعر، وبالتفافه حول شعره.. أنه ما يزال شاعراً، أو بألفاظ أخرى: يؤكد أنه ما يزال حياً، وأنه لا يعيش لنفسه بل يعيش من أجل هؤلاء الذين يزين لهم بالرؤيا الرغبة في البقاء.
تحولات الثقافة الجماهيرية جعلت الشاعر العربي المعاصر غريباً عن الحياة العامة، وعاجزاً عن التغيير الذي يراهن عليه الشعر، فبات لا يملك في زمن اللاشعر سوى الغضب والرغبة في البكاء على حال الإنسان الذي أفقدته الحضارة المرتبطة بالعولمة إنسانيته، وعلى جماليات الماضي حين كان الشعر يهب الحياة نضارةً تسد نقص ما يفقده، وتُجمّل له ما بقي في حوزته، وتعده بأن الآتي سيكون جميلاً.. في الزمن المعدني سيبقى الشاعر شاعراً، ولن يتنازل عن الحياة الحقيقية / الروح. فالشعر هو الجوهر، والشاعر على يقين أن الإنسان العربي المعاصر سيعود في يوم ما، بعد صدمته برحيل الشاعر عن الحياة، إلى ذلك الجوهر:
 سيذكرك الأعراب إن كَل زندُهمْ
  ففي القبضة العزلاء يُفتقد الصخرُ
إذا كان موت فلتمت واقفاً له
  فإنْ ضاقت الدنيا سيتسعُ القبرُ .
 قوة حياة الإنسان ليست في منجزاته المادية وحدها، فهي كالقبضة العزلاء، بل بالروح السامية التي تعيش في داخله بصلابة، وتظهر بصورة قيم يمارسها في حياته، وهذه القيم يحاول الشعر دائماً أن يكون نصيرها. وتغير الحياة حول الشاعر لن يثنيه عن مواصلة الحياة بالشعر وتجلية كل ما يُعيد الإنسان إلى السمو والطهر والنقاء. فأن يرحل الشاعر عن الحياة التي ضاقت عليه، وهو يُعلي من شأن تلك القيمة، يعني أن يموت واقفاً، يعني أن الموت عجز عن هزيمته، وأن النصر كان حليف الإنسان الذي رفض التنازل في زمن اللاشعر.
لقد تحققت رؤية الشاعر الخطيب في أن يكون متنبي عصره؛ إذ قتله الشعر أخيراً، بعد طعنات متكررة في السنوات الثلاث الأخيرة، وهي فترة مرضه، فغاب عنا الإنسان بوصفه موجوداً زمنياً لم يُكتب له الخلود، وبقي الشاعر حيّاً لا يطاله الموت أو النسيان.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }