القبيلة الصهيونية وسيزيف والأنا الأعلى

القبيلة الصهيونية وسيزيف والأنا الأعلى

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 4-2-2011
No Image
القبيلة الصهيونية وسيزيف والأنا الأعلى

ضرار بني ياسين - يلعب التراث الحي الموسوم باليهودي والمؤسس لكل من البيداغوجيا التربوية والأدب العبريين، دوراً مهماً في تكوين الخيال اليهودي وتغذيته وتصميم هُوية أصلانية افتراضية تشكل كل اليهود التاريخيين واللاهوتيين، وكذا اليهود الانتسابيين الذين يُجيّشهم الخطاب الصهيوني منذ ما يزيد عن قرن من الزمان، ويحاول باستمرار أن يدمجهم في أساطير مؤسسة بالأصل لتتناغم مع لعبة الأمم في حصريتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، ونزعتها المرَضية في الهيمنة والسيطرة.
ويُعدّ هذا التراث اليوم من وجهة نظر نقدية علمية خليطاً مُفبركاً ومصمماً من الخطاب اللاهوتي اليهودي الكلاسيكي، والحِيل التاريخية والألاعيب الأيديولوجية الصهيونية، ومن الهيجان العنصري للكتلة البشرية المتناقضة المشكّلة للدولة الإسرائيلية، والمتوّج أخيراً بالنزعة الفاشية المتنامية الممثلة بالعسكرية الإسرائيلية.

توشك الديباجة الخاصة بالأدبيات الصهيونية السابقة، ورغم التماسك الظاهر، على استنفاد كل الأسطورة، وفق منطق التاريخ التنبؤي.. وقد تكون عاجزة اليوم بالفعل عن أن تؤسس أو تُعيد إنتاج أساطير جديدة في العالم نفسه الذي قُدّر له أن يقع تحت سطوة ومرغوبية الصهيونية، الشاخصة نحو استنارة جديدة تراهن باستمرار على استنامة عميقة للضمير الإنساني. وهذا يعني بوضوح أن الصهيونية صائرة لا محالة بقوة الحقيقة وقوانين التاريخ وصدقية اليقين الذي أخذ يتسرب حتى إلى أفكار المؤرخين الجدد من داخل التراث اليهودي ومن خارجه إلى زوال محتوم، لأن التلاعب بالحقائق ونسيان التاريخ وتضليل الضمائر وتزييف الوعي لا يمكن له أن يستمر إلى ما لا نهاية.
مشكلة إسرائيل، ابنة المشروع الصهيوني - الغربي المغامر والمصهور باستمرار باللاهوت الديني البدعوي، أنها صائرة لا محالة إلى حالة أو دورة اغترابية أو شقية أشبه ما تكون بأسطورة سيزيف الشهيرة، وطبعاً مع شيء من المجاز، ومن دون خريطة طريق أكيدة ترشدها، وتثنيها عن حلم أن تكون إمبراطورية صغيرة وريثة الإمبراطورية الآفلة التي لعبت الدور الحاسم في ولادتها إلى العلن ممثِّلة لليهود بالصورة التي يعرفها العالم. وبالتأكيد عبر التحالف الآثم بين الصهيونية ولعبة الأمم.
سيزيف الجديد، الصهيوني الذي وُلد وكبر مع الفاصل الصهيوني المتحقق آنياً، يوشك أن يشيخ، ويتعب، ويملّ اللعبة، ويتقاعد، بعد أن أصبح غير قادر على جلب الضمائر العالمية إلى حضيرة هولوكوسته، ومحرقته التي لا تضارع في الحقيقة محرقة العالم الغربي في الحربين العالميتين، وبعد أن استيقن أنه لم يعد بمقدوره أن يبقى يشكل حالة تاريخية استثنائية تتعالى فوق التاريخ والقانون والأخلاق إلى آخر الزمان، ولأن الشعور الإنساني الخاص بعالم الألفية الجديدة أخذ يتوعك ويعاين هولوكوستاً طازجاً وحيّاً تصنعه القبيلة الصهيونية وصنيعتها العنصرية إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني منذ عقود طويلة.
سيزيف يعبر كنعان، لكنه يعلم في أناه الأعلى بحسب التعبير الفرويدي أنه محكوم عليه بالخروج منها مرّة أخرى، لأنه لا يستطيع أن يتفوق على التاريخ والحقيقة معاً. ومن الممكن له أن يحلم بفضيلة التسامح من سكانها الأصليين، وأن يقبل به المحيط البيولوجي العربي-الكنعاني الكبير، ويُفسح له مكاناً للضيافة الدائمة كما كان شأنه في تاريخ الدولة العربية-الإسلامية في العصر الكلاسيكي.. علّة يتخلص من وعيه الشقي وعبئه الشتاتي المزمن، الذي لم تكن مسؤولة عنه كنعان الكبرى من المحيط إلى الخليج. وعندئذ يمكن للأسطورة القديمة أن تبطل دورتها السحرية. ويمكن للضمير العالمي أن يستريح بعد أن ظل عقوداً يعيش الفبركة الإعلامية والسياسية والأخلاقية، وعلى الأقل في جزء كبير من التاريخ الخاص باليهود واليهودية، والذي تجاهل أخلاقياً وتاريخياً وسياسياً وأنثروبولوجياً الفلسطينيين، السكان الأصليين لفلسطين التاريخية.
ويبدو أن المغامرة الماراثونية الصهيونية عبر مضمارها الإسرائيلي ووقودها اليهودي لن تعثر أو أن تصادف خلاصها النهائي، ليس بالمعنى اللاهوتي أو العقائدي فحسب، وإنما أيضاً بالمعنى الأنطولوجي أو الوجودي المصائري، ولذا فهي تبقى تتشبث بعلاقة متصلة مع أصول واستمرارية تاريخية مزعومة لشعب تُفتضح يوماً بعد يوم هويته المركبة ذات الجينات العرقية الغريبة والمتناقضة، كما تكشف عنها الدراسات العلمية الدقيقة، ويعترف بها عُتاة المؤرخين اليهود الجدد.
وبقدر ما تدين القبيلة الصهيونية للعبة الأمم في إنجاز كيانها التاريخي العابر، فهي تخشى اليوم من لعبة الأمم ذاتها ومن انتهاء دورة هذا الفاصل، أكثر من أي وقت مضى، لدرجة أن بعض المنظرين والمثقفين الناشطين الصهاينة أخذ يتحدث من زاوية استراتيجية عن مسألتين تؤرقان المشروع الصهيوني برمته؛ الأولى: الاستحقاق المحتوم لما بعد الصهيونية، حيث تشكل تيار جديد يُدعى ما بعد الصهيونية ، ولديه خزّان كبير من الأسئلة المتعلقة بالمصائر الخاصة بإسرائيل والصهيونية معاً. أما المسألة الثانية فقد أصبحت في ذمّة السياسيين في العالم والقوى العظمى والغربية، ومحورها سؤال يُطرح من حين لآخر، خصوصاًفي العقد المنصرم، حول مدى الفائدة أو الجدوى التي تقدمها إٍسرائيل كمشروع استعماري كولونيالي متقدم في المنطقة العربية يجسّد مصالح الغرب. وهذا معناه أن إسرائيل لم تكن في يوم من الأيام أكثر من دولة وظيفية. ولكن ما يشكل تشاؤماً على المستوى اليهودي ?الصهيوني-الإسرائيلي هو مدى التآكل الذي يصيب المشروع الاستراتيجي الصهيوني.
نعلم اليوم أن الديباجة المُذيّلة بفرضية أساسية للصهيونية -وهي بالمناسبة خليط من الأسطورة واللاهوت المتعصب وأخلاق التجارة والوعي الشقي بمعنى الوطن والعرق والهوية والتاريخ الاستمراري- تقول إن الشعب اليهودي، شعب متجانس ذو تاريخ خطي واحد ومستمر، هاجر من أرضه، ومنذ أجيال عديدة يتطلع للعودة إليها. ولكن هذه الفرضية لم تتحقق، فأغلبية اليهود -بالمعنى الجيني واللاهوتي- لا يعيشون اليوم في إسرائيل، فضلاً عن أنهم لا يرغبون بالقدوم إلى أرضهم المزعومة. وكل محاولات الصهيونية العالمية لم تستطع أن تجلب أقل من ثلث اليهود المستقرين في أوطانهم في العالم.
وحتى إذا لوينا أعناقنا جانباً عن هذه الفرضية ونظرنا إلى المسألة من زاوية الملجأ الآمن لليهود، فإننا نكتشف أن الأهداف الصهيونية كانت قد سبقت المسألة اليهودية المنظور إليها أخلاقياً وإنسانياً كذريعة استعمارية صريحة لأوروبا الكولونيالية منذ صعود النازية والحرب العالمية. وقبل إعلان الحركة الصهيونية رسمياً في مؤتمر بال بسويسرا العام 1897 لم تكن الحركة الصهيونية حركة يهودية، بل كانت مرتبطة بشكل وثيق بأعتى دول الاستعمار الغربي. وإذا كان الدور البريطاني معروفاً في إنشاء الصهيونية غير اليهودية، فإن دور فرنسا لم يكن ليقلّ خطورة، فالصهيونية -أيديولوجياً وتطبيقاً- ليست وقفاً على الطائفة اليهودية، التي تعمل على ترويجها. وهذا الشكل من الصهيونية غير اليهودية أشد خطراً من الصهيونية نفسها.
بالربط بين الأفكار السابقة جميعها، يبرز بوضوح أن الدراسات العلمية توفرّ لنا الأدّلة القاطعة والحجج الدامغة بأن اليهود ينتمون من ناحية الأصل إلى أجناس وقوميات عدة، وأنه لا توجد قومية يهودية واحدة جامعة مانعة، إذ من المستحيل وفق هذه الدراسات عدّ يهود العالم شعباً واحداً من أصل واحد. والإصرار الماكر الذي يُبديه القادة والسياسيون في إسرائيل اليوم على ضرورة الاعتراف بهوية الدولة الإسرائيلية لا معنى له أمام هذه الحقيقة التي يعلمونها جيداً. فالقبيلة الصهيونية ما تزال تتمسك بأساطيرها، اعتقاداً منها أن الحقيقة يمكن أن تُمحى وتزول لصالح حقيقة اللحظة التاريخية الراهنة.
وفي هذا الخصوص، فإن المؤلف اليهودي أرثر كوستلر وضع كتاباً بعنوان القبيلة الثالثة عشرة أكدّ فيه أن يهود العالم اليوم هم من المتهودين الذي لا علاقة لهم ببني إسرائيل أو العبريين، أو حتى اليهود الأوائل. ويقول: حاولت أن أظهر اتفاق الأدلّة الأنثروبولوجية مع التاريخ في رفض الاعتقاد الشائع بوجود جنس يهودي مُنحدر من القبيلة التوراتية. وقمت بتجميع الأدلة التاريخية التي تثبت أن الأغلبية العظمى من اليهود، يهود أوروبا الشرقية ويهود العالم، هي من أصل تركي خزري وليست من أصل سامي .
كتاب كوستلر هذا، والمتضمن أدلة علمية وتاريخية دامغة تؤكد أن يهود العالم وبضمنهم يهود إسرائيل لا يشكلون شعباً واحداً، ولا تجمعهم قومية واحدة أو أصل واحد كما يدّعون، وأنهم على وجه الحقيقة خليط من المتهودين الذي ينحدرون من نسل جماعات اعتنقت اليهودية عبر العصور، بظروف مختلفة.. هذا الكتاب ليس هو الكتاب الأول والأخير، إذ إن جُلّ من يُسمّون المؤرخين الجدد يصلون إلى هذه الحقيقة، وهؤلاء وغيرهم ممن يمثلون التقاليد المعرفية لما بعد الصهيونية، يؤيدون الانخراط في عملية نقدية للتاريخ على ثلاث جبهات. الأولى تتصل بالصهيونية وحقيقة مشروعها القومي-الديني. والثانية تتصل باليهود تاريخاً ووجوداً وشتاتاً وأصولاً، وأمّا الثالثة، فتتصل بإسرائيل وتاريخ الدولة الإسرائيلية منذ نشأتها إلى اليوم واستنتاج وفحص مصائرها الراهنة والمقبلة.
 ما الذي يجمع هذا الخليط العرقي-الإثني المتناقض بنيوياًً؟ ، يتساءل المفكر اليهودي باشياهو ليوفيتش.. وهنا تكمن حقيقة الأزمة الكبرى التي تلازم الوعي اليهودي الشقي، وتغلق عقول مثقفيه ومفكريه، الذين يعيدون اليوم فحص هويته اليهودية والشعب اليهودي. ويصلون إلى نتيجة مفادها أن هذا الوعي ما دام يتواصل لدى الشعب اليهودي بأنه يهودي بالهوية، فمن الممكن الاطمئنان إلى التبصرات الخاصة باستمرارية الشعب اليهودي بالمعنى الأنطولوجي الوجودي. لنلاحظ أن هذه الهوية الافتراضية تبقى شغّالة في تكوين المعتقد الخاص بمعنى يهودية الفرد وتمدّه بهذا المعنى، لأنها الأساس الوجودي له، فضلاً عن أنها تشكل الأساس الأيديولوجي والتاريخي للصهيونية والدولة الإسرائيلية. دع عنك بطبيعة الحال الأساس الشرعي أو الأخلاقي الذي لم تستطع الدولة العنصرية الإسرائيلية أن تدمجه في الضمير العالمي، اللهم إلاّ في الضمير السياسي المخاتل والمصمم أيديولوجياً للقادة السياسيين في الغرب منذ عقود، والذي لا يعتقد أن إسرائيل تتعدى في أي لحظة من تاريخها حدود المصلحة الاستعمارية الغربية.
تعجز الأدلة الأنثروبولوجية-التاريخية من زاوية المراجعة النقدية إتمام الديباجة الخاصة بالأسطورة الصهيونية، فضلاً عن تقديم الضمانة الأيديولوجية للدولة الإسرائيلية، وربما جاء زمن يستفيق فيه الوعي التاريخي والإنساني الأوروبي عند جيل من المؤرخين الجدد، ويتحول بحثهم التاريخي والنقدي جانباً عن منهجيات التاريخ الخطي الذي تؤسس عليه الصهيونية هوية الشعب اليهودي وتصمم دعاواها الدينية والتاريخية. ويقدم للعالم تاريخاً جديداً مُغايراً للأسطورة المبتذلة مُستمداً من منهجية مدرسة الحوليات الفرنسية. ووقتئذ قد تتكشف الحقائق جميعها حول هذه الهوية التاريخية، وربما يبطل مرة واحدة وإلى الأبد السحر الخاص بالأسطورة الصهيونية نفسها.
اليهودي، بتأثير مباشر من الأدبيات البدعوية الكلاسيكية والمعاصرة، يبقى يُعرّف نفسه تعريفاً ليس عرقياً أو قومياً، وربما هذه الصورة عن الذات قد حصلت في ظل تبدلات أيديولوجية ومن ضغط الأحداث وبعض الإكراهات التاريخية. وعوضاً عن ذلك فهو يعرّف نفسه تعريفاً دينياً . ولذلك فليس من المستغرب أن تبقى الأساطير المؤسسة من لدن الصهيونية على أغراض لاهوتية لتدشين مشروع سياسي بامتياز. فالزمني يتمفصل مع الديني ليرتقي إلى ذروة التعالي اللاهوتي المرتبط ببشارة الخلاص الإلهية المزعومة عند الآباء المؤسسين وغير المؤسسين للصهيونية.
وبحسب الأدبيات الصهيونية نفسها، فإن اليهود يُدركون هويتهم على أساس الواقع الخاص أو الاستثنائي المميز الذي لا يملكه غيرهم من البشر، وهو اليهودية. بيد أن تعريفاتهم لليهودية مختلفة، بمعنى أنه ليس لليهود أي رابط مشترك سوى مقولة اليهودية التي يُشهرونها ويصدحون بها دائماً.
وبخصوص متانة واستمرارية الرابطة بين اليهود وقيام دولة إسرائيل، فإن باشياهو يعترف أنه لا يمكنه أن يتبين أو يرى بوضوح مستقبل الشعب اليهودي في فلسطين، كما أنه لا يرى مدى استمرارية وعي الشعب اليهودي بيهوديته، وبالتالي فإنه يبدو أنه غير متأكد من مستقبل إسرائيل ووجودها. وبالنسبة للشعب الإسرائيلي فهو غافل عن هذه الحقيقة، لسبب بسيط هو أن الصهيونية التي جبلت قسماً كبيراً من اليهود في أساطيرها، ما تزال عملة رائجة في الغرب لأسباب كثيرة.
ربما كانت أقسى التوقعات على العقل الصهيوني/ اليهودي تأتي من لحظة أن يجد القادة الإسرائيليون، ومعهم ذلك الجيش اللجب من الصهاينة والمتصهينين أنفسهم، أمام حقيقة ماثلة، هي أن الصيارفة في هذا العالم بدأوا يكتشفون عملتهم المزيفة. وعندئذ فإن أحداً في هذا العالم لن يقامر بالرهان على مستقبل الدولة الإسرائيلية ووجودها.
وبخلاف الديباجة الصهيونية الممتدة عبر الدعاية الرغبية، فإن قيام إسرائيل لم يحلّ مشكلة الشعب اليهودي، ولم يساعد في إنهاء أزمة الهوية التي يُعاني منها، وعوضاً عن ذلك فإن المكان الوحيد الذي يوجد فيه اليهودي في خطر هو دولة إٍسرائيل. وهذا يؤكد أن الصهيونية لم تشكل أبداً حركة إنقاذ لليهود في العالم. فالمعلوم أن غالبية يهود العالم لم تأخذ بالحلّ الصهيوني القاضي بجمع شتات كل اليهود في دولة قومية واحدة. بدليل وجود ثلاثة أرباع اليهود خارج ٍإسرائيل، كما أن العديد من المقولات الصهيونية قد ثبت بطلانها، خصوصاً ما يتعلق بوجود مشكلة يهودية ما دامت هناك أقليات يهودية في المجتمعات العالمية.
وبينما أرادت الصهيونية -التي سيقدر لها أن تشيخ وتأفل- أن تكون الدولة الإسرائيلية خلاصاً أرضياً، وحلاًّ للمسألة اليهودية في العالم، فإن إسرائيل اليوم أضحت مشكلة ليهود العالم بحد ذاتها. وبينما أرادوها حامية لليهود فضلاً عن أن تكون مركزاً حضارياً وديمقراطياً مُشعاً في المحيط الجغرافي الفائض بالضعف والتبعية والاستبداد ولكن الفائض أيضاً بالعنف والحروب، فإنها اليوم أصبحت مصدر إحراج وسوء سمعة لليهود والغرب، بسبب الطبيعية والمعتقد التكويني العنصري والفاشي لهذه الدولة، وتدهورها الأخلاقي على المستوى الأممي.
أكثر من ذلك بكثير، فالصهيونية تدرك اليوم أنها عجزت وستبقى عاجزة على الأرجح عن حل المشكلة اليهودية، وعوضاً عن ذلك فقد صنعت المشكلة الإسرائيلية الجانحة نحو عسكرة كاملة للشعب الإسرائيلي. والتي تحولت إلى عبء أخلاقي وسياسي ونفسي ومادي ومعنوي على اليهود جميعهم، وبالأخص أولئك الذي لم يشاطروا يوماً الصهيونية ولا دولتها إيديولوجيتها وسياساتها وأساليبها، ويخجلون حتى من تنامي عنصريتها وانحرافها نحو الفاشية المتمثلة في سلوك الدولة منذ قيامها وحتى الآن.
عدد من خزانات الفكر الصهيونية من مؤرخين وأكاديميين مُعتبرين أصبحوا اليوم غير متأكدين من المصير الخاص بإسرائيل والشعب اليهودي. وهم يطرحون أفكارهم المتشائمة بخصوص متانة المستقبل ووعوده وإجاباته بناء على قراءة نقدية للماضي والحاضر. و باشياهو إياه يرى أن هذا المصير يذهب بعيداً في التاريخ، إذ إنه قد حُدد لاهوتياً (تيولوجياً) منذ القدم. ومن المسيح تحديداً، فالمسيح هو الذي حدد مصير الشعب اليهودي خلال فترة منفاه في العالم المسيحي ، وهو الذي يجسّد العدو الكوني لليهودية الذي حطّم توراة إسرائيل وقضى عليها .
بعض هذا المصير اللاهوتي صحيح إلى حدّ كبير، غير أن التحديد الأقدم لمصير اليهودية واليهود، كان قد تم بالفعل قبل هذا التحديد المسيحاني. إنه يعود في حقيقته إلى نبوءة موسى، وهو الذي خاطب اليهود قبل موته بكلمات صريحة بالقول: إذا كنتم اليوم وأنا ما أزال حياً بينكم تعصون الله، إلى أي مدى سيزداد عصيانكم بعد مماتي .
لقد علم موسى كما يقول باشاياهو ، وأيقن تماماً هو الذي حرّر شعب إسرائيل من العبودية المصرية، أنه لم يفلح في إقناع هذا الشعب. إن كل الأنبياء الذين خاطبوا بني إسرائيل على مدى خمسة وعشرين جيلاً، والذين صدحوا دائماً بالنص الإلهي، كلهم فشلوا فشلاً ذريعاً ولم يفلحوا في جلب شخص واحد للطريق القويمة.
ربما ينجح التاريخ والتراث الخاص بالشعب اليهودي في جلب الصهيونية إلى فضيلة الإقناع ، وإلاّ فإن مثل تلك المصائر اللاهوتية لا يمكن أن تتعارض ربما قريباً مع مصائر تاريخية وسياسية ووجودية حتمية تخص دولة إسرائيل. وهي بالفعل تكاد تكون ذاهبة رغم أنفها إلى هذا المصير. فهي بعقيدتها العسكرية والعنصرية وميلها المتزايد نحو الفاشية، لن تتمكن مع مرور الزمن من البقاء أو الوجود. ومن الممكن حقاً أن تعيش سنوات أخرى قادمة وربما عقوداً قصيرة جداً، وتستكين إلى عقلية المقامرة. ولكن لكي تدوم فعلاً فهي بحاجة إلى أشياء كثيرة قد لا يوفرها التاريخ لها، وعلى رأسها السلام.
إنها بحاجة فوق ذلك إلى أن يتغلّب العربي على نفسه، ويُصبح من السهل عليه من ناحية سيكولوجية، ونزعة تسامحية، أن يرى أقلية أو جالية مهاجرة يهودية في فلسطين تعيش معه في هذه الجغرافيا التاريخية القديمة التي تساكنت في الماضي وتعايشت، وكونت ثقافة كوزموبوليتانية حقيقية.
إسرائيل والصهيونية وجزء كبير من الشعب اليهودي يثقون بالحقيقة الخاصة بالمصائر التاريخية والسياسية القاسية، وعوضاً عن أن يتصالحوا مع أنفسهم ومع هذه الحقيقة، ويسعون إلى استثمارها لصالح اليهودي التعس، فإنهم يدفعون به دفعاً نحو الاغتراب في الغيتو التاريخي/ اللاهوتي الخاص به، ويزيدون من قسوة المستقبل الذي يخصه في هذه العالم. ولا أحد يُصغي إلى الحكمة أو العقل.
كانت كساندرا (الكاهنة الطروادية) قد منحتها الآلهةُ هبةَ استشراف المستقبل، لكنها في الوقت نفسه أوقعت عليها لعنتها الأبدية بأن لا يصدقها أحد. وقد يأتي يوم تتمنى فيه الصهيونية وإسرائيل لو أنها صدّقت كساندرا خاصّتها، وسارعت إلى تحليل وتشريح الآفاق والتوقعات الخاصة بمصائر أساطيرها الكبرى عموماً، والأساطير الصغرى لإسرائيل خصوصاًَ.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }