كايـد هاشـم - لعلها مفارقة من المفارقات التي تصنعها الأقدار في تاريخ الأدب أنَّ آثار الشابي النّقديّة، خصوصاً محاضرته "الخيال الشِّعريّ عند العرب" -المطبوعة في تونس سنة 1930- كانت أسبق في الظهور بالنشر وفي قوّة الأصداء من مجموع أغلب إبداعه الشعريّ أو ديوانه "أغاني الحياة".
فهذا الديوان اليتيم لم يقيَّض له الخروج إلى أيدي القراء والدارسين إلاَّ بعد مرور أكثر من عشرين عاماً على وفاة صاحبه في سنة 1934، بينما خرج الديوان إلى الناس في سنة 1955، كما أعدّه الشاعر واختار قصائده قبل وفاته.
لكنّنا إذ نلمَح هذه المفارقة، لا نستطيع القول إنَّ الشابي النّاقد عُرِفَ قبل الشابي الشاعر، سواء في موطنه أو في المحيط العربيّ. ولا يمكنّنا كذلك أن نوحي بشيءٍ من المفاضلة بين أثر شعريّ وآخر نقديّ، حتى في الأسبقيّة الزمنيّة. فذلك ?بلا شكّ- من ضروب العبث. وما صورة الشابي التي أمامنا إلاَّ صورة من صور تجارب الفكر في الحياة، إنْ تماوجت فيها الخطوط والظلال فإنّما لتتساوق إلى تكوين وِحدة واحدة متآلفة، منسجمة الأجزاء. وإنْ تباينت في جوانب منها الزوايا والمنحنيات، فإنما لتُفصح عن طبيعة المؤثرات التي أغنت التكوين الكلّيّ وأطّرت المسارات.
والحديث يبدأ من أنَّ الشابي نموذج لوعي المثقَّف العربيّ الشاب في مرحلة من التاريخ الحديث اتسمت بمخاض عسير في الحياة العربيّة. فالمجتمع الذي نشأ فيه كان يرسف في أغلالِ الاستعمار، الذي عاونته قوى رجعيّة على إبقاء هذا المجتمع في حالٍ مؤلمة من الجمود والجهل والضلال والفقر. ومثل هذا المجتمع كان في حاجةٍ ?كما يقول رجاء النقّاش- إلى "الفنّان ليوقظه من ركود الإحساس والشعور، وكان يحتاج إلى الثائر ليقوده في معركةٍ سياسية واجتماعية حاسمة".
والشابي لم يكن سياسيّاً أو مقاتلاً ثوريّاً ?هكذا يصفه أبو القاسم محمد كرو في كتابه "الشابي: حياته وشعره"- وإنما كان له من اتّقاد الفكر، والخيال المشبوب، ودقّة الحسّ والشعور، ما لا يرضى منه عن آلام مجتمعه ومكابدة البؤس والشقاء وظلم الأغراب الغُزاة. فتفتحت في نفسه روح المقاومة والتغيير والتجديد مُغتذيةً بالمَلكَة الأدبيّة ومكلّلةً بها، وراح يتأمّل في مطالعاته واتصاله بمصادر الثقافة هذا الأدب وكيف يبعث تيارات الحياة حارّة صادقة مُحرِّكة للنفوس والعقول، لتكون "نهضة التحرير في عالمنا العربيّ .. بتمهيد من نهضة يتحرَّر فيها الفكر العام من كابوس الماضي". وتيقَّن أنَّ "الأدب الذي هو مظهر الروح، وتلك النهضة الأدبيّة الضامنة للفوز بالفاعليّة والخلود، هي التي ستضمَن حريّة الأمّة في المستقبل عندما تتحرَّر العقول من جمود العبادة للماضي، وهي مدرَج تحرّرها من الظالمين الأجانب والأنانيين جميعاً".
على هدي هذه الفكرة سارَ الشابي داعياً للإصلاح والتحرّر من الدواخل الذهنيّة الراكدة قبل الاستقلال الخارجي عن الاستعمار، وعاملاً بحماسة للتنوير الفكريّ والاجتماعيّ بين بني قومه، وباحثاً عن أدواته ووسائله عِبر أدبٍ حيٍّ جديد.
وتلك الصورة هي التي نطلّ منها على ممارسته النقديّة ومنطلقاتها، والتي كان من الممكن، لو امتدّ به العمر، أن تتشكِّل مشروعاً في النّقد العربيّ الحديث، بالقياس إلى التأثير الذي أوجده أدب الشابي في مجتمعه والثقافة الأدبيّة خلال سنوات قليلة.
***
قُدِّم الشابي إلى جمهور الأدب في تونس منذ العام 1925، على يدي صديقه ومُكتشف موهبته الأديب زين العابدين السنوسي الذي يبدو أنّه عَرَف الشابي أو تعرَّف إليه في ذلك العام، والذي يقول في الكتاب الصغير الذي وضعه عنه ("أبو القاسم الشابي: حياته وشعره"، ص 25-26): "رأيتُ منه ما أُعجبت به وأكبرته، فأخرجتُ له قصائده في الصحف الأدبيّة التي كنتُ أُشرفُ عليها كل يوم اثنين. وفي العام الموالي اخترت له صفحات جميلة أخرجتها له في الجزء الأوّل من كتابي (الأدب التونسيّ في القرن 14)، وقُلتُ فيه لسنتها: هو أنبغ من رأيناهم من شبابنا". ثم تابع السنوسي التعريف بالشابي ونشر إنتاجه عِبر مجلّته "العالم الأدبيّ" خلال السنوات 1930-1934. وأخذ الشابي ينشر قصائده خلال العامين الأخيرين من حياته في مجلّة "أبولو" القاهريّة، فعُرِف إلى حدٍّ ما خارج موطنه الأصليّ. وكان السنوسي هو الذي قدَّم صديقه النابغة في محاضرته أو مسامرته الأولى "الخيال الشعريّ عند العرب" في قاعة الخلدونيّة بتونس، في كانون الأول 1929، وتولّى طبعها عقب ذلك بمقدِّمة منه في مطبعة العرب العائدة له.
لَفَت شعر الشابي في تلك المرحلة اهتمام السنوسيّ كما القراء والوسط الأدبيّ في تونس وإلى حدِّ ما خارجها، لما فيه من تجديد وروح مفعمة بالثورة والإحساس بالإنسان الجوهر في هذا الوجود، غير أنَّ محاضرته الجريئة الصريحة عن "الخيال الشعريّ " أثارت عند إلقائها وجوماً وصدمةً لدى مَنْ استمعوا إليها، وما لبث صداها عند نشرها في كتاب أن تحوّل إلى عواصف وضجيج من ردود وخصومات في الصحف والمجلاّت التونسيّة، وفي صحف عربيّة منها مجلّة "أبولو" ومجلّة "منيرفا" في مصر.
فما الذي جاء به الشابي ابن العشرين ربيعاً، وابن عالِم تونسيّ من خريجي الأزهر، وهو يُحاضر على منبر الخلدونيّة بدعوة من النادي الأدبيّ لجمعيّة قدماء الصادقيّة، وعلى مسافة خطىً معدودات من جامع الزيتونة، بكل ما قد توحي به المسميات وهذه الأجواء من إيحاءات تتصل بشؤون من الثقافة التراثيّة الأدبيّة واللغويّة النازلة من نفوس القوم منازل الثبات والوثوق، وقد طال وقوف الورثة عندها وركون إحساسهم ووعيهم إليها، حتى جَمُدَت صور الحياة في نفوسهم جموداً عطَّل تفاعلهم مع متطلّبات وجودهم الحاضر، وباعد بينهم وبين أدب الحياة القادر على تغذية الشرايين المتكلِّسة بالدماء الحيّة الحارّة، وشلَّ قوى التفكير والإبداع والابتكار، وأبقاهم في عزلةٍ من هياكل لغويّة مزوّقة يقيمون على التغنّي بها والتلهّي برنينها المُطرِب؟!.
لقد دُعي الشابي إلى إلقاء محاضرة عن "الخيال عند العرب"، وصادف الموضوع من نفسه هوىً كثيراً ما نازعته إليه، فقسَّم موضوعات بحثه على سبعة أقسام، بحث في الأوّل منها "الخيال" ونشأته في الفكر البشريّ، وما كان يُفهَم منه عند الإنسان الأوّل، وانقسامه، وانتقل من هذا البحث النظريّ إلى النَّظر التطبيقيّ في الخيال الشعريّ في الأدب العربيّ وعَلاقته بالأساطير العربيّة، والطبيعة، والمرأة، والقصّة، وانتهى إلى نظرة عامة بعنوان "فكرة عامّة عن الأدب العربيّ"، وبحث في "الرّوح العربيّة" من حيث طبيعتها الخاصّة والعوامل التي كوَّنت فيها ذلك الطبع والمؤثّرات التي عملت على إبقائه في مختلف العصور.
وفي هذا القسم الأخير يلخِّص شيئاً من نتيجة بحثه بقوله: "إنَّ كلّ ما أنتجه الذِّهن العربيّ في مختلف عصوره، قد كان على وتيرةٍ واحدة، ليس له من الخيال الشِّعريّ حظٌّ ولا نصيب. وأنَّ الروح السائدة في ذلك هي النظرة القصيرة الساذجة التي لا تنفذ إلى جواهر الأشياء وصميم الحقائق، وإنّما همّها أن تنصرفَ إلى الشكل والوضع، واللون، والقالب، أو ما هو إلى ظواهر الأشياء أدنى من دخائلها، فهي لا تتحدَّث عن الطبيعة إلاّ بألوانها وأشكالها، ولا يهمّها من المرأة إلاَّ الجسد البادي. وهي في القصّة لا تتعرَّف إلى طبائع الإنسان وآلام البشر، وفي الأساطير لا تعبِّر عن فكرٍ سامٍ وخيالٍ فيّاض، وإنّما هي أوهام لائشة وأنصابٌ جامدة" ("الخيال الشعريّ"، "موسوعة الشابي"، مجلد 1، ص 133).
وأرجع إلى النزعتين "الخطابيّة" و"المادية" في الأدب العربيّ القديم، مذهب الروح العربيّة الحائمة في هذه الحياة، التي لا تعرف الأناة في الفكر والاستغراق فيه بأثر الخطابيّة المشتعلة؛ فضلاً عن أنها لا تستطيع بسبب ماديتها المحضة الإلمام بغير الظواهر، فتقصُر عن الاسترسال مع الخيال إلى أبعد شوط وأقصى مدى. فالخيال مصدره الشعور، والشعور الدقيق العميق يُفضي إلى الخيال الفياض القويّ، ونادراً ما تجتمع الخطابة ودقّة الإحساس في النفس، "لأنَّ الخطابة تعتمد المزاج الناريّ والنظرة البسيطة والإلمامة القانعة. ودقّة الإحساس تستلزم المزاج الهادىء والنظرة الطويلة المتدبِّرة والإحاطة الشاملة المتقصّية" (ص 134).
من هذا المنظور، رأى الشابي أنَّ كثيراً من قصائد الأدب الجاهليّ والأمويّ لو فُكَّت من قيود الشعر وأصفاد القريض لكانت خطباً رائعة، خصوصاً أنَّ العرب لم ينظروا إلى الشاعر على أنه "رسول الحياة لأبنائها الضالعين بين مسالك الدّهر"؛ بل نظروا إليه على أنه "حامي ذِمار القبيلة" والخطيب الذي ينظم ما يقول (ص 134). ورأى في هاته الآثار التي أثرتها النزعة الخطابيّة، بما توجده من حدّة وتسرع في الطبع، تأثيراً في اللغة العربيّة من حيث كَثرة المترادفات فيها. فالخطابة "تؤثر الفصاحة على أي شيء آخر، ولا بدَّ للفصاحة من مورد غزير تستمدّ منه جمال القول وبراعة الأسلوب، ومنها ميل العرب إلى الإيجاز ميلاً قويّاً حتى إنهم ليعدونه روح البلاغة" (ص 138).
هذه النزعة نفسها فرضت ما يسمّى "وحدة البيت" في الشعر العربيّ، فأصبحت القصيدة العربيّة أشبه بكون صغير "تُحشَر فيه الأفكار حشراً وتُرصُّ فيه المعاني رصّاً"، لكنها تفتقد لمحور واحد تدور عليه وتحيط به من جميع النواحي (ص 138).
وينظر الشابي إلى تأثير البيئة الجغرافيّة على تمكُّن نزعتي الخطابة والماديّة من أدب العرب، فيجد أنَّ الأرض التي نشأ عليها هؤلاء، والتي "لم تُجرِ عليها الطبيعة ريشة الفنّ، ولا ضربت عليها سحر الجمال، ظلَّت محرومة من ذلك الجمال الإلهيّ الذي يغمر النفس بما يفيض عليها من سعادة الحسّ ونشوة الشعور" (ص 138-139)؛ بمعنى أنَّ الصحراء الشاحبة والأرض القاحلة الجدوب لم تدع لهم حياة مطمئنة وغبطة عيش رخيّة؛ بل انعكست خصائصُها عليهم بحياة من "ثورة جامحة كالرياح، ظامئة كالهواجر، متضرّمة كشمس الظهيرة، لا ترتوي ولا تشبع، ولا تسكن إلى الراحة، ولا تخلد إلى السكون" (ص 139).
ويقول في أثر مثل هذه الحياة في النفس، إنها "تجعل همَّ الناس في ألسنتهم، لأنَّ الكلّ يودُّ قود الجموع بلسانه وخوض المعامع بسيفه، والطبع الحاد يجعل الكلام يندفع من أقاصي النفس اندفاعاً متسقاً متوازناً، وصفاء القريحة يعين على تخيُّر الكلمات. وهل الخطابة في الحقيقة إلاَّ اندفاعات منقطعة وحركات متباينة وألفاظ فخمة رائعة؟" (ص 140).
ويربط الشابي بين طبيعة حياة العرب في صحرائهم مترامية الأطراف، ونشوء النزعة الماديّة وتمكّنها من ذائقتهم الأدبيّة، بقوله: "وما أحسب أنَّ مَنْ عاش بين مثل هذا الطبع الجموح وتلك الطبيعة العارية بمستغرق في الفكر أو متعمِّق في الشعور، وأنّى له بمثل ذلك والطبع العجول يحتثه ولا يدعه يتريث في فكر أو عمل، والطبيعة الكالحة لا تحرِّك في نفسه المشاعر ولا تُحيي دفائن الإحساس.. ما الذي يوقظ الحسّ وينبّه طائر الخيال إنْ لم يكن هو ذلك الجمال الفنّي الذي ينسدل على الكون وينسجم على ما بين السماء والأرض؟" (ص 140-141).
لكن إذا كان هذا الكلام ينطبق على العصر الجاهليّ والروح التي طبعت أدب ذلك العصر، فما تعليل الشابي لامتداد هذه الروح أو ما يشبه هيمنتها على آداب العصر الأمويّ والعصر العباسيّ والعصر الأندلسيّ، حيث تغيَّرت البيئة الطبيعيّة والمعنويّة التي ألفها العرب وهم يرفلون في أحضان الحضارة والمدنيّة، فعاشوا في المدن والحواضر، ونعموا برغد العيش في أماكن بعيدة عن الصحراء، لها من سحر الطبيعة أنصبة وافرة؟.
يرى الشابي أنَّ ثمّة عوامل أخرى، غير البيئة الطبيعيّة، كان لها تأثيرها في آداب العصور التالية للعصر الجاهليّ، ومع اختلاف هذه العوامل إلاَّ أنها قربت بين الأدب الجاهليّ وبين تلك الآداب في الروح والفكر والخيال، وإنْ لم تَقْوَ على ردِّ مفعول الزمن في الأسلوب. وفي مقدمة هذه العوامل "الوراثة". وقد ظهر أثر هذا العامل صراحة في العصر الأمويّ، الذي ظلَّ عصراً عربيّاً في طابعه ومنزعه وشعوره، ولم يختلط العرب خلاله اختلاطاً كبيراً بعناصر أخرى غريبة، ولم تتبدل البيئة الطبيعية كثيراً عما عَرفوا في الجاهليّة، فظلّوا على سيرتهم الأولى في الروح الأدبيّ، باستثناءات قليلة يمثِّل لها الشابي بالتجديد الذي انفرد به عمر بن أبي ربيعة في الشعر القصصي، وإن كان جديراً برأيه أن يسمّى "توسعاً لا تجديداً"، لأنَّ الشعر الجاهليّ لم يَخْلُ من هذا الفنّ خلوّاً تاماً، ثم بالشعر السياسيّ الذي دفع به التنافس على الحكم والأحقاد بسببه في ذلك العصر، وقد عُرف في الجاهليّة بشكل مختلف واسم آخر.
أما عن العصر العباسي، فلا يُغفل الشابي ما جاء به هذا العصر من تحوّلات في امتزاج العرب بغيرهم من الشعوب، وسكناهم المدن والأمصار في بيئات طبيعيّة متنوّعة، وتلوّن حياتهم بجمال الحضارة الناشئة، ويجد أنَّ ظاهرة شعر الطبيعة من مستحدثات هذا العصر الزاهي، "لكنَّ المزاج العربيّ العتيد، الذي لم يزل قويّاً شاعراً بنفسه قد طبعَ هذا النوع الجديد من الأدب بطابعه الخاصّ وأسبغَ عليه حلّة ضافية من نزعته الماديّة، فكان حسيّاً لا يتحدَّث إلاَّ عن اللون والشكل وما إليهما، إلاَّ شيئاً قليلاً ضئيل الأثر حاول أن ينظر إلى الطبيعة نظرة قويّة نافذة".
ويكاد أدب العصر الأندلسيّ يخرج عن الروح التي سادت أدب العصور السابقة، بعد أن امتزج العرب بالعنصر الأندلسيّ امتزاجاً شديداً، ودخول هذا العنصر في الإسلام واتخاذه اللغة العربيّة أداةً للتعبير، وبعد أن ساعدت طبيعة أرض الأندلس الجميلة في تغيير الأسلوب الذي درج عليه شعراء العرب وأضعفت به المزاج الموروث، فكان أن شعر أولئك بالحاجة إلى التعبير عن روح تستوحي من طبيعة الأندلس نفسها وتمتاح من نهر الحياة في هاتيك الديار، فجدّوا في البحث عن منابع جديدة للشعر، لكنهم لم يوفقوا إلى منبعٍ حقيقيّ، لأن بحثهم انصبَّ على "قشور الحياة وأزيائها، وفتشوا عن حقيقة النفس في فنون الكلام فجددوا في الأوزان ولم يجددوا في الروح، وتفنّنوا في الأساليب ولم يتفنّنوا في الجوهر واللبان". وجاءت نكبة ضياع الأندلس لتقطع كل سبيل في محاولة إيجاد نوع من الإبداع القويّ والعميق لا عهد للأدب العربيّ بمثله!.
وإلى هنا يقف الشابي في الكشف عن أثر الوراثة في الأدب العربيّ لينتقل إلى الإشارة للعامل الثاني الذي يراه في ما كان يُفهَم من الأدب عند كثير من النقّاد في الإسلام، من أنه لا يُقْصَد بوصفه فنّاً جديّاً من فنون الحياة له روحه وأطواره ونزعاته، فهم يتفقون في مدلوله ويختلفون في الغرض من استعماله. وأن عمرو بن العلاء وطبقته نظروا إلى الأدب كوسيلة من وسائل الدّين، يمارسونه ويدرسونه بغرض فهم غريب القرآن والسنّة، أي يدرسونه كمصدر للألفاظ والتراكيب والجمل والأساليب، التي ليس وراءها روح ولا فكر، ما جعل الأدب الجاهليّ بألفاظه الفخمة هو النموذج المُنتخب للأدب، ولا أدب بعده، فعلى منوال الشعر الجاهليّ يجب أن ينظم الشعراء، حتى لو كانوا من غير ذلك العصر ولا بيئته ولا يحملون مفاهيمه، ولا عهد لهم بالفيافي والقفار والرواحل وسراب الصحراء.
أما العامل الثالث، فيراه الشابي متمثِّلاً في أنَّ العرب لم يترجموا من آداب الأمم الأخرى ما يحدث انقلاباً في الروح العربيّ. فقد ترجموا فلسفة اليونان وحكمة فارس والهند وعلومهما، وعزفوا عن ترجمة آداب اليونان والرومان لما فيها من نزعة وثنيّة. ولعل تمسّكهم بأدبهم كمثلٍ أعلى لهم كان سدّاً حاجزاً بينهم وبين الاطلاع على ما في آداب غيرهم من تجليّات الإبداع، فبقيت الروح الشعريّة العربيّة على حالها مع تعاقب الأجيال.
هذا باختصارٍ ما خلُص إليه الشابي في دراسة الخيال الشعريّ في الأدب العربيّ، وجاهر به جهراً حمَّله الكثير من العنت وفتح عليه أبواباً للهجوم من كلّ حدب وصوب، وإنْ لم تؤدّ عواصف النقد التي ثارت حول محاضرته ثم كتابه إلى تقديمه للمحاكمة الرسميّة، كما حدث مع طه حسين في كتابه "في الشعر الجاهليّ"، الذي صدر قبل كتاب الشابي بنحو أربع سنوات (سنة 1926)، وكانت أصداء الأزمة التي أحدثها ما تزال تتردّد في دنيا الفكر والأدب العربيين حين صدر كتاب الشابي، رغم أنَّ طه حسين تراجع أمام ضراوة ما تعرّض له وأعاد طبع كتابه بعنوان آخر هو "في الأدب الجاهليّ" بعد أن حذف فصلين منه واستبدل بهما فصلين جديدين. وقيل أنَّ الشابي تراجع عن آرائه، لكنّنا لا نعرف كيف كان تراجعه وعلى أية صورة.
يقول صديقه الشيخ محمّد المختار بن محمود في مقال له بعنوان "ذكريات وحقائق" بعد أن يذكر شيئاً عن دراسة الشابي في جامع الزيتونة: إنَّ الشيخ عثمان بن الخوجة، وهو أحد الذين دَرَسَ على يديهم الشابي، كان له أسلوبه الخاصّ في الدرس، "هو تربية عقول الطلبة وترقية مداركهم وعرض المسائل عليهم بأسلوب المناقشة والجِدال وعدم الإذعان للتسليم بالشيء قبل فحصه وعرضه على العقل الصحيح، زيادة على ما كان لهذا الشيخ العظيم من حريّة القول وحريّة الفكر وحريّة الضمير في كلّ ما يتعلَّق بقضايا الحياة".
ويعتقد الشيخ محمّد المختار أنَّ لأسلوب الشيخ الخوجة دخلاً في تكوين الشابي من الناحيتين الفكريّة والعمليّة. ويؤكّد أنَّ النهر الأصليّ في تكوين الشابي هو جامع الزيتونة، وما نهله من الكتب المترجمة وأدب المهجر وكتابات العقاد والمازني وطه حسين لم يزد عن روافد زادَ بها خبراً ومعرفةً وذوقاً (ص 232-233، مج 3). أما كتاب "الخيال الشعريّ" فهو عند الشيخ "أفكار عابرة لم تأخذ حظها من الدقّة ولا من التمحيص ولا من استقصاء المرجع ولا من التثبُّت في الحكم"، و"أنَّ تلك المسامرة لا يصحّ أن تعتمد عند دراسة الشابي بحال من الأحوال" (ص 237-238، مج 3).
ونقرأ رأياً للأديب محمّد الحليوي حول كتاب "الخيال الشعريّ" لا يُسلِّم فيه للشابي ?صديقه أيضاً ? بأفضليّة السبق والابتكار "في جلّ ما عقده من الأبواب ووصل إليه من نتائج واستخلصه من الآراء"، بل يعزو تأثره في الكتاب وإلى حدّ بعيد بما كتب المجددون في الأغراض والمعاني نفسها، خصوصاً العقاد ونعيمة (ص 446، مج 3). ولا يجد الحليوي وجهاً للتأثّر بطه حسين، الذي لم تكن له آراء بارزة معروفة في النواحي التي طرقها الشابي (ص 446، مج 3، الهامش). والكتاب عنده أشبه بطرفة فنيّة في الكتابة أكثر منه كتاباً علميّاً.. لكون مؤلّفه لم يبعد بنفسه فيه عن مظنة التسرّع في الأحكام، ولم يتحرّ فيه دقّة الباحث المنزّه عن التحامل، والمؤرخ المجرد عن الهوى " (ص 451، مج 3).
وهنالك الكثير من الآراء ووجهات النظر التي دارت حول ما أراد الشابي قوله في "الخيال الشعريّ"، لكنها في معظمها تتحدَّث عن المؤثرات والبواعث والظروف التي أحاطت بالكتاب ومؤلّفه، وليس بما يفصح عنه الكتاب من داخله، بيد أنَّ قلّة منها هي التي اتجهت إلى نصوص الشابي وتنظيراته النقديّة لتقرأ ما بين السطور، كما فعل الأديب الليبيّ محمّد خليفة التليسي في دراسته "الشابي ناقداً ومنظِّراً" (ص 417-426، مج3)، ففيها نظر إلى عمل الشابي في إطار أزمة الضمير العربيّ الحديث وما ألقته من عبء ثقيل على الشاعر العربيّ المُجدِّد وانشغاله بإعادة تنظيم الواقع العربيّ، فدفع به ذلك إلى الخروج عن حدود وظيفته التقليديّة لتتكوّن مع مفاجآت التجديد ومغامراته ظاهرة بروز الشاعر الناقد والشاعر المفسِّر والشاعر المنظِّر، فيما قليل من النقّاد استطاعوا أن يسايروا الشاعر الحديث في مغامراته ومشكلاته، ما جعله ينهض بهذا العبء وحده، دون مساعد، الأمر الذي زاد من توتره وعمق إحساسه بالغربة واللاتفاهم واللاتواصل.
فالشاعر أمام تعدّد مشكلات الشعر الحديث وعمقها وتنوعها شعر بالعجز عن إيصالها بيسر وسهولة وعفويّة إلى القارئ، فسعى إلى مساعدة هذا القارئ على فتح مغاليق نفسه وإلقاء الأضواء على عالمه الخاص وترسيخ القواعد التي يتبنّاها ويأخذ بها، من خلال ما يعدّه التليسي "نوعاً من البيان"، مارسه صلاح عبد الصبور في "حياتي في الشعر"، وعبد الوهاب البياتي في "تجربتي مع الشعر"، وأدونيس في "زمن الشعر"، وغيرهم. وكان الشابي من الأوائل السابقين الذين سعوا للبحث عن "فكرة شاملة تستوعب تجاربه ونظراته إلى الوجود وفكرته عن الفنّ والحياة". وفي ثمرات هذا البحث ما يكشف لنا أهميّة الدور التجديديّ الذي مارسه أدب الشابي في الوجدان الحديث، كما تكشف عن "عناصر البقاء والاستمرار والمعاصرة في ثورته التي ما تزال تطالعنا في المحاور الرئيسيّة التي يتحرَّك حولها الشعراء المعاصرون".
وعلى هذا، فإنَّ مواجهة الشابي في وقت مبكِّر لقضايا الشعر ومشكلات الشاعر المجدِّد في كتاباته النقديّة، أوشكت به إلى صوغ فكرة متكاملة عن نظرته للشعر. ويعدّ التليسي ما أنجزه الشابي منها كافياً لتفسير عمله الإبداعيّ.. شاعراً مخلصاً لنفسه ولقضيّة الشعر، "اتخذ من أصالته الذاتيّة منبعاً يستمدّ منه طابعه المميز الفريد، فأبى أن يعيش تجربة غير تجربته، وعصراً غير عصره".
وتبرهن لنا مقدّمة الشابي لكتاب صديقه أحمد زكي أبي شادي "الينبوع" (سنة 1934)، وهي بعنوان "إلمامة: الأدب العربيّ في العصر الحاضر"، على أنَّ ما جاء به في "الخيال الشعريّ " لم يكن عابراً ولا بتأثيرٍ لم تبلغ به نظرته عمق الأشياء، بل إنَّ كتابه النقديّ هو من نسج روحه ومعتقده الأدبيّ، وفيه تمثيل للنهج الذي أراده لتجربته. فهو يعلي من شأن اتصال الأدب العربيّ بجميع آداب العالم وبروحها، لما في ذلك من اكتساب الأدب "ثروة ضخمة في الصور والمعاني والأخيلة والأساليب بصورةٍ لم تعرفها الآداب العربيّة من قبل، وإنْ أفادت اللغة العربيّة مرونة ودقّة أصبح بهما الأديبُ الشاعرُ يستطيع أن يعبِّر عن أخفى العواطف المستترة، وأدقّ الأحاسيس الغامضة، وأعقد الحالات النفسيّة التي كان أديب الأمس لا يستطيع تصوّرها وإدراكها، فضلاً عن التعبير عنها".
غير أنه يتنبه إلى قضيّة من نتائج هذا الاتصال الوثيق مؤدّاها ما يحدث من "بلبلة في فهم الشعر وضبط مقاييسه وموضوعه وغايته.. حتى أصبح لكلّ أديب مقياسه في فهم الشعر وتقديره، وأصبح النقد فوضى لا تُضبط لها حدود ولا تقوم على أساس محترم من الجميع".
وينظر الشابي نظرةً في مجمل النزعات التي تتقاذف الأدب العربيّ المعاصر من خياليّة، ورمزيّة، وفلسفيّة، وتاريخيّة، وغزليّة، فلا يجد فيها ما يروي الظمأ، ويعبِّر عن حقيقة الشعر ورسالة الشاعر. ولهذا يرفض أن يكون فهم التجديد على أن يأتي الشاعر في أسلوبه ومعناه بما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشيء، وأن يخلق آثاره من العدم. ويطالب الشاعر أن يمضي قدماً صامّاً سمعه عن تلك الأصوات الكبيرة المتباينة، مصغياً إلى صوت الحياة المتدفِّق في جوانب نفسه، مستطلعاً نور السماء المشرق في آفاق روحه الحالمة وفي أعماق الوجود. فروح الشاعر روح حرّة لا تطمئن إلى قيد من قيود النزعات والمذاهب المحدودة. وما فرض الآراء والمذاهب والأحلام فرضاً على الشاعر إلاَّ تضليلاً للمواهب الناشئة الجديدة وسخرية للمواهب الكبرى. وإذا جاز لنا أن نطالب الشاعر في شعره بغير الحياة، فأن نطالبه بأن تكون هذه الحياة رفيعة سامية تتكافأ مع ما للشعر من قدسيّة الفن وجلاله".
* اعتمدت في مطالعة آثار الشابي وبعض ما كُتِب حولها على "موسوعة الشابي"، التي أصدرتها مؤسسة جائزة عبد العزيز سعود البابطين في الكويت العام 1994.