* د. حسين جمعة
هذه مجموعة من الحكايات الشعبية اليابانية، التي حافظت على بقائها واستمرارها لآلاف السنين بالجمع ما بين الأصالة والحداثة، كما يشير مترجم الكتاب د.بكر عبد المنعم، الذي يقول إن اليابانيين برعوا في هذا الجمع، وهم بذلك يستحقون الإعجاب والتقدير، وإن المعجزة اليابانية الحالية تستمد قوتها وعنفوانها من التراكمات الحضارية والثقافية المتجذرة في عمق التاريخ، ويتمنى على أبناء أمته أن يتعرفوا على التجربة اليابانية، ليسعفهم ذلك في معركتهم في الحفاظ على تراثهم وتحديث أمور حياتهم وبناء مستقبلهم.
ويلفت إلى أن هذه القصص الشعبية هي نتاج مخيال شعب عظيم، تناقلتها الأجيال، وظلت تحتفظ بمغزاها ومحمولاتها المعنوية والمادية حتى الآن: فهي جزء من الحكمة اليابانية وطرائق التفكير الياباني وتركيبة العقل الياباني. وهو إذ ينقلها إلى العربية، فإنه يود تعريف قومه على أحد جوانب عظمة اليابان، وعلى جزء يسير من أصالتها وتراثها العظيم.
يحتوى الكتاب على إحدى عشرة حكاية من التراث القديم، وضعها المترجم تحت عنوان: "أصالة اليابان"، وكان قد نشر قبل عقد من الزمن مجموعة أخرى من القصص الشعبي، ووسمها بـِ"حكمة اليابان".
"موموتارو" عنوان الحكاية الأولى، وتعني "الولد الدراقة"، وهي تسرد قصة رجل وامرأة طاعنين في السن، لم ينجبا ولداً. الرجل يشتغل في التحطيب، والعجوز في غسيل الملابس على النهر. عثرت في أحد الأيام على دراقة كبيرة جرفها النهر، ثبت أنها لطفل صغير بعثه الرب لهذه الأسرة الفقيرة.
عاش "الولد الدراقة" بينهما ابناً بارّاً، إلى أن كبر، فطلب منهما الإذن بالمغادرة حيث تنتظره مهمة عظيمة، هي القضاء على سكان جزيرة مسكونة بالغيلان، كانت تذيق اليابانيين أصناف الهلاك وتنهب الممتلكات وتختطف الرجال والأطفال وتأكلهم، وسار في دربه المملوء بالمخاطر، وفي الطريق ظهر له كلب ضخم، لكن "موموتارو" تحداه، وكشفت شجاعته للكلب أن هذا هو "موموتارو" الموعود، حيث رافقه للقضاء على الغيلان. وظهر بعد سير قليل من بين الأشجار أحد القرود، ورافقهما كذلك، وعند اجتيازهما أحد المستنقعات قفز إليهم طائر من طيور الحجل، وسارا جميعهم إلى جزيرة الغيلان، واستطاعوا تصفية الغيلان والقضاء عليها، والاستيلاء على ما فيها من ذهب وفضة وغيرها، وعادوا جميعها بهذه الثروات واستطاعوا بواسطتها أن يعيشوا هم والعجوزان حياة سعيدة، وأن يتقرب إليهم الأنصار والأتباع.
الحكاية الثانية هي "إبريق الشاي الذي يجلب الحظ"، الذي اشتراه أحد تجار الخردة من أحد الكهنة الذي كان بدوره قد اشتراه من أحد التجار، لكن تصرفات الإبريق والأصوات التي كانت تصدر عنه والكاهن نائم، دفعته لبيعه والتخلص منه. وقد استطاع تاجر الخردوات أن يقيم علاقة جيدة مع الإبريق، ويشكل فرقة للرقص على هيئة سيرك متنقل، وقد تمكن التاجر من جمع ثروة طائلة، وبعد أن اكتفى حلَّ الفرقة بالاتفاق مع إبريق الشاي، وذهب إلى الكاهن واقتسم وإياه الثروة التي حصل عليها، ويقال إن الإبريق توقف عن الأعمال السحرية، وما يزال محفوظاً في مورينجي كأثمن كنوز المدينة.
الحكاية الثالثة تتحدث عن انتقام سلطعون لوالده، الذي قتله أحد القرود غيلة وغدراً، واستولى على ثمار شجرة البيرسيمون العائدة له.
وقد استعان الابن بأصدقاء والده، ومنهم الهاون والكستناء والدبور، الذين أوقعوا بالقرد، وتمكنوا من إيذائه والإمساك به وتسليمه للسلطعون الابن، الذي قام بدوره بقطع رأس القرد جزاء له على خيانته وغدره بصديقه. وهكذا نال السلطعون الصغير من قاتل أبيه، وثأر له ولنفسه.
الحكاية الرابعة عن عجوزين لم يُرزقا بأطفال، ولكن كان عندهما كلب اسمه "شيرو" بمثابة الابن الوفي لهما، وكانا يخصان الكلب بأفضل ما عندهما من غذاء وطعام. كان الكلب يرافق العجوز في الذهاب إلى الحقل والتحطيب، وفي إحدى المرات أخذ الكلب في العواء، وفي جر العجوز إلى إحدى الشجيرات، وبدأ يحفر بيديه ويعوي على صاحبه، الذي أدرك قصده، وأخذ يحفر، فإذا بشيء يلمع، فلم يصدق ما رأى. وكان كلما تعمق ارتفعت نسبة حصوله على الذهب، فحمل ما يكفيه وعاد إلى منزله، وما إن بدت عليه وعلى زوجته أمارات الثراء، علم جارهما الذي كان يكره الكلب، بما حدث مع جيرانه، فطلب منهما الكلب لبضعة أيام، ولما كان العجوزان في غاية الطيبة، سلّماه الكلب، فأخذه الجار إلى حقله وبدأ يضربه ليعثر له على كنز، فما كان من الكلب إلا أن اقترب من إحدى الشجيرات وشرع يعوي. أخذ الجار معزقه وبدأ في الحفر، وما إن تعمق قليلاً حتى جرت من الأرض مياه سوداء، وضاعف هذا من حنق الجار، فقام بقتل الكلب ودفنه تحت الشجرة في المياه السوداء. ولما سأل العجوز الجار عن كلبه اعترف له بفعلته، فاستأذن العجوز من الجار، أن يسمح له بملء قفة من رماد كلبه، حيث نثر قليلاً منه على أشجاره فتحولت إلى حديقة غنّاء. وصودف أن أحد الأمراء قد نشفت شجرة كرز مفضلة عنده، وقد سمع بالرماد العجيب، فاستدعى العجوز إليه الذي قام برش الرماد على الشجرة، فنمت وازدهرت، فكافأ الأمير العجوز على صنيعه. ولما سمع جار العجوز بهذا الخبر، حمل شيئاً مما تبقى من رماد وذهب إلى حديقة الأمير، مدعياً أنه هو الذي يجعل الأشجار تورق، وأن العجوز لم يكن سوى تلميذ صغير له. وما إن أخذ يرش الرماد على شجرات حديقة الأمير، حتى بدأت تتساقط أوراقها. وتجف غصونها، وألقي القبض على الجار، وجرت معاقبته وسجنه على كذبه. أما العجوز الطيب فقد أصبح اسمه "ميدتياشي" (أي "مورق الأشجار")، وأخذت ثروته تزداد يوماً بعد يوم، وأضحى معروفاً في سائر البلاد.
أما "العصفور ذو اللسان المقطوع"، فتتحدث عن عصفور قطعت زوجة الحطاب لسانه في غياب زوجها، وألقت به خارج القفص، مما أثار الحطاب وأزعجه، ودفعه إلى البحث عن صديقه العصفور، الذي وجده في عشه الكبير بين أهله في الغابة. وقد استقبل العصفور صاحبه الحطاب بحفاوة، وخيرّه بين هديتين، إحداهما خفيفة والأخرى ثقيلة. وبعد أن عاد إلى منزله، وهو يحمل السلة الخفيفة، فتحها أمام زوجته، فكانت مملوءَة بالملابس الثمينة وكنوز الذهب والفضة والأحجار الكريمة. وما إن علمت المرأة أن زوجها قد أخذ السلة الخفيفة وترك السلة الثقيلة حتى طلبت منه أن يدلّها على بيت العصفور، وذهبت من فورها إلى هناك، وطلبت من العصفور السلة الثقيلة كهدية لها، وتحملت ثقل السلة ظناً منها أن الكنز سيكون أعظم، ولم تحتمل الانتظار فقامت بفتح السلة في الطريق، لتخرج منها الأفاعي والحشرات والروائح الكريهة، وانسلت الأفعى وطوقتها وقامت الحشرات الأخرى بإيذائها، وبالكاد استطاعت الهرب والعودة إلى المنزل، وروت لزوجها ما أصابها، الذي قام بدوره بتأنيبها على جشعها وظلمها للعصفور. وكان هذا الدرس كافياً لها للعودة إلى طريق الحق والاعتراف بالخطيئة، وأصبحت طيبة القلب وعاشت هي وزوجها في أحسن حال وأسعد بال.
تلي ذلك حكاية الغرير الذي كان يسطو على حقل الرجل العجوز، ويعبث به ويفسد مزروعاته. وقد تمكن العجوز من صيد الغرير وتعليقه في سقف البيت حتى عودته مساء ليذبحه ويأكله مع زوجته. لكن الغرير احتال على المرأة العجوز وتمكن من الإيقاع بها وذبحها وطبخها، ولما عاد الرجل العجوز أخبره الغرير الذي كان قد تقنع بقناع زوجته أنه أعد له وليمة دسمة من لحم الغرير، وما إن أكل العجوز من لحم زوجته حتى كشف له الغرير عن نفسه وولى هارباً. وقد استعان العجوز بالأرنب صديقه للإيقاع بالغرير وقتله والثأر للمرأة العجوز منه، مما حدا بالرجل العجوز إلى مكافأة الأرنب على ما فعله، وإقامة وليمة على شرفه.
وفي حكاية "كيف تخدع القطة" طلب رجل ثري كان يهوى جمع التماثيل من نحاتين نحت تمثال لفأر يخدع القطة فتحسبه فأراً حقيقياً. وقد صنع أحدهما تمثالاً بشبه الفأر إلى حد بعيد، والآخر قدم شكلاً غريباً بعيداً عن شكل الفأر، وما إن حضرت القطة حتى انقضت على شكل الفأر الرديء، فما كان من الثري إلا أن سلّم المبلغ لصانع هذا الفأر. ولمّا سأله الثري عن السر في خداع القطة، اعترف النحات أنه صنع التمثال من عظم سمكة كبيرة، وهكذا استطاع خداع القطة، مما حدا بالثري أن يمنح لكلٍّ من النحاتين كيساً من الذهب، الأول لمهارته والآخر لذكائه، وقال لهما: سأحتفظ بالفأر الخشبي، وأمنح القطة الفأر الآخر.
تتوالى العبر والحكم في حكاية "الأمير والراعي"، التي تحكي أسطورة صنع النجوم وحياكة الضباب والسحب، وكيفية ظهور درب التبانة التي امتلأت بالنجوم، وأصبحت نهراً عميقاً، وذلك لمنع الأميرة ابنة ملك السماء من زيارة حبيبها الراعي. ولما توقفت عن الحياكة وعدها الملك بزيارة حبيبها يوماً واحداً في العالم في اليوم السابع من الشهر السابع إن هي استمرت في الحياكة. وأصبح هذا اليوم الذي يلتقي فيه الحبيبان يوماً قومياً يحتفل أطفال اليابان كل عام به، ويستمتعون بمشاهدة الكوكبين (الأميرة والفتى) يلهوان ويلعبان ويقضيان وقتاً ممتعاً.
وفي "السلحفاة المغنية" تنقذ السلحفاة أحد الشقيقين وتخذل الآخر، لأن الأول مثابر وبار لوالدته، والآخر عاق وكسول. فغنت أمام الجمهور للأول وامتنعت عن الغناء للثاني، مما تسبب بضربه من الجمهور وطرده من المدينة بوصفه غشاشا وكاذبا. وعاشت السلحفاة مع الشقيق الأول وأمه عيشة رغيدة بما كانا يحصلان عليه من أموال جراء استمتاعهم بأغاني السلحفاة وصوتها العذب.
ونعثر على عبرة مشابهة في حكاية "مغامرات كينتارو" أو الولد الذهبي، وفي حكاية "سابورو صياد سمك الإنقليس"، الذي كان صياداً ماهراً، و حصل على سمكة إنقليس وخنزير بري وبطاطا برية وطائر حجل وثلاث عشرة بيضة، وصنع منها وليمة أسعدته، وكلها واتته مصادفة ومن دون تعب، وكأن رقم 13 كان رقم حظه في ذلك اليوم.