احمد الطراونة
« يا هلي يا هلي.. يكفي ملامي والعتاب
لا تلوموني ترى قلبي صويب»
مسحنا عن ذاكرته غبار الحزن والأسى, ورحلنا معه إلى الوراء كي نستذكر ماض جسد فيه هشام يانس حالة إبداعية مثيرة للجدل، وفترة مشرقة من الفن المسرحي الجميل، الذي عاين كل تفاصيل حياتنا، لكنه وبحزن شفيف ومع كل إجابة كان يكرر أغنية «يا هلي يا هلي».
فهل كانت هذه الكلمات التي يرددها الفنان الأردني الكبير هشام يانس كافية لاختزال حالة الألم التي وصل لها من جراء المرض, وغياب الأصدقاء والأحبة إلا ما ندر، أم أن وراء الأكمة ما وراءها.
أبدع يانس منذ صغره حيث كان هاجسه تقليد الشخصيات العامة وخاصة الفنانيين واستمر في ذلك حتى وهو على مقاعد الدراسة حيث شارك في العديد المسرحيات على خشبة مسرح الاوبرا ومنها: «الرجل القذر» للكاتب الانجليزي الساخر (برنارد شو)، و «كلهم أولادي» للامريكي (آرثر ميلر) ، ثم ليعود الى الاردن ويعمل في التأليف الدرامي والتمثيل الاذاعي والمسرحي، ثم يعيّن مخرجاً ومنتجاً في الاذاعة الاردنية. ثم ينتقل للعمل في هيئة الاذاعة البريطانية (بي.بي.سي) حيث قدم نصوصاً تمثيلية اسماها (الرجل الطيب).
بعد ذلك اسس اول مسرح مدرسي في ابو ظبي بدأه بمسرحية (احمد بن ماجد) ثم ليعمل ايضاً في كل من امارة ابوظبي ودولة قطر كمراجع للنصوص التلفزيونية ومشرف على المسارح المدرسية هناك. ثم ليعود ويستقر في عمان ويتفرغ للكتابة كمهنة، فيكتب عشرات المسلسلات الاذاعية والتلفزيونية وكان من اهمها مثلاً: تل الفخار، النشامي يا بحر، الكنز، الظاهر بيبرس، وغيرها.
بعد ذلك قدم الفنان هشام يانس المسلسل التعليمي (المناهل) والذي حاز شهرة عربية واسعة فعمل كاتبا وممثلا في هذا لمسلسل ويعلو نجمه عربيا من خلاله. ثم لينتسب بعدها يانس المؤلف والممثل المليء بالحماسة والطاقة الفنية الإبداعية إلى رابطة الكتاب الأردنيين ونقابة الفنانين التي لم تستمر عضويته فيها لأسباب سياسية.
يانس الذي قال ذات مرة:?? لا مانع من ان استغل قدراتي وادواتي الفنية في اعمالي الفنية، فهناك ممثل ادواته الفنية عديدة لكن اهمها قد تكون عينية او حركة شفتيه، وهكذا وانا اجيد فن التقليد، فما هو المانع ان استخدم هذا الفن من خلال اعمالي.. والنصوص التي اقدمها بها تقليد للشخصيات، وتقليد الشخصيات ليست بالمسألة السهلة او الهينة بل هي موهبة من الله سبحانه وتعالى، ثم دراسة الشخص الذي اريد تقليده من حيث صوته وحركاته??.
هو الممثل الكوميدي الأردني، الذي لمع نجمه في أوائل الثمانينات من خلال عدد من الأعمال المسرحية والبرامج الكوميدية المنوّعة تخرج من كلية الحقوق في مصر, ثم أنهى الماجستير في العلوم السياسة في 2007 حيث كان عنوان بحثه الذي منح على أساسه درجة الماجستير من الجامعة الأردنية « تقييم معاهدة السلام الأردنية الإسرائيلية» كان قد سلك طريق الابداع من خلال المسرح السياسي ليتقمص الشخصيات العالمية ويجد ضالته فيها، ويرسم من خلال تقليده عدد كبير من هذه الشخصيات طريقه الفني الصعب، فقد قلّد جلالة المغفور له الراحل الحسين بن طلال طيب الله ثراه، وهو يقول : « جلالة المرحوم الحسين استقبل تقليدي له برحابة صدر ومنحني وسام الاستقلال من الدرجة الاولى» ياسر عرفات، صدام حسين، معمر القذافي، أمير الكويت في فترة الحرب العراقية الكويتية، جمال عبد الناصر، محمد أنور السادات، الحبيب بورقيبة، محمد متولي الشعراوي، وغيرهم الكثير.
قدم يانس الحاصل على وسام الاستقلال من الدرجة الأولى عدد من الأغاني لعدد من المطربين الأردنيين والعرب الكبار مثل: أم كلثوم، محمد عبدالوهاب، فريد الأطرش، صباح، سميرة توفيق, محرم فؤاد، سلوى ، توفيق النمري، إسماعيل خضر، وديع الصافي، شادية، ناظم الغزالي، صباح فخري محمد عبده، وغيرهم.
في العام 2007 تعرض هشام يانس لعارض طبي أقعده الفراش، وجعل من هذه الحالة الفنية والإبداعية ذكرى، الا ان اهله والمطلعين على وضعه الصحي يعقدون الامل على عودته لخشبة المسرح ولو بعد حين.
تقول زوجته انه عندما وصل المستشفى كانت الجلطة خفيفة وكان يمكن أن يتم التعامل معها ومحاولة السيطرة عليها وان هنالك إبرة لابد أن يأخذها في ذلك الحين أي عند وصوله المستشفى إلا أن الطبيب المسئول لم يعطيه الإبرة ثم تعرض بعد ذلك إلى ثلاث جلطات قوية أدت إلى هذه الحالة التي نراها وهذا خطأ طبي وقع فيه الطبيب المناوب في تلك الفترة وبعد الجلطات التي أدت إلى هذه الحالة دخل في غيبوبة استمرت طويلا حتى أمر جلالة الملك أطال الله عمره بأن ينقل إلى المدينة الطبية وعلى نفقته الخاصة واشرف على علاجه الطبيب عمار مبيضين وهو طبيب يستحق الشكر الجزيل منا لأنه استطاع أن يشخص حالته جيدا وان يتعامل مع هذه الحالة بمنتهى الاهتمام الأمر الذي أثمر في تطور حالته الصحية حيث عاد إلى المشي وهاهو يعود إلى النطق شيئا فشيئا علما أن الجزء المختص من ذاكرته بالغناء لم يصب بأذى. حيث أبدع في تذكر وغناء أغنية «ياهلي ياهلي يكفي ملامي والعتاب».
زوجته التي تقف إلى جانبه بعد أن تخلّى عنه الأصدقاء والأقرباء, و كما تقول تتمنى أن يعود كما كان، شعلة تضيء البيت وجناحا يضمنا تحته، وتضيف بحرقة: إنها عرفت الناس على حقيقتهم بعد أن أصيب زوجها, وظهر لها الأصدقاء الحقيقيون من الأصدقاء المزيفون، لقد تخلّى عنا الأهل والأصدقاء، وانقلبت حياتنا وقطعنا الاتصال مع الحياة الاجتماعية خارج بيتنا وأصبحت المسؤوليات الملقاة على عاتقي جسيمة, فأن تحافظ على مستوى معيشي معين لأولدها وان تحافظ على تعليمهم وان تجاهد من اجل أن يعود زوجها لطبيعته أمر ليس لها طاقة عليه, إلا أنها تحملت ذلك من اجل أسرتها.
وتضيف يظهر هشام لمريده وزواره غير مكتئب وذلك لانه عرف حالته الصحية وهو متآلف معها اضافة الى ذلك فقد اخذ وقت وجهد كبير منا ومن الأطباء الذين ساهموا في إعادة تأهيله فيزيائيا إضافة إلى تشجيعنا له بأنه سيعود على طبيعته خلال فترة قصيرة وهذا اخذ مجهود كبير منا حيث تركنا حياتنا خارج هذا البيت وألغينا كل علاقاتنا الاجتماعية لنقف إلى جانبه والحمد لله فقد ظهر ذلك الجهد خاصة وانه كان أب حنون وزوج طائع .
ام رمزي وهي مثال الوفاء, تقول أن هنالك مسؤولية أخرى تجاه أولادي حيث كانت هذه صدمة كبيرة وكان علي أن أتدرج معهم لقبول هذه القضية وان نحاول ان نسيطر على مشاكلنا وكنا نتعامل مع مشاكلنا أولا بأول وان أكون قوية اجابه المشاكل امام اولادي حتى يروا أننا اقويا وهذا احتاج مجهود كبير حتى استطعنا نتجاوز المشاكل الكبيرة التي واجهتنا ولغاية الآن نعاني إلا أننا اقل الم لأنه يستطيع ان يتعامل معنا الان وان يساعدنا كثيرا حيث يستطيع ان يمشي وان يتحرك وان يقاوم وهذا احتاج وقت طويل منا حتى استطاع ذلك
وتضيف: لقد زاره اغلب الفنانيين في المستشفى وبعد أن خرج إلى البيت زاره عدد منهم، ثم بعد ذلك من العيد الى العيد، ثم انقطعوا تماما. ولم يبق على تواصل معه الا الفنان موسى حجازين هو الوحيد الذي دأب على زيارتنا وهو من الاشخاص الذين كشفت معدنهم هذه المصيبة ولا تهون عليه الصداقة .
وعلى الصعيد الرسمي فقد زاره سمو الأمير رعد بن ورئيس الوزراء سمير الرفاعي وزيرة الثقافة نانسي باكير وفيصل الشبول.
وتواصل ام رمزي بعد سؤالها عن زيارة رئيس الوزراء : لم يقف معنا احد وقد أرهقتني مسألة الدراسة حيث استنفذت ما ادخره أبوهم من ارض او نقود لدراستهم على أعين الأهل والأصدقاء ومؤسسات الدولة المعنية، فالابن الأكبر رمزي يدرس الهندسة في كندا، ودانا هي خريجة سياسة واقتصاد وعلى نفقتنا الخاصة. خاصة وان هذه العائلة تفتقد للتامين الصحي حيث يعالج الأب لوحدة على نفقة جلالة الملك أطال الله عمره،
وهي تفكر في بيع البيت وشراء بيت صغير من اجل استكمال متطلبات دراسة الأولاد
دانا يانس خريجة السياسة والاقتصاد والتي تعمل منسقة برامج مع منظمة الشباب الدولية وتسعى لان تخفف عن هذه الفئة المعاناة من خلال تقديم البرامج التدريبية التي تسهم في توظيفهم وخاصة المتسربين من المدارس تقول أن «من يرى مصيبة الناس تهون عليه مصيبته» فهي تشاهد في عملها مصائب كثيرة تقول أنها تخفف عليها الم المصاب الذي تجرعته بوالدها لكن لم تخف الم مصاب ابيها حيث تحدثت بألم وحرقة عن تلقيها خبر إصابة أبيها وكيف اثر هذا الحدث على حياتهم وعلاقاتهم مع الآخرين والأصدقاء والأقرباء وكيف كشف هذا الحدث صدق الأصدقاء وقرب الأقرباء.
احمد يانس ابن الصف العاشر الذي يتحدث هو أيضا بحرقة عن أبيه وعن وضعه الذي آل إليه وكيف انعكس هذا الوضع على البيت حتى أصبح مظلما بعد أن كان يشع نورا وإبداعا يتساءل بألم عن مستقبل مجهول وهو الآن يعتبر نفسه رجل البيت والمسئول عن العائلة بعد عجز أبيه الذي يأمل أن يشفيه الله.
وتتساءل العائلة بعد هذا التاريخ الفني الطويل لوالدهم: لماذا غاب هشام عن التكريم في الأردن, على الأقل, بلده الذي أفنى عمره وهو يقدم له ما استطاع .
هشام يانس، صاحب مسرح «هشام السياسي»، والذي يقول في احد حواراته: «إن الشعب العربي أصبح يضحك ويضحك ليس لسعادته وإنما لشدة ألمه، فهو من قرر أن شر البلية ما يضحك»، كتب على الاقل 82 مسلسلا تلفزيونيا و15 مسرحية سياسية، أشهرها «نظام عالمي جديد» مع أمل الدباس ونبيل صوالحه، «مؤتمر قمة عرب»»، «السلام يا سلام»، «التطبيع»، «أهلا حكومة»، «الحصار اللي صار»، «الصدمة»، «صدام»، إضافة إلى مسرحية «أكوي».
وفي حوار سابق معه لا ينفي يانس زيارته لإسرائيل, فيقول «زرت فلسطين، وهي وطني، فقد عشت في مخيم فلسطيني وترسخت في ذاكرتي آلام أمتي، أما ما تردد عن زيارتي لقبر اسحق رابين فقد كان تضخيما من قبل الصحافة ومنافيا للوقائع الحقيقية».