د.تيسير أبو عرجة - تجمعنا بالأستاذ د.محمود السمرة جلسة شهرية، هي ندوة فكرية ثقافية شاملة، ينطلق فيها حديث الأدب والتاريخ والسياسة وشؤون الحياة والناس، وما يتيسّر من نقد أدبي في عالم الإبداع الأدبي والفنّي.
وفي مجلس السمرة يلتقي هذا النفر من الكتّاب والأدباء والنقّاد والأساتذة الجامعيين، يجمع بينهم المحبة والصداقة والاعتراف بالفضل لهذا الأستاذ الناقد والمثقف الكبير، الذي يضفي بحضوره على هذه الندوة الكثير من الجلال والبهاء والعمق وغنى التجربة.
وقد سعدنا عندما كتب السمرة مسّجلاً أوراق رحلته الثقافية والأدبية والعلمية، وظروف النشأة الأولى والتكوين الثقافي الذي ساهم بتشكيل هذه الشخصية الثقافية الموسوعية الغنيّة بما اكتسبت من تجارب الحياة حلوها ومرّها، في عديد العواصم التي عاش فيها بعد أن منحه الله نسمة الحياة في بلدته "الطنطورة" على ساحل "حيفا"، وقد عاش فيها سنوات عمره المدرسيّ وشبابه المبكر، ثم كانت رحلة اللجوء والمحطات والعواصم، وسنوات التكوين العلمي والثقافي والجامعي، التي تم تتويجها بكل ما عرفناه عن مسيرة أستاذنا وما ألفناه من تجاربه ومواقفه ومؤلفاته وسيرته العلمية والمهنيّة، مما يستحق التقدير.
وقد نال العديد من الأوسمة والجوائز والمناصب، ولكنه بقي وفياً مخلصاً لما هو جدير بالاعتزاز عنده وعند أحبائه، وهو قيمة التواضع التي يحيا بها، وإنسانية الإنسان التي تعكس صورة نفسه، وهو صاحب الكلمة الرزينة، والحوار الهادئ، والوفاء لكل من عرفه وزامله وتتلمذ على يديه، عبر هذه الرحلة التي جسّدها في سيرته الذاتية في كتاب "إيقاع المدى" وفيه صفحات عن البدايات، في الشغف بالقراءة، والكتاب، والقصيدة، والإصرار على التعلم والتفوق، في ظل جماليات الطبيعة الساحرة في "الطنطورة" ثم في حيفا والكلية العربية في القدس وطولكرم.. والقراءة الأدبية المبكرة لمجلة "الرسالة" المصرية، والاستماع إلى محاضرات العقاد والمازني، وأشعار الجواهري وأحمد الصافي النجفي. ثم رحلة القاهرة والدخول في عالم طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي وشوقي ضيف ونجيب محفوظ، وأمسيات الغناء لأم كلثوم.
وتداهمه نكبة 1948 وهو في القاهرة، وما اتصل بها من معاناة ورحيل وفقد للأعزاء، ولا يستطيع وصف هذه المعاناة إلاّ من كابدها وعاش يومياتها وتجرع ما خلّفته من مرارات ومحن. ولكنها كانت الضربة التي تحيي وتدفع إلى الصبر والصلابة والإصرار على المضيّ في دروب البقاء والتفوق. وقد رأى أنه بالعلم يمكن أن تترسخ معاني الحياة والمقاومة. فكانت محطة "الكويت" للعمل في التدريس، و"لندن" للدراسات العليا، وفي لندن كانت الثقافة المسرحية، وارتياد المكتبات والمتاحف، وتنمية الحس الموسيقي والاهتمام باللوحات الفنية التشكيلية، ثم البحث العلمي المتعمق وتتويجه بالدكتوراه في الدراسات الشرقية والإسلامية من جامعة لندن، والعودة إلى الكويت. لتكون الرحلة مع مجلة "العربي" التي صدرت العام 1958.
وكان السمرة عضواً في تلك الأسرة الصحفية التي أصدرت مجلة "العربي" نائباً لرئيس تحريرها د.أحمد زكي. وقد دخلت المجلة الى كل بيت عربي، بما قدمته من مقالات واستطلاعات وأبواب صحفية جعلت منها المجلة العربية الأولى، التي من خلالها بدأ القارئ العربي يعرف بلاده العربية وقضايا أمته والرموز الشامخة من الأدباء والمفكرين العرب.
وقد كان جيلنا، ومنذ البداية، يتابع أعداد المجلة، وأذكر أننا في طولكرم سعدنا كثيراً في أوائل الستينيات من القرن الماضي عندما كان استطلاع "العربي" عن "طولكرم"، وقد مهرت هذا الاستطلاع بعنوان "المدينة التي تنام مع غروب الشمس". وقد وضعت على غلافها صورة إحدى الطالبات الجميلات من بنات طولكرم، وتضمن الاستطلاع صورة للدبكة الفلسطينية نفذتها طالبات المدرسة العدوية الثانوية الشهيرة، باللباس التقليدي الفلاحي المطرّز.
وكان اسم السمرة يعني الكثير لأهالي طولكرم، فقد قام بالتدريس في ثانويتها التي عُرفت في ما بعد باسم "الفاضلية"، وعاش فيها سنوات، واستقرت فيها أسرته بعد عام 1948 ورحيل أهل الطنطورة عن بلدتهم.
وفي العام 2001 عندما رأت مؤسسة عبد الحميد شومان أن تكرم السمرة في يوم علمي حافل، سعدتُ بالمشاركة وكتابة دراسة عن دور السمرة في تحرير مجلة "العربي" الكويتية. وقمت بدراسة مادة كنت أقرأها وأتابعها في بواكير حياتي الدراسية ثم المهنية بعد ذلك في صحافة الكويت. ووجدت المهمة أسهل عندما أتيحت لي فرصة الاطلاع على مجلدات "العربي" كاملة في مكتبة جامعة "البترا"، من العدد الأول إلى آخر عدد ظهرت فيه زاوية "كتاب الشهر" التي كان يقدمها السمرة، عام 1975، وهي السنة التي شهدت وفاة أول رئيس تحرير لها وهو د.أحمد زكي.
وكان السمرة، يقدم في زاويته، كلّ شهر تعريفاً وتلخيصاً ونقداً لأحد الكتب المهمة حديثة الصدور، سواء باللغة العربية أو الانجليزية. وقد كان اختيار هذه الكتب مبنياً على أسس معلومة واعتبارات لها دلالات عند أستاذنا، تتصل بالمسائل الجوهرية في حياة الأمة العربية والإسلامية، وسعيها إلى امتلاك مقومات الاستقلال، وامتلاك مفاتيح النهوض والتقدم، وكيفية مواجهة القوى الاستعمارية العاتية، وكشف زيف الحضارة الغربية، التي رغم امتلاكها قوة العلم والتكنولوجيا، ورغم سعينا الدائب للاستفادة من ثمار هذه الحضارة، إلاّ أن هذه الدول الغربية كانت لنا بالمرصاد، وهي التي زرعت في بلادنا هذا الكيان الصهيوني الغاصب، الذي حرمنا من العيش في بلادنا والتمتع بخيراتنا.
ولذلك، لم يكن عدد من " العربي" يخلو من تعليق للسمرة، في معرض نقده للكتب التي يختارها، يبث فيه رأيه في كيفية العمل، والسبيل إلى المواجهة، ما دام هذا العالم خاضعاً بهذا الشكل المثير، للقوى التي ترتبط سياساتها بالمصالح الاستعمارية والحركة الصهيونية، بينما يعيش الوطن العربي حالة من الضعف والتمزق، وتتعرض ثرواته للنهب، وروحه القومية للإجهاض والعبث.
وقد سألت السمرة، عندما كنت أعد ورقتي لندوة "شومان" عن الأسلوب التحريري الذي ميّز كتاباته في "العربي"، فبيّن أنه الأسلوب السهل الذي يعتمد الفصحى الميسرة ويبتعد عن الغموض ويتجنب خشونة المعنى والفذلكة اللفظية، والقصد إلى المعنى المراد من أقصر الطرق، وصولاً إلى القارئ الذي كان يعدّ "العربي" مجلته المفضّلة، وقد استطاعت أن تحقق شهرة كبيرة وتوزيعاً واسعاً، وصل عند مغادرته الكويت العام 1964 إلى ربع مليون نسخة. وقال: "إنها برعت في كتابة المقالات المتخصصة لغير المتخصصين، وما يترتب على ذلك من تخير لأساليب التناول السهلة، والتخفف من المصطلحات العلمية الصعبة".
لقد تحدث السمرة في سيرته الذاتية عن "العربي" وظروف إصدارها: "مجلة شهرية تكون هدية الكويت إلى العالم العربي. وفي أعدادها الأولى كانت (العربي) أول ما وصل القارئ العربي وعرّفه بمناطق كانت مجهولة له. وكنت في كل شهر أكتب عرضاً لكتاب جديد أرى أن موضوعه يهم القارئ العربي، كتاب بالعربية أو الإنجليزية. لقد كان لهذا الباب في المجلة وعنوانه (كتاب الشهر) تأثير كبير في القراء. لقد كانت مجلة (العربي) فتحاً جديداً في الصحافة العربية، باتساع توزيعها، ومقالاتها مختارة في موضوعات تهم القارئ العربي، الذي هو محور اهتمام المجلة" (من كتاب "إيقاع المدى"، ص 120-122).
وقد أشار السمرة أكثر من مرة إلى دور د.أحمد زكي، أول رئيس تحرير لمجلة "العربي"، في جعل هذه المجلة تحتل المكانة المرموقة التي أحرزتها تحريراً وأسلوباً، وهو الأديب والعالم المتخصص في الكيمياء.
لقد أنتجت مسيرة السمرة في "العربي" عدداً من الكتب ضمنها مقالاته النقدية، وفيها ما يشير إلى أدب التمرد والجيل الغاضب من الأدباء والفنانين. إضافة إلى المواجهة التاريخية بين العرب والمسلمين مع القوى الاستعمارية والصهيونية التي ظهرت بوضوح في كتابه "فلسطين.. الفكر والكلمة".
وفي هذا الكتاب نقرأ تعليقات وخلاصات على ما يقوم بعرضه ونقده من دراسات متخصصة، نجد فيها عبارات تحذيرية يكتبها مخلصاً ومكاشفاً ومن رحم المعاناة والتجربة، فهو يقول: "وأمام هذا كله، يجبهنا السؤال الملحّ التالي: ماذا نحن فاعلون؟ وإذا لم نستطع الإجابة عن هذا السؤال بأمانة وإخلاص، فإن ما أخشاه أن نكون جميعاً من الهالكين" (ص 86).
وفي موقع آخر يقول: "هذا طرف من التشويه الذي نال القضية الفلسطينية على أيدي الصهيونية. وهو تشويه استساغته الصهيونية لأنه يحقق لها مآربها، ولو كان قائماً على الكذب والتضليل والأكاذيب" (ص 95).
وبعد سرد أرقام التبرعات الخيالية التي تجمعها الوكالة اليهودية لإسرائيل. يقول: "هذه أرقام تغنى عن كل تعليق وبيان. وهذه هي سبيل الأمم التي تخطط من أجل البقاء والازدهار، بالأعمال لا بالخطب والأقوال" (ص 104).
ويقول: "إن خطة المجابهة العربية للتغلغل الإسرائيلي في إفريقيا لا يمكن أن تنجح إلا إذا قامت على التنظيم، والتخطيط، ووحدة القيادة والتوجيه، والخطة المدروسة المعتمدة على العلم والعقل والكفاءة في التنفيذ" (ص 134).
وفي مكان آخر يقول: "والأمر قبل هذا وبعد هذا متوقف علينا نحن. إننا قادرون على عمل الكثير لو أحسّنا الاستفادة من هذا الكثير الذي نملكه. وأدعو الله أن نهبّ للعمل" (ص 155) ويقول: "والأمر كله بعد هذا، معتمد علينا، فيوم أن نقرر أن وطننا يستحق أن نفديه بالنفس والنفيس، يومها فقط ستوهب لنا الحياة الكريمة في وطن حر" (ص 263).
وقد بين السمرة، في معرض حديثه عن كتاباته قائلاً: "وأستعرض الآن اهتماماتي في الكتابة، فأجد أن جلًها كان وراءه دافع شخصي خفي، لم أكن أتبيّنه أولاً، وهو تعرية هذه الحضارة الغربية، والإشادة بمن يكشف عن عيوبها، لأنها السبب في كل ما حلّ بي، وبأهلي وبوطني بدءاً من وعد بلفور" ("إيقاع المدى"، ص 104).
بعد سنوات العمل في "العربي"، تبدأ رحلة السمرة في الحياة الجامعية الأكاديمية في الجامعة الأردنية. ونسعد في جامعة البنات الأردنية برئاسته وقد تم تحويلها إلى جامعة مختلطة في عهده باسم جامعة البترا، لنكون في صحبته أستاذاً وإدارياً حكيماً، واسع الصدر، ينثر مودّته على كل من يعملون إلى جانبه.
وكان محفزاً لكل ما يتصل بالتقدم العلمي والبحثي والإبداع الأدبي، ورعاية الندوات الفكرية والأدبية التي تسعى إلى النهوض باللغة العربية والثقافة العربية والإسلامية، وإصدار المطبوعات الجامعية، ومنها مجلة "البصائر" المحكّمة، ومجلة "أوراق جامعية" الفصلية الثقافية التي يصدرها قسم الصحافة والإعلام بكلية الآداب والعلوم. والاهتمام بالأنشطة الثقافية والفكرية التي تم إطلاق أحدها بعنوان "حوار البترا الشهري" كانت الحلقة الأولى منه ندوة شارك فيها بنفسه وإلى جواره كل من (الراحلَين) د.إحسان عباس ود.عبد العزيز الدوري.
وبعد أن يغادر المواقع الإدارية الجامعية، لا تتوقف رحلته مع الكتابة والبحث والتأليف، وهو يعبّر عن سعادته بصدور هذه المؤلفات الجديدة، وكأن كل كتاب جديد هو مولود جديد.
يكتب السمرة كتاباً عن طه حسين "سارق النار"، إعجاباً منه بهذه الشخصية الأدبية الفئة المحبة للعلم والتعليم، ومما ذكره السمرة وهو يعاين نتاجات طه حسين ومواقفه وفصول أدبه ونقده: "لقد كان طه حسين يسعى دوماً إلى تثقيف الشعب وتنويره، فالثقافة هي الطريق إلى النهوض والتقدم. وكل ما كتبه كان يهدف من ورائه إلى إنارة العقول، ليدرك الناس أين هم، وأين يجب أن يكونوا" ("سارق النار"، ص 12). ويكتب مؤلفه عن "العقاد" صاحب السيرة العلمية والشخصية الفريدة، وقد رأى أن يسجل جانباً من عبقريته وإبداعه وسجالاته، وقال: "عاش العقاد حياته جاداً وقوراً، إنساني النزعة، حاد المزاج، معتداً بكرامته، مؤمناً بالعقل. ونحن نجد كل هذه الصفات واضحة في آثاره الكثيرة التي تركها. وتقوم آراء العقاد على ركنين أساسيين هما: الإيمان بكرامة الإنسان الشخصية، والإيمان بحرية الرأي والفكر" ("العقاد"، ص 18).
ويكتب مؤلفه عن د.محمد مندور، وهو الناقد الذي عاش المعارك الأدبية والشخصية، وكان تكوينه العلمي الفريد وإنجازاته ما استحق من السمرة التوقف عنده بهذا الكتاب القيم، قائلاً: "ونحن نعرف أن مندوراً دخل السجن بسبب جرأته وشجاعته وصراحته في الحرب على الطغيان السياسي والظلم الاجتماعي. وجهوده في النقد بالغة القيمة والأهمية تجعل منه شيخ النقاد المعاصرين" (محمد مندور شيخ النقاد في الأدب الحديث، ص 21- 22).
ومع إزجاء عاطر التحية، لأديبنا وأستاذنا السمرة، في هذه الكلمة، فإنه يسعدني القول، إنه ما يزال في فكره المتوهج، وعطائه الأدبي المتميز، حاملاً قلمه وقادراً على أن يملأ حياتنا بالمزيد من النتاجات التي ننتظرها نحن تلاميذه وأصدقاؤه، وقد خبرنا فيه تواضعه الجم، وغنى النفس والتجربة والمحبة التي يطوق بها أعناقنا، نسعد بصحبته ونتطلع بشوق إلى جديد نفحاته وأفكاره. على طريق العلم والتعلم وخير الناس جميعاً.