قررت المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأميركية مؤخرا تعليق تنفيذ حكم الإعدام بحق رجل ارتكب جرم القتل منذ عشرات السنين في ولاية فلوريدا، وتحججت المحكمة بقرارها هذا إلى أنها مضطرة أولا للحكم على قانونية عقوبة الإعدام بواسطة حقنة سامة في الوريد، حيث قدم محامي المحكوم عليه دفاعا جديدا وهو بان حكم الإعدام بهذه الطريقة يشكل عملا غير إنساني وعقوبة قاسية جدا تحرمه المادة السابعة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية التي تنص على انه لا يجوز إخضاع احد للتعذيب ولا للمعاملة السيئة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية والتي تمس كرامته . وجاء قرار المحكمة الأميركية بوقف تنفيذ حكم الإعدام قبل خمس عشرة دقيقة من الموعد المحدد لتنفيذ حكم الإعدام.
بالحقيقة إن لجنة حقوق الإنسان الدولية المعنية بتنفيذ العهد الدولي المذكور أعلاه قامت بدراسة هذه المسألة القانونية قبل أكثر من 15 سنة تقريبا واستقر الرأي لديها بان عقوبة الإعدام بشتى أشكالها وأساليب تنفيذها تتعارض مع ما جاء في المادة السابقة، وبناء عليه قررت اللجنة بإجماع أكثرية الأصوات لديها اعتبار عقوبة الإعدام بحد ذاتها عملا مرفوضا دوليا ومنافيا للأعراف الدولية الإنسانية حسب رأيها.
وبذلك تكون اللجنة المشار إليها آنفا قد نجحت بالتحايل على ما ورد في المادة السادسة من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والتي لم تحرم بشكل مطلق عقوبة الإعدام، وإنما دعت إلى حصرها على اشد الجرائم خطورة، ولكون الغالبية العظمى من أعضاء اللجنة حينذاك كانوا من دعاة تحريم عقوبة الإعدام، فقد نجحوا باستخراج فتوى قانونية وقضائية ضد عقوبة الإعدام متجاوزين بذلك ما جاء في المادة السادسة من العهد الدولي.
والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا الصدد، ما هو السبب الذي يكمن وراء القرار القضائي الأميركي بتعليق تنفيذ حكم الإعدام؟ هل يعقل أن للمحكمة أدنى شك بان تنفيذ حكم الإعدام هو بحد ذاته قصاص أو عقوبة قاسية؟ وكيف من الممكن أن يكون تنفيذ حكم الإعدام بوسيلة غير ذلك وان اختلفت أساليبه؟ في جميع الأحوال يبقى حكم الإعدام عقوبة قاسية مهما تطورت أساليب تنفيذه، وليس من الممكن التوصل إلى طريقة إنسانية لتنفيذه، فتطبيق عقوبة الإعدام هي عقوبة قاسية وعلى هذا الأساس فان النظر في إنسانية عقوبة الإعدام يكون ليس في محله وغير مجد أصلا، لا من الناحية القانونية ولا من الناحية العملية.
المسألة القانونية الأساسية والوحيدة التي تبقى أمام القضاء الأميركي ليست عما إذا كانت عقوبة الإعدام تشكل احد ضروب التعذيب، وإنما حق القاتل والمجرم في الحياة، مقابل حق الضحية في الحياة. فهل حق القاتل في الحياة يتقدم على حق الضحية في الحياة؟ هذه هي المسألة القانونية الأساسية التي يترتب على القضاء الأميركي النظر فيها واتخاذ القرار المناسب إزاءها وغير ذلك يكون العهد القضائي غير مجد وغير فعال في هكذا قضايا.
طبعا تستطيع المحكمة الأميركية أن تسترسل في هذا الموضوع، وتعتمد فتوى قضائية ملزمة حول عما إذا كانت عقوبة الإعدام تشكل رادعاً للجريمة أم لا؟ فالرأي الشائع حتى الآن هو أن عقوبة الإعدام لا تشكل رادعا ضد ارتكاب جرائم القتل، لكن بعض الدراسات الجديدة التي قامت بها بعض مراكز ومعاهد الدراسات المرموقة لحقوق الإنسان في الولايات المتحدة الأميركية توصلت إلى قناعة مخالفة للرأي الشائع بان عقوبة الإعدام لا تشكل رادعا للجرائم البشعة، ويبقى هذا الموضوع معلقا لحين توصل الباحثين إلى قناعات ثابتة حول جدوى هذه العقوبة الشديدة، وبناء عليه فان الاستمرار بالعمل بهذه العقوبة أو إلغاءها ممكن.