إبراهيم صموئيل - تطرح الأسطوانة الجديدة التي صدرت للفنانة الكبيرة فيروز إيه في أمل التي تضم 9 أغنيات من كلمات وألحان زياد الرحباني، و3 أعنيات قديمة قام بوضع توزيع جديد لها... تطرح بعض التساؤلات الملحّة في ظل معطيات عدّة من بينها: قامة فيروز الإبداعية العالية في فن الغناء العربي، والمشكلات التي أحاقت بفنانتنا جراء الاختلاف والمشاكل بين أبناء عاصي ومنصور، ونمط الأغاني التي احتوتها الأسطوانة لحناً وكلمة بالمقارنة مع تراث هذه النجمة الكبيرة.
في المعطى الأول، شكّلت أغنيات فيروز، مع الأخوين رحباني خصوصاً، مدرسة غنائية متفرّدة على مدار خمسين أو ستين عاماً، وإرثاً فنياً ثريّاً، سكن وجدان وذاكرة أجيال متعددة، وارتقى بذائقتهم إلى أرفع المستويات، ورفد فن الغناء العربي عموماً برافد قوي في مثلّثه الذهبي: اللحن، والكلمة، والصوت أو الأداء، قلَّ نظيره إلا لدى قمم شاهقة من طراز أم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، ووديع الصافي، وصباح فخري على سبيل المثال.
وإذا كان من الطبيعي، بل من الملحّ، أن يُسأل أي مبدع كبير، في أي حقل أو ميدان كان، عن جديده وعن ضرورته، فالأحرى أن يُطرح السؤال عن جديد الفنانة فيروز، وعن ضرورته، وأهميته، وقد طاولت تجربتها النجوم كما قيل فيها بحقٍّ وليس مجازاً.
وفي تناول وسائل الإعلام المختلفة للأسطوانة الجديدة لوحظ حجم التباين في الآراء والافتراق في وجهات النظر، حيث رأى بعضهم أن أغنيات الأسطوانة لم تضف جديداً لتجربة فيروز، بل هي هبطت لحناً وكلمة عن إرثها الغنائي الفني العظيم، فضلاً عن أن فيروز ليست بحاجة لتدلّل على إمكاناتها الصوتية في أداء نمط جديد من الغناء لحناً وكلمة. هذا في حين أبدى المعجبون بتجربة زياد مع فيروز انبهارهم بالأغنيات، واعتقادهم بأن زياد يكمّل المسيرة الفنية التي بدأتها فنانتنا بمنعطف إبداعي جديد، لحناً وكلمة، مختلف عمّا اعتاده الناس، وفي هذا يحمل الجديد مبرره، وتظهر أهميته.
وإذا كان للذائقة دور في تقبّل الأغنية -والفنون المختلفة عموماً- فإنني وبعد استماع متكرر لأغنيات الأسطوانة لم أشعر بمتعة في سماعها، ولا وجدت إبداعياً جديداً يستحق الذكر، فضلاً عن انعدام الاتساق -ولا أقول التكرار أو الاستنساخ- بين الأغنية الجديدة على يد زياد و الأغنية الفيروزية التي وُلدت ونمت وأثمرت وتفرّدت على مدار ما يزيد على نصف قرن.
إن المبدع ليبذل من الجهد الكثير خلال مسار تجربته حتى يتحقّق لنتاجه الإبداعي فرادته ونكهته وبصمته وصوته الخاص، وهو ما تحقّق لفيروز مع الأخوين رحباني، فبات مشهد الغناء العربي يعرف الأغنية الفيروزية المتميزة، ذات الخصوصية، وهو علامة للفنان المبدع، وليس مثلبة في نتاجه!.
***
في المعطى الثاني، تناقلت وسائل الإعلام المرئية والمقروءة أخباراً وتصريحات عديدة عن إرث الأخوين رحباني بعد رحيلهما، ومَنْ يملك الحق من أبناء الأخوين في هذا الإرث الفني مادياً ومعنوياً، حتى إن حملات تضامن مع الفنانة فيروز شهدتها شوارع بيروت، كما شهدت المحاكم دعاوى قضائية صريحة في هذا الشأن، مفادها منع السيدة فيروز من الغناء أو معاودة تقديم مسرحياتها السابقة إلا وفق شروط محدّدة.. إلخ! وهذا ما دفع ببعضهم لأن يكتب قائلاً إن الأسطوانة الجديدة إيه في أمل إنما صدرت ردّاً على الاختلافات!.
افتراض هذه الأسباب لصدور الأسطوانة يأتي من باب الاجتهاد والتأويل والتخمين ليس إلا، فضلاً عن أن صحة الأسباب أو عدم صحتها لا تُغيّر من حال الأغاني التي ضمّتها الأسطوانة، ولا من التباين في تذوّقها، أو من ضرورتها أو عدم ضرورتها للمسيرة الفنية لفيروز.
وفي رأيي، فإن ما يُؤسَف له بحقّ، وما يبعث على الأسى العميق في النفس، ألاّ يتنبّه الأخوين رحباني إلى احتمال الاختلاف بين أبنائهما حول الإرث الفني الثقافي العظيم الذي أنجزاه مع السيدة فيروز، إذ إن لهذا الإرث جوانبه المادية واقعياً، علاوة على الحقّ المعنوي فيه، الأمر الذي يدفع للتمني لو أن الأخوين رحباني عملا على إحكام وضبط وتوثيق إرثهما الثقافي الغني على نحو قانوني لا يفسح في المجال لأي طرف كان من الأبناء أو غير الأبناء التصرّف فيه، والتحكّم في مساراته إلا لمشيئة أصحابه الحقيقيين!.
وهذا درس بليغ لأصحاب الإبداعات الكبرى فناً وأدباً وغير ذلك ما دام أن الرحيل من أسِّ الحياة، ويكفي الشاهد القريب الذي حدث مع نتاج محمود درويش الشعري، وكيف عيث فساداً بقصائده وأوراقه من بعده تحت عناوين الأخوّة والصداقة والقرب منه، والأحقيّة فيه، فكان من المهزلة ما كان مما لا يليق بهذا الشاعر العظيم!.
***
في المعطى الثالث، بدت الاستعانة بالجاز والفانك والموسيقى الغربية صريحة واضحة في مجمل الأغنيات التي لحنّها زياد، فضلاً عن وضعه لكلماتها. ويتساءل بعض المستمعين من عشاق فيروز -وأنا منهم- عن حاجة الأغنية الفيروزية التي عرفناها وتكرّست خلال ما يزيد على نصف قرن، إلى هذه الآلات والموسيقى الغربية، وعن هذا النمط من الغناء الذي لا يولد من صلب ولون وخصوصية الإنجاز الفني الباهر الذي حققته فيروز مع الأخوين رحباني في تاريخهم ومسيرتهم، ولا هو يؤسس لمرحلة جديدة أو لون أو نمط جديد تحتاجه السيدة فيروز!.
ولعل من أطرف وأغرب ما قاله وكتبه المعجبون بهذا النمط الذي وضع ألحانه وكلماته زياد الرحباني، أنه يُظهر قدرة فيروز على مواكبة العصر، ومدى اقترابها من الجيل الجديد ، علاوة على فضل زياد في إنزالها من عرش أيقونيّ إلى عالم الواقع بكل ما فيه من انكسارات وتناقضات، وقصص حبٍّ تُطرح في سياقها الزمني.. ، وما إلى ذلك من ادعاء بأن الأغنية الفيروزية كانت في برج عاجي، بعيدة عن الناس، فأنزلها زياد إلى الشارع وهموم الغلابى ويومياتهم، معارضاً النزعة الرومانسية في إرث فيروز على يدي الأخوين رحباني لصالح واقعية يومية معاشة، وذلك عبر معجم مبتكر للكلمات خارج معجم الأخوين رحباني وسعيد عقل وطلال حيدر وغيرهم!.
انطلى الادعاء السابق بكل مغالطاته، وانتشر على ألسنة المعجبين وصار ذريعة لهم من دون أية وقفة تذكر مع الأغنية الفيروزية التي امتلكت من أسباب الحياة والإبداع والاستمرار ما جعلها في وجدان وذاكرة وذائقة أجيال بعد أجيال حتى يومنا الراهن. وفي هذا ما يكفي للتأكيد على أصالة هذا الإبداع وحقيقيته، علاوة على أن أغنيات فيروز ما عرفت يوماً البرج العاجي المعزول عن عامة الناس، بل هي في الصميم والعمق واللبّ من هموم المسحوقين والمغلوبين بالدكتاتوريات، وفي القلب من عشاق الحرية والتائقين إلى حب عظيم، وكذلك في النسيج من الأحلام والانكسارات والإحباطات، وفي الصلب من الانتظار والأمل.. وغير ذلك الكثير من حيوات الناس، كل الناس، بهمومهم ومشاربهم وأحلامهم!.
أما عن معجم الكلمات المبتكر الذي وضعه زياد لأغنيات فيروز، فسأكتفي بمقاطع من هذه الكلمات في أسطوانة إيه في أمل ، ثم أختم بتساؤل أراه مربط الفرس.
جاء في كلمات أغنية ما شاورت حالي : حبيت ما حبيت ما شاورت حالي/ وبيدقّ باب البيت مية مرة قبالي/ وبحس إني بروح أو ما بروح، عدت بقيت/ رايحة جاية بالبيت، طاوشني خلخالي .
وفي أغنية قال قايل : قال قايل إشيا بشعة عني/ معليش معليش/ أخبارك مش عم بتطمني/ معليش معليش/ أيامك قدامك/ الله يخلي أيامك/ إنت ما بيطلع منك/ إلا كل شي حلو .
وفي أغنية قصة زغيري كتير : هيني عم بحكيلك قصة بشعة كتير وحلوة كتير/بس هيك بتصير عن حالي/ هيدي قصة معقولة كل يوم تصير وبتصير كتير/ واسمعها أرجوك كرمالي/ يمكن أنا مش هيي البنت يلي مفكر فيي/ بس شي إني رح فل رح تتندم عليي/ يا سلام على بكرا يا سلام/ يا سلام من هلأ يا سلام .
أوردت الكلمات كما هي احتكاماً إلى سلطة النص لا سلطة الاسم وفق المعيار الحقيقي لكل إبداع. أما تساؤلي الوحيد فهو: لو أن شخصاً عربياً ما، غير ابن فيروز، حمل الكلمات السابقة نفسها من دون أي تغيير إلى السيدة فيروز مقترحاً عليها أن تغنيها.. بِمَ ستقابله بعد قراءتها؟ وما سيكون عليه مصير كلماته، وحاله الشخصي؟ وما رأي أي ناقد أو دارس لتجربة فيروز الغنائية بهذه الكلمات من دون اسم صاحبها؟ وهل من أحد سيصدق أن أحداً في الدنيا اقترح، أو فكّر باقتراح، كلمات كهذه لفنانة عظيمة كفيروز؟.