مسؤولية الرجل الأبيض

مسؤولية الرجل الأبيض

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 29-10-2010

سميحة خريس

استرعى انتباهي عنوان الكتاب "مسؤولية الرجل الأبيض". للوهلة الأولى شعرت في العنوان إيحاء مباشرا على تناوله مسألة الرق والعبودية، لكن المؤلف "وليام ايسترلي" يستخدم هذا التعبير بذكاء مشيراً إلى نوع جديد من العبودية والاستعمار، طارحاً سؤاله المركزي على الغلاف أيضاً: لماذا قادت جهود الغرب لمساعدة الآخرين إلى الكثير من الضرر، والقليل من المنفعة؟.
المدهش إن المؤلف محسوب على "الرجل الأبيض"، إذ إنه يضع خلاصة تجربته كمستشار في بنك النقد الدولي أمام القراء في كتاب جريء يشخص الحالة العالمية، ويتناول بالتشريح المفصل أسباب تدهور البشرية الاقتصادي، متحولاً تماماً عن الفكر الذي عمل على ترويجه وساهم في تنفيذه طوال فترة عمله في البنك الدولي.
من هنا يمكن عد كتابه هذا شهادة بلسان الغرب عن مسؤولية الغرب تجاه ما حل من خراب أو تراجع، خصوصا في مسألتين مهمتين: الديمقراطية، والفقر.
يقدم الكتاب مجموعة من الإحصاءات الدقيقة التي توضح كيفية انهيار اقتصاد الدول الفقيرة في اللحظة التي وضعت فيها المساعدات الخارجية، الغربية تحديداً، والأميركية أكثر تحديداً، قدمها في تلك البلاد شرقاً وغرباً.
ويتعجب المؤلف كيف أن تلك المساعدات التي بلغت 2.3 تريليون دولار خلال خمسين عاماً، لم تتمكن من القضاء على الفقر، أو تغيير مصير الإنسان المضطهد، وهو بهذا لا يقصد أن يكون متشائماً، لكنه يوضح أن الذين قدموا المساعدات لم يضعوا في حسابهم طبيعة تلك الشعوب والمناطق وما يحتاجه الإنسان فيها، لكنهم أغرقوا العالم بخطط تخدمهم وحدهم، ولم يتحملوا المسؤولية الأخلاقية ولا العملية، لإيجاد السبل الأفضل لوصول تلك المساعدات وصرفها، بل إنهم تحالفوا مع الفساد في أكثر من بلد، ودعموا الدكتاتورية، كما استخدموا المساعدات كجوائز سياسة للحلفاء مهما بلغوا من الفساد أو الدكتاتورية، وخلقوا كراهية عرقية مقيتة لم تكن لتكون لولا برامج المساعدات التي تدفقت على أيدي من أسماهم "المخططين"، من دون الرجوع إلى البحاثة القادرين على تصور كيفية مساعدة تلك الفجوات في حضارة الإنسان في القرن الواحد والعشرين.
يفصل الكاتب تلك الأفكار بالوقائع والأرقام، مما يساعدنا على فهم ما وقع في العالم، وإن كان المؤلف لم يشر إلا العالم العربي، وهذا أمر أثار تعجبي، وقد يكون ذلك راجعاً إلى تخصص عمل الرجل في مناطق كثيرة مثل روسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.
يرى ايسترلي أن أهل مكة أدري بشعابها، وأن الدول التي قاومت إغراء المساعدات تمكنت من إقامة اقتصادات أقوى، وأبعد عن التهاوي، ولم تنسحل إلى حفرة الفقر المدقع، بينما أثبتت الإحصاءات العكس تماماً بالنسبة للدول التي تهافتت على المساعدات الدولية، الغربية، فارتفع مؤشر الفقر وانخفض الدخل، وساد الفساد، وظهرت عوامل مدمرة كثيرة، يرجعها إلى ما أسماه "غطرسة الرجل البيض" الذي يحاول امتلاك العالم بطرق أخرى، يبدو فيها متمنناً على ضحاياه، بحيث لا يريد العالم الذي يقدم المساعدات الاستماع إلى أصوات الفقراء، لمعرفة احتياجاتهم، وما إذا كانت تلك المساعدات تصلهم، حتى إنه يمكن إيصال كتاب أطفال مثل "هاري بوتر" الذي يباع بدولارات لزبائنه بآلية أوسع انتشاراً، بينما يتعثر إيصال لقاح الملاريا الذي يكلف سنتات قليلة، إلى المرضى من أطفال إفريقيا. ذلك إن للأغنياء صوتاً يُسمع، والفقراء عاجزين عن إيصال صوتهم.
ويؤكد الكاتب أن المخططين المشرفين على مشاريع المساعدات يقومون على مصالحهم الخاصة، وأن الحل لهذه المعضلة يكمن في أن لا يكون هناك تدخل بمقدرات الشعوب، حتى بمنحهم المساعدات، إذا لم يكن هناك تكليف من هذه الشعوب، وفي هذه الحالة، فإن الدول المحكومة بالطغاة غير الشرعيين، ليست أهلاً للقيام بالتكليف، لأن هذا يعني ضياع المساعدات في أقنية الفساد.
يورد الكتاب قصصاً لحكايات نضال محلية في أكثر المناطق فقراً، تحدت واقعها بأقل التكاليف، ونجحت، وإذا كانت لم تحل مشكلة الفقر العالمية ولم تهز الدكتاتورية، إلا إنها قدمت حلولاً لمشاكل محصورة وراهنة خرجت من تفكير أصحاب الشأن أنفسهم، من دون إملاءات المساعدين الدوليين وشروطهم. هذا عدا الدول التي اجتازت بمفردها حاجز الفقر والتخلف مثل الصين والهند.
وهو يرى بناءً على رصده ذاك، أن وضع الأفكار الطوباوية الكبيرة، وادعاء العظمة والرسالة الإنسانية التي يروجها الغرب بأنه قادم لإنقاد الإنسان، يؤخر حل المشاكل العالقة، حتى وإن داخله بعض الصدق في بعض الأحيان، ولكن حصر المشاكل في مواقعها، وحلها تباعاً بأيدي أصحابها وجهودهم، يمثل حلاً بطيئاً طويل الأمد، لكنه مضمون النتائج، وصادق.
يلجأ المؤلف إلى وضع جدول يرصد فيه أسلوب التدخل الذي مارسته الولايات المتحدة الأميركية وما أسماه بالحرب الباردة، وإن لم تكن باردة تماماً، إلا أن الجدول يبين التدخل الحاصل، ويضع أمامه النتائج السلبية الناجمة عنه، ثم النتائج الاإيجابية التي جنتها الولايات المتحدة.
وفي اعتقادي أن هذا الجدول يسهل على المواطن الأميركي رؤية مكتسباته من السياسة الخارجية لبلاده. وللعلم فإن المؤلف "وليام ايسترلي" أميركي، يتحدث بمحبة كبيرة عن بلاده، وبخجل أكبر من سياستها.
في حديثه عن حرب فيتنام مثلاً، يرصد من الخسائر موت 58 ألف أميركي، وموت ملايين الفيتناميين، واستمرار الحكم الشيوعي والفقر في تلك البلاد، ويضع ذلك في خانة الإيجابيات التي حصدتها أميركا، ويؤكد على إيجابية انتشار المطاعم الفيتنامية في الولايات المتحدة!.
تبدو تلك الإشارة مثل النكتة، لكنها في الواقع رصد اقتصادي لخبير دولي مسؤول عن إحصاءاته.
النتائج المرة نفسها حصدها التدخل الأميركي في كمبوديا، ونال عليها انتشار الطعام الكمبودي الجيد في البلاد، وتتوالى سلسلة التدخلات في إفغانستان، وكوريا، وإيران، والصومال. في الأخيرة، يقول المؤلف إن التحول نحو دعم الصومال مناكفة لدعم السوفيات لإثيوبيا، وكان من نتائجه دمار الصومال وإثيوبيا معاً بالحرب والمجاعة، بينما النتيجة الإيجابية الوحيدة أن هوليوود أنتجت فيلماً رائعاً حمل اسم "سقوط الصقر الأسود".
تبدو القوة الأميركية والدعم الاقتصادي الأميركي مثل مراهق يتجول متصوراً أنه فتوة الحي، بينما لا يعبأ بالخراب الذي يوقعه في الحي، أو في بيته نفسه.
يدعو الكاتب إلى سياسة يمكن وصفها بالمسؤولية الأخلاقية، التي تعني التأكد من وصول المساعدة، والتراجع عن الشروط التي تهدم ولا تبني، واختيار إرادات الشعوب المدعومة، لا الفئات المتحكمة الفاسدة.
هذا المنحى الذي ورد في كتاب "مسؤولية الرجل الأبيض"، هو نفسه الذي يلمسه المرء في كتاب نعوم تشومسكي "الدول الفاشلة"، وفي كتب أخرى لتشومسكي. ويبدو واضحاً أن هناك مجموعة من المفكرين والعلماء والباحثين والخبراء الأميركان يراقبون بقلق خطوات سياسيّيهم في العالم، وينبهون ويرفعون أصواتهم، وأحياناً يلوحون برايات مضمخة بدمائنا في العالم الثالث. المفجع أننا ومفكرينا، غائبون عن تلك الظاهرة، لا نعرف السبل إلى توحيد جهودنا بجهود من ينتصر لحقوقنا.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }