مأدبا تقبل على حراك ثقافي يحمل هويتها التاريخية

مأدبا تقبل على حراك ثقافي يحمل هويتها التاريخية

مبدعون: المهرجان والمسرح ضرورة لازمة

مأدبا - إبراهيم السواعير- هل تُحسن مدينة مأدبا الاشتغال على البانوراما السياحية والحضارية التاريخية والأدبية والزيارة التاريخية لقداسة البابا التي أكّدت نظرة العالم تجاه المدينة بصفتها الدينية تحديداً،.. لتكون مدينة الثقافة الأردنية 2011؟!
هذا منوط بمدى استعداد مديرية الثقافة وتنسيقها مع شخصيات المدينة ورجالاتها وهيئاتها الثقافية ومؤسسات القطاع العام والخاص لتقدّم ملفّاً مقنعاً لوزارة الثقافة يشفع لها في قرار لجنة تحكيم مسابقة المدن الثقافية التي تنظر إلى أحقية الفوز من أكثر من منظور، وتبث فيه هذه الأيام.
مأدبا، القريبة من وزارة الثقافة على المستوى الجغرافي، تتنافس اليوم مع مدينة عجلون، متوخيةً الفوز بـ 785 ألف دينار( ميزانية مدينة الثقافة الأردنية المقررة) تنفقها في وجوه أنشطتها ومشاريعها الثقافية وتطوير قدرات هيئاتها الثقافية وتنمية بنيتها التحتية وديمومة أثر مواقعها الدينية والسياحية وصناعاتها الثقافية، والاستفادة من مسارح ومكتبات مدارسها والجامعات المحيطة جهاتٍ داعمةً وتأكيد إرثها الثقافي الفني والأدبي لروكس العزيزي وغالب هلسا علمين بارزين.


يرى مدير ثقافة مأدبا فتحي أبو جريبان أنّ موقع مأدبا القريب من العاصمة يجعلها مؤهلةً لأن تتميز إذا ما أُقرّت مدينة ثقافة، مبيناً أن ذلك ييسّر مساهمة أبنائها من الفنانين والكتاب الذين يسكنون العاصمة والذين اتخذوا منها مركزا لأعمالهم الحرفية مثل الفسيفساء، بالإضافة لمشاغل الفن التشكيلي، ويضيف أبو جريبان أنّ المدينة تتميز بمواقع دينية وسياحية مهمّة من مثل كنسية الخارطة وجبل نيبو وكنيسة الرسل، وأم الرصاص ومكاور ومقام الصحابي أبو ذر الغفاري في لواء ذيبان. مضيفاً مواقع مهمة من مثل حمامات ماعين ، وبانوراما ماعين، والبحر الميت، ووادي الوالة والهيدان والموجب، والعديد من المواقع الأثرية والسياحية داخل المحافظة وخارجها. 
يحمل ملفّ المدينة الثقافي صناعاتٍ ثقافية مهمة من مثل صناعة الفسيفساء والمشاغل المصاحبة النشطة، وصناعة التحف المستمرة لتلبية حاجات طلب الزوار الذين يفرحون بصناعات سهلة  ذات مضمون في شجرة الحياة والخشب والرسم بالرمل، وصناعة البسط والنسيج «النول» الذي تمتاز به مادبا في جمعية نساء بنى حميدة والمحال التجارية المتخصصة.
تقول مديرية ثقافة مأدبا أنّ الجهات الداعمة في ظل مدينة الثقافة تمثلها الجامعات( جامعة مأدبا تحت التأسيس، والجامعة الألمانية، وجامعة الإسراء)، وبلدية مأدبا، والمصانع ( الكولا، والأخشاب، والمصاعد، والإسفنج، والكرتون)، والمدارس الخاصة( الروم واللاتين على صعيد المسرح)، والمدارس الحكومية داخل قصبة مأدبا( مسارح وقاعات من مثل مدرسة الصناعة والأميرة بسمة والمدرسة المهنية ومدرسة حمزة والزهراء ومأدبا الأولى).
البنية التحتية، التي تُعدّ من أولويات اعتماد هذه المدينة أو تلك مدينة ثقافة، تراها مديرية ثقافة مأدبا متوفرة وستسهم في استيعاب كل هذا الحراك، وتذكر المديرية: جاليري الفنان مشيل فريد، وقاعة البلدية، و قاعة جمعية المتقاعدين، و مسرح دير اللاتين، وجمعية الشابات المسيحية، و قاعات ومسرح مركز شابات حنينا، و مركز شابات مليح، و مركز شباب مليح، و صالة نادي الوحدة الرياضي، و ساحة « المهنية « جبل نيبو، و بانوراما ماعين، وقاعة بلدية ذيبان، و صالة مدرسة الأميرة بسمة، و مسرح مدرسة الصناعة.
الجانب القرائي في مأدبا مشجع لاحتضان مدينة الثقافة، وكما ترى المديرية فإن ست مكتبات تسهم في تنمية الوعي الثقافي الذي ينعكس على سلوك إنسان المدينة، وتذكر المديرية مكتبة بلدية مأدبا، ومكتبة الأطفال في حنينا، ومكتبة جرينة، ومكتبة الفيصلية، ومكتبة المريجمة، والمكتبة العامة لبلدية قضاء مليح.
هيئات مأدبا الثقافية تتنوع بين ملتقى مأدبا الثقافي، وفرقة مأدبا الثقافية، وملتقى لب الثقافي، ونادي أصدقاء الكتاب، ونادي القدس الثقافي، وملتقى مأدبا لإحياء التراث، علاوة على وجود فرع لرابطة الكتاب الأردنيين في مأدبا.
وفي المدينة مؤسسات يمكن أن تسهم في مدينة الثقافة، على الأقل في قاعاتها، من مثل: نقابة المهندسين، ومجمع النقابات المهنية، وهيئة شباب كلنا الأردن، ونادي الوحدة الرياضي، ونادي العالية الرياضي.
وفي المدينة التي قدّمت روكس العزيزي وغالب هلسا، حاز مؤخراً القاص سعود قبيلات جائزة التفرغ الإبداعي عن وزارة الثقافة، كما حازها، أيضاً، القاص سالم النحاس.
تذكر مديرية ثقافة مأدبا أنّ المدينة خرجت مبدعين ومثقفين وكتاباً وفنانين كثيرين، منهم: التشكيلي سعيد حدادين، والتشكيلي ميشيل عجيلات، والتشكيلي حكيم جماعين، والمخرج عبد السلام قبيلات، والشاعر جلال برجس، والشاعر حاكم العقرباوي، والشاعر علي شنينات، والشاعر سعيد يعقوب، والشاعر علي شنينات، والشاعر محمود الضوات، والكاتب يوسف غيشان، والقاص ياسر قبيلات، والقاص ماجد شاهين، والكاتب المؤرخ سامي النحاس. 
كما تذكر المديرية تشكيليين منهم خالد جفيرات، وميشيل فريد، وخالد الشخاترة، وليلي الجعنيني، وطه سهيل، كما اشتهر في النحت صليبا الجعنيني، وأعلاماً من المخرجين المسرحيين منهم الفنان حسين دعيبس، وعلي الشوابكة ومرعي الشوابكة ومحمود أبو رضوان... وهي أسماء لا تنفي أن في المدينة أسماءً أخرى مهمة قد تكون غابت عنا، مع أننا استندنا إلى المديرية في ذلك.
وترى المديرية أن من معيقات الحراك الثقافي في مدينة مأدبا قلة عدد الهيئات الثقافية الفاعلة في المحافظة، وانعدام الدعم المقدم من المصانع للأنشطة الثقافية، وقلة وانعدام دعم المشاريع المقدم من الوزارة. 

دعيبس: طاقة الشباب
يرى المخرج حسين دعيبس أنّ الحراك الثقافي الأدبي والفني والفكري كان موجوداً في مأدبا منذ زمنٍ بعيد، مبيناً أنّ مجلة الحائط والإذاعة الصباحية وتوعية الأهالي وازدحام هؤلاء على المهرجان السنوي في السبعينات سبب موضوعي لأن نفرح بالمدينة التي ستكون مدينة ثقافة أردنية هذا العام أو في أي عامٍ آخر، ويستذكر دعيبس الملعب الكبير والأهالي الذين كانوا يحيطون به بديلاً عن المدرجات يشجعون الشعراء والمهارات الفردية والعروض الكرنفالية وجماليات الحرف، والأيام الجميلة.
وحسين دعيبس كما يقول شاهدٌ على تلك المرحلة مشاركٌ فيها، وكانت ثمة مسرحيات متبادلة بين الكرك ومأدبا، وكانت أصوات مبشرة لفارس عوض ومروان حمارنة ويوسف غيشان وأحمد دعيبس، وكانت مواهب متواضعة وجدت من يشجعها ويخلق مسرحاً لتنميتها، وهي حركة ثقافية بالمجمل انتقلت كما يقول دعيبس إلى القرى المحيطة بمأدبا، ولا شكّ أن الكتاب كان غالياً عزيزاً يجد من يتداوله في ذلك الزمان كما يقول دعيبس الذي هو عينة عن أبناء جيله.
كانت حوارات فكرية وانهمام بالواقع الثقافي والوطني والعربي والدولي وكان الطالب مثقفاً عالي الحس بارع الخطاب موهوباً في الدفاع عن وجهة نظره، وهو ما يجده دعيبس سبباً رئيساً في مشواره الفني فيما بعد وتداوله مع الآخرين (الفكرة) بإنصات واحترام.
 القصد من هذه الإطلالة على ذلك الزمان، كما يؤكد دعيبس، هو تفسير طاقة الشباب التي كانت تتفجر بالإبداع والعمل المسرحي والفني واحترام المحيطين والعمل بنبل للفكرة، ويجد دعيبس أن كون مأدبا مدينة ثقافة سيسهم في تغذية هذا الجيل بالفعل الثقافي بكل قطاعاته، ويجعل منهم واعين لفكرة تغيير نمط الحياة إلى الأفضل بالثقافة بدلاً من تفجر الطاقة بالشجارات التي تعطل إنتاج وعطاء هذه الفئة المهمة في المجتمع.
في لقاءات دعيبس بأكرم مصاروة الذي كان ذا باع طويل في الحركة الثقافية والفنية، يتم تداول أن مأدبا قادرة على العطاء الثقافي، ويتم التفكير بمكتبة ضخمة ومدرج كبير وطاقات شابة تظهر تاريخ المدينة وتباهي به، فمأدبا ذات عمر طويل ومرت عليها حقب محترمة، ويذكر دعيبس أن مأدبا التي أنجبت المسرحي نبيل صوالحة ونديم صوالحة، فيها من حكايا المسرح الكثير، واجداً قصة سيدنا يحيى غنيةً بتفاصيلها، وبخاصة في مسرح في المكان ذاته، مسرح مكشوف، وهذا بالطبع يحتاج ميزانيات خاصة لا ينفيها دعيبس، ولكن الأهم هو أن تأخذ الكفاءات المبدعة في الفن والأدب حظها ممارسةً وإدارةً ليضمن دعيبس نجاح الإبداع في مدينة الثقافة وفي غيرها.
المكتبة.. الشباب.. اللغات الحديثة.. صناعة السينما.. الجهود الوطنية.. المشاريع الجادة.. ألف باء  السينما الدراما.. مناقشة واقع الدراما الأردنية.. التلفزيون... الكفاءات الأردنية.. ظروف الإنتاج.. مواضيع يراها دعيبس مهمة يجب أن تُطرق.. ذهنية المبدع الأردني وخطابه... الفكرة المستوردة.. العرش الذهبي للدراما.. كل هذه أفكار يراها حسين دعيبس تخلق حالة إيجابية تفتح الأعين على الإنجاز المأمول وتذكر بالإنجاز الذي اختفى، وفي مدينة الثقافة فإنّ أهم ما في الموضوع أنّ عقلية الشاب المنفتحة ستتأكد لديها دوافع الإبداع والمضي في طريق إثبات الذات.
دعيبس الذي يستعد لنقل خبراته كلها لهذا الشباب المأدباوي والأردني عموماً المتحمس للفرصة يشترط تعب هذا الشباب على نفسه وتخليه عن ذهنية الغرور والقفز فوق المراحل في ملاحقة الأفكار، وهي المدينة التي يجد دعيبس شبابها يثبت ذاته في العاصمة ويتابع ويجد ويطالع ويجتاز المعيقات، وهي مواهب بدأت تتكرس في الإخراج والدراما، ويذكر دعيبس أن مأدبا التي صوّر فيها لفنانين عرب منهم كاظم الساهر وماجد المهندس ومصطفى قمر هي مدينة مليئة بمسوغات الإنتاج الدرامي في طبيعتها وحاراتها وقراها ومواقعها الدينية والسياحية.
ما ينطبق على الدراما ينسحب على الموسيقا والتشكيل وكل الفنون، ويطمح دعيبس إلى توأمة لمأدبا، هذه المدينة الحبيبة الصغيرة، مع مدن إيطاليا وفرنسا، لتكون حديثاً يتجاوز المحلي إلى العالمي، بحكاياها ولوحاتها وكل ما يميزها.
مهرجان مأدبا للثقافة والفنون يراه دعيبس، لو تم الاشتغال عليه، مشروعاً مذهلاً؛ خصوصاً كما يقول، أنّ أكرم مصاروة بخبرته في إدارة العمل المهرجاني ستثري الفكرة وتطورها وتفتح عين العالم على هذه المدينة الحبيبة، فهل يمكن تخصيص أربعة دونمات لمركز ثقافي أو لمدرج يحتضن الفكرة؟!.. يرى دعيبس أن عالم الاحتراف لا بد أن يُدعم في سياق مدينة الثقافة الأردنية أو بغيرها، مثمناً لوزارة الثقافة هذه الفكرة الحصيفة، مشروع مدينة الثقافة الأردنية.

مصاروة: مهرجان مأدبا
يقول مدير مهرجان جرش السابق للثقافة والفنون أكرم مصاروة إنّ الثقافة ليست مناسبةً تمرّ، بل تحتاج توطيناً، وذلك لا يتأتى إلا من خلال الخطاب الواعي لأهل المدينة وحفزهم على تبني الخطاب الثقافي وتلمّس آثاره الحضارية الإيجابية.
ويرى أنّ فكرة مدينة الثقافة فرصة لأن نتعامل مع بنية تحتية متطورة للمدينة العريقة الضاربة 4000 سنة في عمق التاريخ، وقد مرّت عليها حضارات سدت ثم بادت، فعادت إليها الحياة الجديدة قبل مائة عام، وهي فترة يحترم مصاروة كنوزها التي تستجليها النيّة الصادقة والعزم الأكيد، والتفكير الاستراتيجي بقيمة موقعها الديني والتاريخي والطبيعي وعلى كل الصعد.
وبإعلان مأدبا مدينةً ثقافية يزداد عند مصاروة الوعي للتفكير بمسارح مواتية ودور عرض وما يليق بحمل هذا الإرث الثقافي الذي تمتلئ به المدينة. يطرح مصاروة أهمية مهرجان ثقافي وفني في مأدبا، ويجد أن الكفاءات والخبرات في المدينة كافية لو توفرت المادّة؛ لأن المهرجان سيحتفي بكل الثقافة والفن ويعلي من شأنهما في نفوس الناس، ويجتذب المحيطين والدول للمشاركة الفاعلة، والعمل الثقافي عند مصاروة يجب أن نسارع في تأكيده لأن الانتظار يمكن أن يعطّل الجهود، ومن ذلك يدعو إلى استثمار هذا الشباب المثقف استناداً إلى نسبة التعليم المذهلة في القصبة وجوارها من القرى.
مأدبا التي انتقلت كما يقول مصاروة من مرحلة الاستحياء الثقافي إلى المفهوم الثقافي المشدود الجوانب تحتاج إلى دراسة تاريخ وآثار عريقة و(نبش) في ثناياها وتأكيد المفهومين السياحي والثقافي جنباً إلى جنب فعلاً، لا على المستوى التنظيري حسب، وتضمين العمل الفني أو الأدبي ثيمةً محترمة وفكراً واعياً، وينظر مصاروة إلى ظاهرة الاهتمام  بالفسيفساء في مأدبا محفّزة على الاشتغال الجاد، وذلك يستند كما يرى إلى (ارتباط المصلحة بالإبداع)، وهو ارتباطٌ يجعلنا نفكّر بمدرسة الفسيفساء المدرّة للدخل المسوّقة للفن والتاريخ، وهو توازن في نهاية المطاف بين الاقتصاد والسياحة والفن.
يذكر مصاروة نماذج سياحية مهمة في مأدبا ويدعو إلى نهضة ثقافية في كل شيء: الموسيقا، الشعر، الرواية، الرقص، التشكيل، السينما وفنون الدراما، وغير ذلك من أجناس الأدب والفن، والأهم من ذلك أنّ (الحركة الثقافية الأثرية) ما تزال الجهود فبها غير كافية أو (مقصّرة)؛ فالاعتماد على الأجانب أمر طيّب، غير أنّ حفز الأهالي على التفتيش عن كنوزهم ودلائل نهضة بلادهم والإسهام في إظهارها هو المهم، لأن التراث في مأدبا كثير وغني، وعلينا أن نبذل جهداً أكبر في مضامين التراث الشفاهي والتراث المادي، ومع أن ظروف الحياة وملاحقة همومها أمر قد يثني عن الاحتفال بما لدينا من إرث عريق، إلا أنّ مصاروة يؤكد أن لا مناص من الإخلاص لهذا التراث وتسويقه بالمهرجان والتبادل الثقافي والعمل الأدبي والفني، وهي رؤية يقول عنها إنها يجب أن تكون استراتيجيةً وطنيةً عامّة، ومأدبا ليست استثناءً من ذلك.

القنصل: تواصل الهيئات
الأديب الباحث حنا القنصل يرى مأدبا مؤهلةً لتكون مدينة ثقافة عام 2011، ففيها من الإمكانات الثقافية والشواهد التاريخية الكثير، ويؤكد القنصل أنّ رواد الأردن في الفن والأدب كان كثيرٌ منهم من مأدبا، متمثلاً بالعزيزي وهلسا، ذاكراً أن مغتربين ما تزال مأدبا تمدهم بأدب الحنين إليها منهم عيسى القنصل، ويذكر حنا القنصل عشرات الأسماء الأكاديمية والفنية والسياسية والفكرية والاقتصادية والسياحية والقيادية في مأدبا؛ مبيناً جهود مصاروة في إدارة شؤون مهرجان جرش السابق.
ومع ذلك يرى القنصل الحركة الثقافية في مأدبا جزراً معزولة تحتاج جسوراً وتكاتفاً يفكّر بالأنا الجمعية لا الذاتية، محتاراً في هذا المزيج الرائع من سكان المدينة في البادية والحاضرة وما يمكن استخلاصه لو صدقت النوايا في التنقيب عن نتاجهم وتفاصيل حياتهم وإغناء المكتبة الأردنية والعربية وحتى العالمية بما لديهم.
لا يجد القنصل المسارح والساحات ولوحات الفسيفساء ومشاغل البسط إلا سنداً قويّاً لمأدبا الثقافية، ويعرب القنصل عن دهشته: لم لا تكون مأدبا مدينة ثقافة عام 2011 وفيها مسلّة ميشع، ملهمة الفن والأدب والحكايا؟!!!
صراحة القنصل تدفع إلى الحديث عن عدم وجود قيادة لحركة ثقافية رائدة في مأدبا؛ مبيناً أن مجموعة أندية وهيئات ثقافية تقيم نشاطاتها منفصلةً ولم تنشط، لأن الأصل كما يراه أن تتحفز هذه الهيئات وتتفاعل مع بلدية مأدبا والمحافظة لإنتاج يضعها على الخارطة الثقافية الأردنية إنجازاً بسبب توفر مسوّغات ومواد هذا الإنجاز الذي قد يعطّله العمل المنفصل الذي لا يؤمن بالتنسيق.
بانوراما البحر الميت بكل تفاصيلها تكفي لمدينة ثقافية مذهلة، يتم استعراض تاريخ مأدبا بلوحاته الغنية، ويتمثل القنصل بخمسين أجنبياً من صناع السياحة ومطوريها التقتهم مأدبا، كما يذكر عن صحف ألمانية على سبيل المثال تناولت مأدبا وأفردت لها مساحات محترمة، ولكن القنصل يسأل: دلّني على كتاب ألّفناه باللغة الإنجليزية يحكي تاريخ مأدبا عدا ما تنتجه وزارة السياحة والمؤلفون الأجانب!
المعهد الفسيفسائي في مأدبا هو الوحيد في الشرق الأوسط!.. ويضيف القنصل أن أبناء مأدبا هم من يتحمل العبء الأكبر في ترويجها فناً وأدباً وفكراً وبحثاً؛ ذاكراً جهود الفنان حسين دعيبس في مؤاخاة مأدبا المدينة مع مدن أوروبية.
يطرح القنصل المساجلات الشعرية البدوية، ويذكر جهوداً لأرشيف دير اللاتين والباحث المؤرخ د.نوفان السوارية عن الحياة في مأدبا.. وفي الآن ذاته يذكر القنصل جهود الراحل الرائد في الأدب الأردني العلامة روكس بن زائد العزيزي الذي كتب عن حياة البدو ولهجاتهم في معلمة التراث الأردني مبيناً أدب الكتابة عند هذا العملاق، عادّاً جهده بالمخلص الذي يدوم وتتصفحه الأجيال.
يقول القنصل الذي يحمل الماجستير في تخطيط مدينة مأدبا إن دراسة بيوت ودور مأدبا القديمة معمارياً ونقلها تشكيلياً وتأسيس دارات للعزيزي وهلسا أمرٌ يحتم علينا القيام به ما تركاه هذان العلمان من أثر، وفي سؤاله عن غنى محيط مأدبا بالمساجلات الشعرية يستذكر القنصل جدّه الشاعر سالم القنصل مع شعراء مأدبا، وذلك يستلزم جمعاً أو مشروعاً جاداً قد تهيئه وزارة الثقافة في سياق اعتمادها مأدبا مدينة ثقافة.
الإبداعات المأدباوية كثيرة، ويذكر القنصل رسامين من مأدبا منهم شبلي حدادين، والنحت الشبابي الذي يضاهي المستويات الإيطالية.
يقول القنصل إن الزيارة البابوية لمأدبا لها طابع خاص عند الأوروبيين، مبيناً أنّ القيادات العالمية تزور مأدبا بكثافة سياحية وليس على المستوى الرسمين وهو دليل احترام لموروث مأدبا ومكانتها العالمية.

الشوابكة: جمهور المسرح
المخرج المسرحي علي الشوابكة رئيس فرقة مأدبا للفنون والمسرح يثمّن مشروع المدن الثقافية بعامة، معرباً عن تقديره للتنافس الإيجابي بين المدن الأردنية لنيل المسمى، وبخصوص تنوّع  الهيئات الثقافية في مأدبا يشرح الشوابكة أنّ فرقته تشتغل على جانبين، الأول استقطاب المواهب الشابة وتدريبها، والثاني الاشتغال على الجمهور المأدباوي في شرح معنى المسرح وتعميقه فناً راقياً يحمل قضيّة، ويسمي الشوابكة هذا المسرح بمسرح التوعية، مبيناً معنى المسرح السياسي التفاعلي في المدارس الخاصة والحكومية.
كيف نحافظ على السائح من خلال المسرح؟!.. هذا ما يهدفه الشوابكة في مسرحه السياحي الكوميدي الذي يعرض سلبيات وإيجابيات التعامل مع السائح والمعالجة الذكية ونقل رسالة عمان باللغة الإنجليزية، ويضيف الشوابكة أنّ من ضمن معالجاته المسرحية (صمت المكان) والتعريف بمأدبا ومواقعها في مؤاب ومسلة ميشع ومكاور ونيبو ومنطقة الخطابية باستثمار الأنثروبولوجيا، ويذكر من أعمال الفرقة مسرحية (عودة الحارث) بدلالاتها التاريخية.
يذكر الشوابكة من أعمال الفرقة أفلاماُ تربوية تستثمر مكارم جلالة الملك ودوره في تفعيل العنصر الشبابي، والاشتغال على دارة روكس العزيزي الثقافية، والفلكلور، وفي هذا السياق يرى الشوابكة أن بلدية مأدبا لم يكن تعاونها بالمستوى المطلوب فتراجع المسرح الفلكلوري نتيجة لذلك.
يقول الشوابكة، الحاصل على ماجستير موهبة وإبداع وبكالوريوس الإخراج المسرحي واللغة العربية، إن الفرقة اشتغلت على الجانب النفسي والاجتماعي والمونودراما وحازت جوائز، وقدّمت أعمالها في المدارس وفي أماكن بسيطة قبل وجود مسرح بلدية. يرى الشوابكة أن الإنفاق على إنارة مأدبا يعدله الإنفاق على المسرح بدلاً من اعتماده أو النظر إليه نشاطاً ثانوياً لا يقدم أو يؤخر، مع أنه نشاط مهم يغير العقول والأفئدة ويرسم في الدول المتقدمة قرارات، متعجباً: كيف سنصل إلى المدينة الثقافية ونحن ما نزال نتعامل مع المسرح بإقصائه وتهميشه. المسرح الذي بدأ أيام العزيزي، بشهادة ناقد مصري، كما يقول الشوابكة يستحق أن يُنصف في مأدبا انطلاقاً من ضرورة تنويع النشاط بدلاً من الاقتصار على الجنس الواحد في الأدب.
في السينما.. في الموسيقا.. لا تجد آذاناً صاغية كما يقول الشوابكة؛ مدللاً بأن السينما الأردنية ما تزال في بداياتها، كما أنّ إحباط المواهب يؤدي إلى نتيجة عكسية، ذاكراً المبدعة فوني شويحات ابنة مأدبا التي جذبتها عمان بعد صدود، وكانت تعاونت معها الفنانة سميرة سعيد على مستوى الألحان.
شباب من مأدبا تخرجوا من جامعة اليرموك والجامعة الأردنية وتخصصوا في المسرح يحتاجون دعماً، يذكر الشوابكة أن ستين خريجاً على الأقل يعرفهم، مبيناً على المستوى الشخصي مساندته لهم وإيمانه بتعلمهم هذا الفن.
هل تؤثر المدينة الثقافية على مدينة مأدبا؟!.. يكفي أن يتأثر الذوق العام في سياق مدينة الثقافة، فيتغير السلوك وتنتقل القناعات إلى ما هو إيجابي يرقى بالوطن، ناهيك عن الدعم المادي في البنى التحتية وعلى مستوى حراك المشاريع الثقافية، يقول الشوابكة.

الشوابكة: القطاع الخاص
يرى العين السابق محمد الشوابكة أنّ مشروع المدن الثقافية يدل على الارتقاء بالمشروع الثقافي وتطوير تفاصيله والنهوض بحامله، مؤكداً أنّ مأدبا تستحق أن تكون مدينو ثقافة انطلاقاً من المزايا التاريخية والحضارية والدينية والتي تتوافر عليها، عدا الكفاءات والخبرات وكل هذا المزيج المحترم من التراث، ويرى أبو خوام أن مادبا السياحية ستخدم مأدبا الثقافية.
وبخصوص قيمة المشروع الثقافي يؤكد أهمية أن يكون صاحبه جاداً في عرض نتيجته وفلسفة وجوده، لأن دعم العمل الأدبي او الفني أو الفكري في إطار مدينة الثقافية أو في غيرها يجب أن يحقق شروط الجهة الداعمة؛ مبيناً أن مشاريع المدينة لا يجوز أن تكون على هيئة الفزعة أو الانتفاع.
ينطلق أبو خوام من أن تهيئة الأهالي والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية في مأدبا يدعم كونها مدينة ثقافة ويجعل من الحراك فيها منساباً من غير تعقيد، لأن مشاريع يمكن أن ترحل على ميزانيات هذه الشركات والمؤسسات، فتساهم على جانب ميزانية الوزارة في مدينة الثقافة.

يعقوب: مسلة ميشع
يرى الشاعر سعيد يعقوب أنّ المدينة التي تحفل بمقومات أثرية وكنوز تاريخية، وتستند إلى إرث بانيها ميشع المؤابي، الذي خلد انتصاراته في مسلّته بذيبان، التي صلّى في نواحيها الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب( قرية الخطابية) وعبر منها إلى القدس الشريف، جديرة أن تكون مدينة ثقافة.
 يضيف يعقوب أنّ المدينة التي عبر منها صلاح الدين الأيوبي لفتح  مدينة القدس مارا بماعين والعال، فيها خارطة الفسيفساء الشهيرة التي تحدد كثيراً من المواقع في الأردن وفلسطين عدا العديد من المواقع الأخرى التي تشكل عوامل جذب للسياحة الخارجية، وهي كما يرى يعقوب تمتاز اليوم بتنوعها الثقافي الذي يصوغ البناء ويحقق الإعمار والتقدم ويعكس الوجه الحضاري للأردن.
تستحق مأدبا أن تكون مدينة ثقافة كما استحقت لقب مدينة المحبة، ويضيف يعقوب أنها تمتلك من الأسباب ما يجعلها جديرة من حيث نسبة المتعلمين والأسماء اللامعة التي رفدت بها الساحة الثقافية كالعزيزي وهلسا، ويؤكد يعقوب على مقومات المدينة في أبنائها على مستويات الفن والأدب والفكر وكل مجالات الحياة.