«حي بن يقظان».. فلسفة ابن طفيل في إطار الأسطورة

«حي بن يقظان».. فلسفة ابن طفيل في إطار الأسطورة

ولدته الأم وخشيت عليه نقمة الحاكم, فوضعته في تابوت من خشب وألقته في اليم لترعاه عين الرّحمن.
حمله الماء وتمايل تابوته فوق صفحته وتقاذفته الأمواج وأخيراً وصل التابوت إلى تلك الجزيرة التي خلت من الإنس وحيٌّ ليس له من راعٍ إلا الله.
وهناك كانت ظبية ثكلى بوليدها تطوف الجزيرة مشتاقة لصغيرها الرّاحل..
ظبية فقدت وليدها ووليدٌ بلا أمٍّ وأمّ فوّضت أمر صغيرها لله.
مالت تلك الظبية الأم على ذاك الصغير واستلقت لترضعه حليب الحياة. ونشأ الصغير في كنف الظبية ولسبع سنوات بقيت الأمّ وحيِ معاً، وفي يومٍ من الأيام وجد أمّه الظبية مسجّاة دون حراك، تفحّصها, قلَّبها, دون فائدة, ناداها ولكن ما من مجيب.
إنّه الموت.. لسنا خالدين إذاً! ولحياتنا نهاية ولكن إلى أين الرّحيل من بعد سكون الحياة وموت الأجساد.
تفكّر حيُّ ونظر إلى السموات، ليس عبثاً أن خُلِقنا، من مبدع تلك النجوم وباعث الحياة في الوجود؟
بدأ حيُّ يستجلي حقائق هذا الوجود, وبدأ رحلته في طريق المعرفة والاكتشاف والتعلم والمقارنة, مستندا لفطرته السليمة التي دلته بدورها إلى الله الخالق.
هناك أربعة نُصوص فى التُّراث العربي القديم لقصة حي بن يقظان كتبها: الشيخ الرَّئيس أبو علي ابن سينا, الفيلسوف الأندلسي ابن طفيل, وكتبها ابن النفيس بعنوان: «فاضل بن ناطق» وكتبها شهاب الدين السهروردي بعنوان: رسالة الغربة الغربية.
وتمثل النصوص الأربعة، حلقات متوالية من الإبداع الفلسفي والأدبي الممتد عبر تاريخ الحضارة الإسلامية، ويُلاحظ أن النصوص احتوت أيضاً إلى جانب التصوف، على العديد من جوانب العلم العربي.
إلا أن قصة حي بن يقظان قد ارتبطت ارتباطاً وثيقاً باسم ابن طفيل وكانت روايته هي الأشهر والأعلق في الأذهان.
يبث ابن طفيل في هذه الحكاية التي استوحيت منها عديد من الحكايات مثل روبنسون كروزو وطرزان وغيرهما فكره وفلسفته في الوجود.

ابن طفيل

كان ابن طفيل فيلسوفاً ومفكراً وقاضياً وطبيباً وفلكياً. حاول من خلال كتابه «حي بن يقظان» التوفيق الفلسفي بين المعرفة العقلية والمعرفة الدينية.
درس على يد ابن باجة وخدم في بلاط أبو يعقوب يوسف حاكم الأندلس من سلالة الموحدين.
كان معاصراً لابن رشد وصديقاً له. لم يصل إلينا من كتبه سوى قصة (حي بن يقظان).