ثلاث سنوات على رحيل زياد قاسم .. «أبناء القلعة» وإشكالية الراوي

ثلاث سنوات على رحيل زياد قاسم .. «أبناء القلعة» وإشكالية الراوي

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 6-8-2010
No Image
ثلاث سنوات على رحيل زياد قاسم .. «أبناء القلعة» وإشكالية الراوي

د.نضال الشمالي - مرة أخرى يحطّ قلمي للكتابة عن هذه الرواية الأم: "أبناء القلعة"، فالحديث عنها لم يهدأ رغم كثرة من كتبوا عنها ويكتبون، ولكنّي هذه المرة أصافح الرواية بعدَ أنْ عجزتُ عن مصافحة صاحبها ?زياد قاسم? الذي تُصادف هذه الأيام ذكرى رحيله الثالثة، إذ أطمئن الآن كثيرا إلى أن هذه الرواية باتت من أمهات الروايات الصادرة في الأردن، وهي بذلك تشكّل علامة يافعة على طريق الرواية في الأردن لا يمكن تجاوزها، ومن ناحية سردية يثير الراوي في هذه الرواية إشكاليات عديدة ساهمت في شدّ القارئ إليها ليكون مشاركا فاعلا.
لقد وظّف قاسم في "أبناء القلعة" راويا عليما يروي الأحداث بضمير الغائب، معتمداً الرؤية "من الخلف" دون أن يتدخل فعلياً بأحداث الرواية، حاملاً عدسته متنقلاً بين الشخوص والمنازل، مقلباً المشاعر والأحاسيس، كاشفاً عن خبايا القلوب والأسرار، فوفرت هذه التقنية حرية الانتقال عبر مساحة الرواية زماناً ومكاناً دون قيد، ولم يكن له ذلك القسط من الحرية الحركية، فيما لو استعمل المؤلف شخصية من الرواية كراوٍ للحدث بضمير المتكلم على سبيل المثال.
والراوي كلي العلم هو من جهة أخرى ضمير الروائي ذاته، وهو من يقوم بدور الراصد الشاهد على الأحداث وفق تصنيف وين بوث، وهو كلي العلم المحايد وفق فريدمان، وهو الناظم الخارجي الذي يحكي قصة غير مشارك بها بحسب تصنيف سعيد يقطين فيكون في دائرة "براني الحكي" وليس "جواني الحكي". والراوي في مهمته يحتل موقعاً قريباً من الأحداث يكفل له حرية الرصد والمشاهدة الدقيقة بتفاصيلها، فيُظهر تفوقاً كاملاً على بقية الشخصيات المشاركة في أحداث الرواية: "بعد أن التقى البويجي بعائلته، ثار غاضباً على ما فعله منعش، وقرر أن يطرحه أرضاً، ولكنه شأن كل فقير، يقول ولا يفعل، فقبل العصر كان قد استسلم. وذهب إلى مقهى أبي عبده يشكو إليه منعشاً، وبدلاً من أن يسأله الناس عن الزقاق وما حل بعائلته، أخذوا يسألون عن الكنز والعجوزين والتحقيق، فأخبرهم أنه بريء وأن عصا الفلقة التي شققت قدميه، والخيزرانة التي مزقت قفاه ويديه كانت كلها لله، بعد أن أوشك على الاعتراف بجريمة لم يقترفها" (ص 45).

 

يصور الراوي حالة "البويجي" بعد الإفراج عنه، حيث رصد مدخلات الموضوع متنقلاً بخفة بين أماكن عدة، ليبسِّط عن قرب تداخلات الأحداث في الحي (مقهى، زقاق، سجن). والراوي في مواضع مختلفة لا يكتفي بذكر مستجدات الأحداث، بل إنه يتجاوز ذلك إلى التعليق على الحدث والحكم عليه بإبداء وجهة نظره، ولا بأس أن يضع حكمة يفاد منها: "أسرع جورج إلى مكتب السّراج. أصرّ على إطلاق سراح فارس فوراً. أصر على أن يقطع السرّاج له واعداً بعدم التعرض لفارس بعد الآن. قال له إن تدعيم الناصرية لا يتم بخلق الأعداء، بل بجذب الأصدقاء. لو كان في دولة الوحدة أكثر من جورج لما كان هناك أخطاء، ولما تمادى المستفيدون في الانتقام على مزاجهم، بحجة الناصرية والدفاع عنها" (ص 179).
وفي هذا المقطع يصوّر لنا الراوي ردة فعل جورج عند اعتقال زميله فارس، ثم تصرّفه الحثيث من أجل إطلاق سراحه، ثم يطرح الراوي وجهة نظره بحرية تامة دون إنذار مكشوف من الانتقال إلى التعليق النقدي على هذا الحدث.
لكن الراوي يفاجئنا بتعليق لا يتناسب مع الموقف المصّور، بل يكشف عن توجه سوف تهتم الرواية بطرحه لاحقاً، وفي مكانه المناسب، ومثال ذلك: "وكادت نجاح ترضع مضطرة طفلتها من حليب صدرها، لولا أم عبده، التي وجدت مرضعة لبنانية تسكن قريباً من الحي، رضيت أن ترضع ازدهار إلى جانب طفلها الصغير، فأصبح لازدهار أخ لبناني في الرضاعة. حققت هذه العملية أيضاً الحلم الاجتماعي للقوميين السوريين" (ص 33).
وتعليق الراوي حول الحلم الاجتماعي للقوميين السوريين في موضع إرضاع طفلة كان مداخلة غير مناسبة منه، وهذه المداخلة كشفت توجهه كراوٍ موجه من المؤلف أصلاً.
والراوي بتعليقه الناضح بالسخرية يقلل من نسبة حياديته في تقديم الأحداث، فلا يتوانى عن كشف توجهه وآماله مباشرة على سبيل السخرية. ومن المواقف التي وُفق فيها الراوي قدرته على التفكير بعقلية الشخصية التي يدور حولها الحدث معطياً الموقف انفعاليته المناسبة: "عندما وصلوا ]فخري ورفاقه[ إلى جانب المقهى، نظروا جميعاً إلى منعش. إنها المرة الأولى التي يشاهدونه في المقهى. ما إن ابتعدوا قليلاً حتى تعالت ضحكاتهم. تمنى منعش للحظة لو أنه يصفع ذلك الأزعر.. لا.. لا. لو أن أحداً غيره يصفعه. ستكون مكافأته صندوقاً من الكازوز" (ص 217).
يصور الراوي غضب منعش الداخلي من هؤلاء الصبية الذين يتضاحكون عليه، فيفكر بأسلوبه، فلا عجب من هذه الهدية التي سوف يقدمها منعش لمن يشفي غليله، إذا ما عرفنا أنه صاحب أكبر مصنع كازوز في المنطقة.
ونجاح الراوي في التفكير بعقلية الشخصية التي يصورها المشهد تتجاوز إلى قدرته على الانتقال من وجهة نظره كراوٍ إلى وجهة نظر الشخصية دون إنذار مكشوف وبلا فواصل بارزة: "لم يكن كل ما قيل عن عواد النمر صحيحاً. لقد تمادى الناس في اتهامه. صحيح أن ثراءه قد ابتدأ ببعض عمليات تهريب اليهود إلى فلسطين، لكن هذا العمل لم يستمر طويلاً. كان بحاجة لأن يبدأ. والبداية دائماً صعبة، البداية دائماً مشبوهة. دائماً حرام ولكنها حرام مشروع. إنها تصبح غير مشروعة إذا استمر الإنسان بها. تصبح أكثر من حرام. تصبح جريمة. اليهود كانوا سيرحلون إلى فلسطين به أو من دونه، فلماذا لا يستغل هذه الفرصة. لماذا لا يبدأ بدايته" (ص 124).
والراوي يفتتح مشهد المحاكمة الذاتية في دخيلة عواد النمر، فلا نشك أبداً أن أول الكلام في المقطع السابق هو صوت الراوي في الدخول إلى باطن عقلية عواد ليلقي الضوء على وجهة نظره، ولعل ما يوهم بأن الراوي هو من يبرر سلوك عواد في تهريب اليهود إلى فلسطين في مقتبل حياته هو استمرار الراوي بالسرد بضمير الغائب، فالراوي يحكي بصوته ويتدخل بصوته في دخيلة عواد النمر، فيبدو الراوي وكأنه يحكي بلغة الشخصية أو يتقمصها، رغم أنه لا يتنازل عن موقفه كراوٍ يروي، وهذا ليس بأية حال تلاعباً لفظياً. وهنا يحقق الراوي امتزاجاً مباشراً مع هذه الشخصية من خلال تيار تفكيرها الداخلي. ويرى صلاح فضل أن تفكير الراوي بعقلية الشخصية هو أقرب نقطة يمتزج فيها الراوي بالشخصية، وتطمح فيها اللغة إلى أن تكون ترجمة مباشرة للشعور.
ولعل هذا الامتزاج سوف يتغلب إيجاباً على أسلوب القص، فيقلل من هيمنة السرد، بمعنى آخر، يؤهل القصة أن تحكي ذاتها بذاتها من خلال "مسرحة الأحداث" عرضاً، وليس سردها، وهذا ما يسمى: "العرض" (Showing)، وبعبارة أخرى، فإن المدركات الذهنية تمسرح مباشرة بدل أن تقدم على شكل تقرير أو شرح من الراوي. إن الراوي في علاقته مع الشخصيات الأخرى لا يسعى إلى إلجامها، فيمنعها عن الإدلاء بوجهات نظرها سواءً بالحوار أو من خلال السرد بصوته نيابة عنها، بل إنه يرسم أحياناً بوجهات النظر الخاصة بالشخصيات مقطعاً سردياً ثرياً بالآراء المتقابلة: "كان الخوف من الهزيمة مشتركاً بين منعش وأبي عبده، منعش يريد المحافظة على سوقه وجل ما يخشاه انخفاض رقم مبيعاته، وبالمقابل، فإن أبا عبده كان يريد اختراق السوق الذي يسيطر عليه منعش، وجل ما يخشاه عدم نمو مبيعاته. منعش كان يتبجح بكازوزه الذي اعتاده الناس اسماً ومذاقاً. وأبو عبده كان مطمئناً إلى أن الناس يطلبون فقط كازوزاً، بصرف النظر عن الاسم والمذاق" (ص 147).
يصور هذا المقطع النزاع التجاري بين منعش وأبي عبده، ويعرض الراوي بصوته وجهات النظر المطروحة بين هاتين الشخصيتين مقابلاً بينهما، فهو بذلك يفسح المجال لمن هم في موقع الحدث بأن يفصحوا عن آرائهم ووجهات نظرهم، مما يعني انفتاح موقع الراوي على الصراع في مواقع روائية أخرى، والراوي يختفي مؤقتاً فلا نشعر بوجوده في ذلك الموقف، فيبدو مجرد وسيط، أو مجرد شاهد يترك للشخصيات حرية التعبير. ولا يهمل الراوي مشاعر الشخصيات، بل يوضحها ويقارن بينها بموضوعية: "قد تكون أم مالك بالنسبة لكل من رآها جميلة وجميلة للغاية، إلا أنها كانت مملة ومقرفة بالنسبة لخالد، وقد أصابها خوف شديد عندما قام أنور بمضايقته. كانت تحس في أعماقها أن خالداً لديه القابلية للتخلي عنها، ليس لأن أنور يطلبها، ولكن لأن خالداً ما أحبها بداية ولا رغب فيها نهاية. فبمقدار ما أثار عقد الزواج المؤقت لديها الحنق والحزن، أصاب خالداً بانكسار نفسي رهيب. كان يحس أنها مرغمة على النوم معه لقاء المبلغ الذي دفعه لذويها حتى تقضي معه فترة السنة المتفق عليها" (ص 254).
يفصح هذا المقطع المنسوج بصوت الراوي عن شعور كل من أم مالك وزوجها خالد الملا، من خلال المقابلة التي أجراها الراوي بينهما.. والركون إلى توضيح دخيلة كل شخصية، ولعل اعتماد الراوي على المونولوجات الداخلية والحوارات الخارجية بدرجات تكاد تكون متساوية قد قوّى الشعور بالواقعية، وهذا ما عزز حيادية الراوي من خلال عرضه لمجريات الأحداث لا سرده المباشر له مع تزويده هذه المشاهد الحوارية بتعليقات انفعالية تصور حالة الشخص المتحدث أو المشارك في المشهد.
لكن، ما الذي يجعل الراوي يهتم بالمنولوج الداخلي لمجموعة من الشخصيات، فيما يحرم مجموعة أخرى منها؟ وهل يُعد هذا تمييزاً بينها؟ وإذا كان كذلك، فما هو الأساس المتبع في هذا التمييز؟.
إن الراوي يهتم بدخيلة بعض الشخصيات، فيرصد نزعاتها وخلجاتها وحواراتها الداخلية، ويتوقف عندها كثيراً، فيما يتجنب ذلك مع شخصيات أخرى رئيسية، حتى إن الرواية لا تتطرق لعرض دخيلتها النفسية ولا إلى الإفصاح عن تفكيرها، فلا يعرض لنا حواراً داخلياً تم في خلدها، ويتجنب الكشف عن مشاعرها، فيما شخصية أقل منه حضوراً، مثل شخصية لطفي عيسى، يتيح لها الكاتب أن تعبّر عن دخيلتها بحرية تامة، بل إنه يفكر بصوتها أحياناً؛ مما يجدد التساؤل مرة أخرى: هل هناك أساس معتمد في تقرب الراوي من شخصية ما وابتعاده عن أخرى من خلال تيار شعورها؟.
يبدو أن المعاناة أساس في هذا الولوج إلى دخيلة كل شخصية، ففخري لم يعرف المعاناة الحقيقية في الرواية، إلا عند موت نايف ابن أخته في نهاية الرواية، ولكن الطابع العام لسلوكه كان يخلو من أية معاناة حياتية ملموسة؛ مما أسهم في حجب اهتمام الراوي عن تصوير دخيلته النفسية والتغلغل في مشاعره الذاتية، وهذا لم يحد إطلاقاً من النجاح الذي حققته شخصية فخري على مستوي حضورها، فبرزت واحدة من أنجح شخصيات الرواية فنياً ودلالياً.
ومما يعزز هذا التوجه -الذي يعتمد المعاناة- الاستشهاد بشخصية "فارس"، فهي شخصية تعج بالمعاناة والانكسارات، فقد داوم الراوي على الاهتمام بدخيلتها كلما احتاج الأمر، بل إن الوحدة التاسعة من الفصل الرابع -خاتمة الرواية- قد صورها لنا الراوي من خلال التفكير الداخلي لهذه الشخصية، وكأن المعاناة حكم منطقي لتنظيم هذه التقنية الإثرائية.
ومع بروز حيادية الراوي/ المؤلف في تصويره لأحداث الرواية، فإنه يضع نفسه أمام موجة تساؤلات عارمة حول علاقة الراوي/ المؤلف بشخصية فارس، فالعلاقة الحميمة التي تجمع الراوي/ المؤلف بشخصية فارس تكاد لا تخفى، فيسخر المؤلف لهذه الشخصية مرجعيته الذاتية في بنائها، فبدت الأقرب إلى نفسه من خلال الاهتمام الواضح بتقديمها، و"فارس" الذي تشابه حياته وتاريخه السياسي حياة زياد قاسم، يحصل من الراوي/ المؤلف على امتيازات خاصة لم تنلها شخصية أخرى، تظهر في المراعاة الحثيثة لحياة فارس من الراوي/ المؤلف، خصوصاً في الفصلين الأخيرين (الثالث والرابع)، حيث يظهر الاحتفاء واضحاً بهذه الشخصية من خلال أمور عدة:
- إفراد الصفحات المتلاحقة للحديث عن حزبية هذه الشخصية ومعاناتها، حتى إن الراوي/ المؤلف يقدم الكثير من الانتقادات الحزبية على لسان فارس، وهو قبلاً -أي الراوي/ المؤلف- يبني شخصية فارس بناء يتناسب مع التصريحات الحزبية التي تدور في ذهن المؤلف/ الراوي حول الأحداث التي يقدمها.
- لا يتوانى الراوي/ المؤلف عن إضفاء شيء من الخصوصية على مشاعر هذه الشخصية، ومثال ذلك، تصوير حزنه الطويل عندما أستشهد شقيق نايف في مجابهة جوية ضد الطائرات الإسرائيلية، فيما اكتفى الراوي/ المؤلف بتصوير حزن خاله فخري بأسطر قليلة، وخالته فوزية التي يحبها كثيراً بأسطر مماثلة. أما فارس، فيجد أكثر من صفحة ليبسط عليها مشاعره الحزينة على فقدان أخيه.
- عندما قرر فارس السفر إلى دمشق لإتمام دراسته الجامعية، يُظهر المؤلف تعاطف الناس الكبير معه وحرقة الوداع على هذا الفراق، فيما هذا الوداع لم يحفل به خاله فخري عندما سافر إلى مصر للغرض نفسه، ولا حفل به أخوه نايف عندما لحق بفخري للسبب نفسه، بل جاء سفر هذين الأخيرين سرداً مباشراً ومختصراً.
- يخصّ الراوي/ المؤلف دخيلة فارس الكثير من التصوير المعمق في نفسيته، فجاءت مشاعره واضحة جلية من خلال هذه المقاطع المتتابعة الكاشفة عن تيار شعوره، بل إن نهاية الرواية تمت من خلال نظرة فارس الداخلية للمجتمع المحيط به، وقد استمر سرد الأحداث الختامية من وجهة نظر فارس عشر صفحات؛ إلى أن يظهر صوت الراوي منهياً أحداث الرواية بأسطر قليلة كتوقيع في نهاية الصفحة الأخيرة من الرواية.
- اهتمام الراوي/ المؤلف بهذه الشخصية يصل حد التماهي في بعض المواقف التي ضمنت حواراً خفياً غير منظور بين المؤلف والشخصية، ويعبّر عن ذلك صلاح فضل بقوله إن المؤلف والراوي وبقية الشخصيات الأخرى والقارئ وكل طرف من هذه الأطراف الأربعة بوسعه أن يمتد تجاه الأطراف الأخرى ابتداء من التماهي الواضح إلى التعارض المطلق على أي محور من المحاور الفكرية والجمالية وربما الجسدية أيضاً. والتماهي الحاصل في علاقة المؤلف بشخصية فارس تماهٍ فكري، ولا يرى غالب هلسا ضيراً من ذلك إذا ما أبرز الروائي ذاته وزينها باختياره شخصية تعبر عنه، حتى غدت شخصية فارس مرآة عاكسة لسيرة المؤلف الذاتية، ومثل هذا الإغراق في التقرب يجانب الصواب، وحتى لو سلمنا أن الرواية سيرة ذاتية، تظل ضرورة أن يحقق الكاتب بعض البعد بينه وبين صورته الفنية، تمكّنه من النظر إليها بقدر من الموضوعية
ويُظهر الراوي في بعض المواضع ضعفاً فنياً، من خلال سفور مشاعره تجاه إحدى الشخصيات، مما يقلل من حيادية نظرته، ومثال ذلك شخصية "لطفي عيسى" التي ترضخ منذ البداية تحت ضغط الراوي/ المؤلف، عندما يتحامل في وصفها، ففي أول حضور له في الرواية يصفه الراوي بأن وجهه يشبه وجه الكلب الهرم، فلا مبرر فنياً يشفع للراوي هذا التشبيه، وفي موقف آخر يصفه الراوي بقوله: "لطفي بشكله البغيض المنفر"، فالراوي في مثل هذا التحامل يعجز عن إخفاء مشاعره تجاه هذه الشخصية الناجحة فنياً، الساقطة أخلاقياً، مما يعني انتفاء حياديته كراوٍ غير مشارك في الحدث، ومثل هذا السفور في المشاعر يتكرر مع شخصية منعش في بعض المواقف حين يصوره فيها الراوي بصفات غير إنسانية تكشف عن مشاعر الراوي.
وفي مواقع أخرى تتقلص دراية الراوي كلي العلم لتصبح معلوماته مساوية لمعلومات الشخصيات الأخرى، ومثال ذلك عندما فُقدت سلمى بنت عواد النمر بعد خروجها ذات يوم من المدرسة، اشترك جميع الشخصيات بمن فيهم الراوي في جهل مكانها، وأيضاً عند مقتل العجوزين في الزقاق، لا يُظهر الراوي درايته في معرفة منفذ لجريمة. أو حتى عند هروب (سمورة) زوجة لطفي عيسى، حيث يشارك الراوي بقية الشخصيات جهلهم في موضوع هربها. والراوي هنا لا يلتزم بموقع واحد للرؤية فيصبح محدود العلم في مثل هذه المواقف.
ورغم هذه الملاحظات، إلا أن متانة المعمار الفني وتماسكه وقدرة الراوي على إدارة شؤون الرواية قد حقق لها ذلك المتن المحكم المسيطر على حيوات الشخوص ضمن إدارة صارمة للزمن على مساحة جغرافية مهمة في ظروف سياسة حرجة تمر بها المنطقة، فغدت عمان بهذا البناء الفني تنمو وتتنفس ككائن حي من شخوص الرواية.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }