إبراهيم السواعير.
سجّل الفنان الأردني فيصل حلمي في بيروت أغنيته الجديدة (كيف ارتقت من دوننا عمان)، التي كتب كلماتها أديب الخياط ولحّنها حسين العتلة ووزعها حسين حسام في أستوديوهات بيروت الأوركسترا السيمفوني، وتحمل الأغنية حواراً بين البلدان المحيطة وعمان تتساءل عن سرّ ازدهار المدينة ورفعتها.
وفي سياق الأغنية، يقول حلمي إنّه فكر منذ فترة بأغنية وطنية تليق بعاصمة الأردن، التي تزداد جمالاً كل يوم، وإنه قريباً سيترجمها بالصورة الحيّة لعمان الحديثة، مضيفاً أنّه سجلها في لبنان لاعتبارات الجودة، خصوصاً وقد أشرف عليها الفنان إلياس الرحباني، ولاعتبارات الكورال المتميزة هناك.
ويصف حلمي الأغنية بأنها تخلو من الصخب وتشتمل على رومانسية عالية وكلمات فصيحة، كما أنه أحس بوزنها وتعبيرها المنسجم موسيقياً، وقرأ منها: وتساءلت ما بينها البلدان/ كيف ارتقت من دوننا عمانُ؟/ كيف ازدهت وسمت وصارت جنّةً/ يرنو لها بنعيمه رضوانُ؟/ وغدت تحجّ لها الجموع بلهفةٍ/ ولها تشدّ رحالها الركبانُ/ يتسابقون لها بشوقٍ غامرٍ/ حيث الإبا والعلم والعمران/ وتجيبهم عمان عاصمة الورى/ بطلاقةٍ كي تسمع الأوطان/ أصغوا لأعزف لحن سرّ تألقي/ قالوا اعزفيه فكلّنا آذانُ/ عزفت فهاج الكون إجلالاً لمن/ ذكرت ولم يتوقف الهيجان/ إذ كان عبدالله من لهجت به/ فهو الهوى والحب والهيمان).
ويقول إنه أنتجها لأنه لا يريد أن يتدخل المنتج في الأغنية ووقتها وكلماتها، ولكي يحفظ لها مستواها، كاشفاً عن أنه أنتج كل أغانيه قبل ذلك على حسابه لهذا السبب، ويضيف حلمي أن من صفات الفنان أن يغني القصيدة، متمثلاً بعبد الوهاب الذي غنى لعلي محمود طه وأمير الشعراء شوقي، كما يشترط أن يكون الفنان على ثقافة عالية لغوياً واجتماعياً وفكرياً وحواراً مع الآخرين، ولا يؤمن حلمي ب(البلي باك) في حالة وجود الفنان على المسرح مباشرة مع جمهوره لأن ذلك يعبر عن احترامه لهم، ولكنه يرى إمكانية البلي باك إن كان الفنان وحده من غير جمهور.
ويعود حلمي إلى بداياته، مستذكراً اشتغاله في القسم الموسيقي في الإذاعة الأردنية منتصف السبعينات، واصفاً الإذاعة بأنها كانت مدرسته المهمة في مشواره الفني، ويستذكر أول أغنية له، مؤكداً أن أغنيته (لهوى) آنذاك «كانت بداية الرومانسية في عمان، وأنه أول من غنى العاطفي في الأردن»، ثم كانت أغنية (روحوا قولوا له الأسمراني) التي يصفها بأنها باب الخير عليه حين سجلها في بيروت، وأذاعتها سبع محطات عربية، مضيفاً أنها شكلت بصمةً مهمةً له عرفه الناس بها.
وعن تجربته في مصر، يقول إنه بعد أغنية (روحوا قولوا له الأسمراني)، اشتغل أربع أغانٍ على فترات، سافر بعدها إلى الكويت ثم مصر، فكانت المفاجأة الفنية له بانفتاح أبواب مصر كما يقول على مصراعيها له، فتمت إجازته من إذاعة صوت العرب، وبدأت بعدها أغانيه تذاع من صوت العرب والشرق الأوسط، وفي تلك الفترة كما قال كان الفنان سمير صبري يستضيفه في النادي الدولي أسبوعياً. ويضيف أنه كان يحلم بالنجومية في السينما غير أن إمكانياته المادية لم تساعده، ومع أن الفنانين المصريين طلبوا منه البقاء في مصر إلا انه عاد إلى الأردن كما يقول.
كما يطمح حلمي إلى مسرحية يغني فيها، مثلما يتوق إلى ترك بصمة في فيلم سينمائي، ويذكر أنه لديه ما يؤهله لذلك، مضيفاً أنه سبق وأن غنى لملحنين مصريين متميزين، منهم حلمي بكر ومحمد الموجي وحلمي أمين وإبراهيم رأفت، كما غنى لشعراء مثل بيومي ومحمد زكي الملاح، ويعود يؤكد أنه من أوائل من غنى العاطفي في الأردن. وعن وصفه للأغنية المصرية التي كانت متميزةً وحالها اليوم، يقول حلمي إنّ المصريين كانوا يعتبرونه فناناً مصرياً لشدة انسجامه في اللون العاطفي، وأنّ الأغنية المصرية كانت رائجةً في فترة الخمسينات حتى بداية الثمانينات، ويذكر الفنانين الذين يصفهم بالرومانسيين مثل علي الحجار ومدحت صالح ومحمد ثروت، وهؤلاء كما يرى لهم جمهور حتى اليوم، معرباً عن أسفه لأصوات أساءت إلى الأغنية المصرية بكلمات مبتذلة مثل «بحبك يا حمار» وسواها، ولكنه من جهة أخرى يرى أن مخلصين للأغنية المصرية تقف بالمرصاد لكل ما هو دخيل على الفن والغناء بمعناه الجمالي، معرباً عن أمله لأن تكون صحوة في الفن العربي بشكل عام لتعود الأغنية العربية بكامل ألقها المعهود.
ويرى حلمي، الذي درس الموسيقى في مصر وتعملها على أصولها، أنه في فترة اشتغاله في الإذاعة الأردنية تعرّف إلى عمالقة في الطرب الأردني من مثل إسماعيل خضر ومحمد وهيب وسلوى وعايدة شاهين، مبيناً أن هؤلاء أعطوا وقدموا وما يزال كثيرون منهم مستمراً عطاؤه في المهرجانات والاحتفالات الطربية، مؤكداً الدفء والمحبة والثقافة والهدوء صفات ضرورية في الفنان.
وعن جديده، يقول إنه يشتغل على تجديد في طبقات الصوت والأداء في أغنية (عالعين موليتين)، على نمط (أنا كل ما اقول التوبة يا بوي) أو (ريدها ريدها)، ويعرب حلمي عن رضاه عن حفلته التي أقامها العام الماضي في المفرق في سياق احتفالات مهرجان الأردن، مبيناً أن جمهوره وصل خمسة آلاف، وأنه لم يشعر بالساعتين تمضيان، متمنياً أن تعود الاحتفالات في كل أنحاء المملكة ومحافظاتها في عرس وطني مميز.
ويرى حلمي أنّ الأغنية الوطنية في الأردن يجب أن تكون مميزة على مستوى الكلمات والصوت والموسيقى، متمنياً أن يكون الفنان الأردني قادراً على التجديد والمنافسة والتنويع بالعاطفي والتعب على الذات والمعاناة، متمثلاً بالفنانين عبدالحليم حافظ وفايزة أحمد وأم كلثوم، والرواد الأردنيين في الفن، مبيناً أن هؤلاء لم يصلوا ما وصلوا إليه إلا بعد جهدٍ وتطوير وممارسة، ويحذر حلمي في الوقت ذاته من استعجال الشهرة لأن من يصعد بسرعة دون مبرر فني يهبط بسرعة كذلك.
ويختم بأنّ الفن هو مرآة وهوية الدول، وأنّ الإعلام وسيط بين الفنان وجمهوره وراعي الفن، وأنّ صورة الدولة يجب أن تعكسها أغنية تعبر عن هويتها باللفظ الدال المثقف الذي يبتعد عن السطحية والمباشرة.