د.تهاني شاكر
للدّكتور ناصر الدين الأسد شغف خاص باللغة العربيّة لا يخفى على أحد، وبخاصّة نحن طلبتبه الذين عرفناه من قرب، فانبهر معظمنا بأسلوبه المشرق في التّعبير، وبلغته الفصيحة التي تنساب على لسانه سلسة دون تكلّف أو تعقيد، فهو يستخدم اللغة الفصيحة في تأليفه وتدريسه وحياته اليوميّة دون أن يلجأ إلى كلمة واحدة غريبة أو مهجورة، خلافاً لكثير من الأشخاص الذين حاولوا التحدّث باللغة الفصيحة في جميع ميادين حياتهم فاستخدموا كلّ غريب ومهجور بطريقة تدعو إلى السّخرية أحياناً.
ولعلّ ما ساعده على الحفاظ على هذه اللغة المشرقة القريبة من النّفوس، قربه من القرآن الكريم، فهو يكثر في حديثه من الشّواهد القرآنيّة حتى يظن المرء أنّه يحفظ القرآن كاملاً، وقد سألته عن ذلك فقال لي إنّه يحفظ أجزاءً منه، ويحرص على تلاوة شيئاً منه كلّ يوم.
وشغفُ الأسد باللغة العربية هو دافعه الأول لكتابة البحوث التي اشتمل عليها كتابه: "تحقيقات لغويّة"، فهذا الكتاب يشتمل على تسع دراسات كانت قد نُشِرت في مجلتي: مجمع اللغة العربيّة بالقاهرة، ومجمع اللغة العربيّة الأردنيّ، ثمّ جمعها الباحث في هذا الكتاب وأعاد نشرها حين ألحّ عليه بعض طلبته عمل ذلك بعد أن اطّلعوا على هذه الدّراسات وعرفوا ما فيها من فائدة ومعرفة ليس من السّهل الحصول عليها.
والدّراسات الموجودة في هذا الكتاب هي: معاجم ومعجمات، ونوادٍ وأندية، ووديان وأودية، وحماس وحماسة، وأعراب وبادية، والعشرينات والعشرينيات، وجهود بعض المحدّثين في العاميّ والفصيح، وكتاب الجمهرة لابن دريد وأثره في اللّغة، ومسائل في العربيّة وتعلّمها.
* معاجم ومعجمات
لاحظ د.ناصر الدين الأسد كثرة استخدام الكتّاب لكلمة "معجمات" جمعاً لمعجم، ووجد أنَّ بعض الدّارسين يخطِّئ استخدام كلمة "معاجم" جمعاً لمعجم ممّا دفعه إلى تتبّع هذه الكلمة في المصادر القديمة لمعرفة الصواب من الخطأ في جمعها، وهو في منهجه في البحث يميل إلى التيسير والاستفادة من سعة اللغة العربية ورحابتها، فهو يقول عمّن يسرعون إلى وصف الكلام بالخطأ دون تمحيص وتدقيق: "ولا شكّ في أنَّ هؤلاء العلماء الأجلاّء أسدوا إلى لغتنا فضلاً كبيراً بما تتبّعوه من وجوه الخطأ والصّواب، ولكن بعضهم أدخل نفسه وأدخلنا معه مداخل حرجة، وضيّق على نفسه وعلينا، وركب مركباً صعباً وأراد أن يحملنا عليه، ثمّ اعتسف الطريق، وقد وقع هؤلاء العلماء في بعض ما خطّأوه وجرت أقلامهم ببعض ما نهوا عن استعماله. والأمر أوضح من كلّ ذلك، وسبيلنا أرحب، ولغتنا أوسع وأسمح. ولا ريب في أنَّ كثيراً مما خطّأه هؤلاء العلماء هو صواب صواب، حتّى لقد بتنا محتاجين إلى أن نردّهم هم إلى الصّواب لننفي من نفوسنا ما أصابونا به من تحرّج حين نكتب، بل من فزع، خشية الوقوع في الخطأ مهما نبذل من جهد في التّدقيق والتّثبّت" (ص 14).
وقد خلص الباحث من دراسته لكلمة "معجم" إلى أنَّ الصّواب في جمعها هو "معاجم"، وأنّ "معجمات" يخالف القياس، واستعمال العرب، وذوق جمهور المعاصرين معاً، وإن لم يكن خطأً محضاً إذ لُحِظَ فيه معنى القلّة كالشّأن في جمع المؤنّث السَّالم.
* نوادٍ وأندية
كما تحقّق الباحث من جمع كلمة "معجم" وخلص إلى أنَّ الصّواب فيها "معاجم"، تحقّق كذلك من جمع كلمة "نادٍ" وتوصّل إلى أنَّ "النّوادي" وحدها هي جمع "النّادي"، وليس "أندية" التي هي في الأصل جمع "نّديّ"، وأنّ النّوادي يقتضيها القياس المطّرد، وهي موافقة لاستعمال العرب ولطبيعة لغتهم، وذلك لأنَّ صيغة "فاعل" حين يخرج عن الوصف ويجري مجرى الاسم، ويدلّ على غير العاقل، فجمعه القياسيّ المطّرد الذي لا ينكسر هو "فواعل"، ولأنَّ المعتلّ الآخر بالياء -المنقوص- إذا كان على وزن "فاعل" ودلّ على اسم لغير العاقل، فيجمع جمع نظائره من غير المنقوص: فالبازي جمعها: البوازي، والصّاري جمعها الصّواري.
* وديان وأودية
وجد الباحث أنَّ بعض المحدثين يذهب إلى تخطئة استعمال "الوديان" جمعاً للوادي، ويستعملون كلمة "الأودية" عوضاً عنها، ممّا دفعه إلى دراسة هذه الكلمة وتتبّع جمعها في المعاجم وكتب اللغة حتى خلص إلى أنَّ كلمة "وُِديان" هي المستعملة جمعاً لوادٍ في كلام العرب وأحاديثهم اليوميّة في العصور الأخيرة، وأنَّ هذا الجمع "فعلان" من أبنية الجموع العربيّة التي نصّت عليها معاجمهم، وكتب لغتهم لذلك فهو لم يجد حرجاً من استعمال "وديان" جمعاً لـ"وادٍ" إلى جانب "أودية" فتكون "أودية" جمع قلّة و"وديان" جمع كثرة، وذلك قياساً على وزن "فعيل" الذي يجمع جمع قلّة على "أفعلة" وجمع كثرة على "فعلان".
* حماس وحماسة
حديث الأسد في هذه الدّراسة مشابه لحديثه في الدّراسات الثّلاثة السّابقة، داخل في بابها فهو مثلها محصور في صيغ الألفاظ وأبنيتها: تلك الدّراسات في الجموع، وهذه الدّراسة في المصادر، ومدارها جميعها على إلحاق ألفاظ بمثيلاتها بشروط معلومة وفي أحوال مخصوصة، وهو قد اختار لدراسته كلمة "حماس" التي ذهب إلى تخطئتها إبراهيم اليازجي، والشّيخ المنذر، وأسعد خليل داغر وغيرهم، وخلص من دراسته إلى أنَّ من يستعمل لفظ "حماس" في كلامه أو كتابته هو في مأمن من التخطئة لأنَّ كثرة تعاقب "فَعَال" و"فعَالة" وتواترهما في المصادر عند القدماء يجعلنا نحجم عن تخطئة من يستعمل صيغة "فعال" ولو لم تذكرها المعاجم وكتب اللغة واقتصرت على إيراد فعالة، وذلك بشرط أن تكون الكلمة قد كثر دورانها على اللسان وفي الكتابة عند أبناء اللغة العربيّة.
* أعراب وبادية
تسعى هذه الدّراسة إلى إزالة التّداخل والاضطراب في لفظين هما: أعرابيّ وبدويّ، فالمعاجم وكتب اللغة والتفسير وغريب الحديث تورد تعريفات لهذين اللفظين تجعلهما يدلان على معنى واحد، وهذا ما لا يراه الباحث الذي استقصى دلالة كلّ من الكلمتين في كتب تفسير القرآن الكريم، وفي الأحاديث النبويّة الشريفة، وفي كثير من النّصوص في المصادر القديمة، وخلص إلى أنَّ البدو هم الذين يعيشون خارج المدن والقرى ويظلّون قريبين منها محيطين بها، وهؤلاء متّصلون بحاضرتهم يدخلون ويخرجون ويتبادلون وإيّاهم المنافع ويشتركون معهم في كثير من العادات والطباع. أمّا الأعراب فهم الذين توغّلوا في الصحراء، ولم يتّصلوا بأسباب الحضارة، فأصبحت قلوبهم قاسية، وطباعهم جافية.
* العشرينات والعشرينيات
يحاور الباحث في هذه الدّراسة الذين يخطّئون استعمال كلمة "العشرينات" وغيرها من ألفاظ العقود، ويرون الصّواب في قولهم: "العشرينيّات" ويخلص من حواره معهم ومناقشته لآرائهم بقوله: "فمن أراد طريقة العرب وما ساروا عليه في كلامهم، فأمامه هذا الشّعر المبين، وليقل: حدث ذلك في العشرين أو الثلاثين أو الأربعين من هذه المئة، أو من هذا القرن...، ومن أراد المخالفة عن استعمالهم الذي ألفوه، وأراد أن يحدث كلاماً جديداً، فلا بأس عليه أن يجمع لفظ العقد فيقول: العشرينات والثلاثينات" (ص 112).
* جهود بعض المحدثين في العاميّ والفصيح
يعرض الباحث في هذه الدّراسة لجهود أربعة من الدّارسين من دول عربيّة مختلفة، في دراسة ألفاظ شاعت في الاستخدام العاميّ وردّها إلى أصولها الفصيحة، وأول هؤلاء الأربعة هو: أحمد رضا العامليّ من لبنان، والثّاني هو د.أحمد عيسى من مصر، والثّالث هو شفيق جبري من سوريا، والرّابع هو د.عبد الملك مرتاض من الجزائر.
* كتاب "الجمهرة" لابن دريد وأثره في اللغة
تبيّن هذه الدّراسة أنَّ كتاب "جمهرة اللغة" لابن دريد نال حظّاً وافراً من الشّهرة عند القدماء، واعتمد عليه أصحاب المعاجم وعلماء اللغة الذين عاصروا ابن دريد أو جاؤوا بعده حتّى عصر السيوطي في القرن العاشر الهجريّ، وهو كتاب ذو قيمة كبيرة وأثر بالغ، ولذلك أصبح واحداً من خمسة كتب مشتهرة عالية كما وصفه ابن فاس.
* مسائل في العربيّة وتعلّمها
هذه دراسة يدعو فيها الأسد إلى دراسة أساليب تعليم اللغة العربيّة: نحوها وأدبها، من داخل هذه اللغة وثقافتها، ودراسة ما عند غيرنا، لا لنخضع له ونقتصر عليه، ولكن لنعرفه ونقابله بما عندنا، ونأخذ منه القدر الذي يفيدنا ونحتاج إليه لتطوير أساليبنا ووسائلنا التعليميّة بما يناسب طبيعة لغتنا ومقوّمات ثقافتنا.
يمكن القول إنَّ هذه الدراسات مجتمعة تظهر منهج ناصر الدّين الأسد الذي يتسم بالدّقّة والاعتدال. والأسد هو أستاذي الذي سمعت منه عشرات المحاضرات والنّدوات، وفي كلّ مرّة كنت أجد عنده شيئاً جديداً أتعلّمه، فهو أستاذي الذي أشعر في حضرته أنني ما أزال في بداية طريقي العلميّ حتى بعد أن نلت الدّكتوراه.