خرافة تأثير الأبراج الفلكية في حياة الإنسان

خرافة تأثير الأبراج الفلكية في حياة الإنسان

إبراهيم كشت

يبدو أن ثمة تزايداً في نسبة الذين يؤمنون بالأبراج الفلكية وتأثيرها في صفات الإنسان وعلاقاته وقدرة المشتغلين بها على التنبؤ بالمستقبل ، هذا ما تشير إليه بعض الاستفتاءات ، وهذا ما تَدُلّكَ عليه الملاحظة حين تستمع لأحاديث الكثير من النساء والرجال وبخاصة عند انتهاء عام وقرب حلول عام جديد ، أو حين تراقب حجم ما تُخصصه الفضائيات من برامج للمنجمين والمتنبّئين ومُدّعي معرفة صفات الناس وحُظوظهم من خلال الأبراج ، وكذلك حجم مواقع الانترنت المعنيّة بهذا الأمر ، وحسبك دليلاً على هذا التنامي في أعداد المؤمنين بالأبراج وتأثيراتها وتنبؤاتها أنَّ كتبها باتت الأكثر مبيعاً والأعلى ثمناً لدى المكتبات .
ومع أن الحديث الذي يُفنّدُ مزاعم المشتغلين بالأبراج لا يلقى قبولاً حسناً لدى كثير من الناس ، لأن الإنسان بطبعه لا يُحب الاستماع إلى ما ينافي قناعاته ، ويخالف الأفكار التي يؤمن بها ويتصرف على أساسها ، مع ذلك ، أرجو أن يتّسع صدر القارئ الذي يؤمن بأثر الأبراج والأفلاك ، لسماع ما سوف أورده من حقائق توضح أن هذا الموضوع برُمّته لا يعدو أن يكون خرافة ، لا تستند الى علم ، ولا يقبلها منطق ، ولا تثبتها الوقائع .
إن اهتمام الإنسان بالشمس والقمر والنجوم ، واعتقاده بتأثيرها ، وعلاقته بها ، أمرٌ قديم جداً ، وقد وصل هذا الاهتمام حد عبادة تلك الأجرام ، وبتأثير هذه العلاقة وهذا الاهتمام والاعتقاد ، قامت بعض الحضارات القديمة كالبابليين وقدماء الصينيين والمصريين واليونان ، بتقسيم مجموعات النجوم إلى اثني عشر برجاً في كل منها عدد من النجوم رأوا أنها اتخذت شكلاً معيناً ، واعتقدوا أن اقتران الكواكب السيارة ببرج من هذه الأبراج من شأنه أن يترك أثراً في الناس والأحداث التي تقع على الأرض ، ووضعوا لتلك النجوم والكواكب أشكالاً ورسومات وحسابات . والمهم الذي ينبغي ألا يفوتنا ونحن نتحدث عن ذلك ، هو أن تقسيمات تلك الأقوام القديمة للنجوم ومواقعها ، ورسوماتهم وحساباتهم (التي لا يزال يستخدمها المشتغلون بالأبراج) لم تقم على علم ، بل قامت على جهل مطبق ، لاعتقاد الناس آنذاك بأن الأرض هي مركز الكون ، وجهلهم بكرويتها ودورانها حول نفسها وحول الشمس ، وعدم تصورهم لحجم النجوم والكواكب وأبعادها وطبيعة تكوينها ...
ولعله من المهم أن نتذكّر أن قول المشتغلين بالأبراج بأن الكوكب يقترن بالبرج (مجموعة النجوم) في وقت معين ، أمر لا حقيقة له مطلقاً ، لأن معظم النجوم التي نراها تبعد عنا ملايين السنوات الضوئية ، وهذا يعني أن النجم الذي نراه الآن في موقع معين من السماء ليس موجوداً في تلك اللحظة في ذلك الموقع ، وإنما كان موجوداً فيها قبل مليون أو عشرة ملايين سنة أو أكثر أو أقل ، وذلك حسب بعده عن الأرض ، وقد اختلف الآن موقعه ، أو ربما انفجر ذلك النجم وتحوّل لثقب أسود ، بل أن هذه الأشكال التي نراها لتلك الأبراج ليست موجودة في الواقع على هذا النحو ، وإنما وصول ضوء كل منها متزامناً مع الآخر في الوقت الحاضر هو ما صور لنا هذا الشكل ، وبالتالي كيف نقول باقتران كوكب معين ببرج من تلك الأبراج ، مع أن نجوم ذلك البرج ليست موجودة في هذا الموقع في اللحظة التي نتحدث فيها عن الاقتران ونزعم أنه يؤثر في صفات المواليد وعلاقات الناس وأحداث العالم ؟
إن الزاعمين بتأثير الأبراج لا يستندون في ادعاءاتهم إلى أية أدلة وبراهين يقبلها العلم، وإنما يعتمدون على أن الناس يصدقونهم دون أن يطلبوا منهم دليلاً ، فإذا حاولوا تقديم الدليل وجدته مناقضاً للمنطق والتفكير السليم ، ولعل أكثر ما يستندون إليه ويحاولون إقناعك به هو قولهم إن للقمر جاذبية تسبب المدّ والجزر ، وبما أن معظم جسم الإنسان يتكون من السوائل ، فإن لجذب القمر تأثيراً فيه ، فهي ? أي جاذبية القمر ? تؤثر في مزاج الشخص أحياناً وفي ولادة الحامل وفي الحيض ... الخ . وقد تكون هذه الأمور صحيحة ، غير أن طريقة قياس القائلين بالأبراج والأفلاك عليها خاطئة تماماً وفاسدة منطقياً ، فأن تكون لجاذبية القمر مثل هذه التأثيرات الضئيلة المحتملة في جوانب قليلة من حياة الإنسان لا يقود أبداً للقول بأنها تحدد صفات الشخص أو علاقاته أو سَعده ونحَسِهِ أو تُمكِّننا من معرفة المستقبل ، أو تؤثر في أحداث الحياة ، فهذا توسع في القياس لا يوجد ما يفسره أو يبرره . حتى لو افترضنا جدلاً مثل هذا التأثير للقمر ، وهو قريب نسبياً من الأرض وتابع لها ، فلماذا نعمم هذا التأثير على الكواكب الأخرى والنجوم البعيدة تعميماً خاطئاً لا سند له من علم أو منطق ؟
وكثيراً ما تسألُ المؤمنين بالأبراج عن سبب هذا الإيمان ، فيبادرونك بالقول إن الأبراج علم يدرس في الجامعات ، وليس مجرد تنجيم ! مع أننا لا نعرف جامعة محترمة تدرّس قواعد الأبراج والأفلاك التي يتحدثون عنها ، أما المعاهد التي تمنح شهادات في هذا الموضوع فإنما تفعل ذلك لأسباب مادية ولما يدره عليها ذلك من دخل ، بينما توقفت الجامعات المعتبرة في أوروبا عن تدريس هذا الموضوع منذ القرن السابع عشر أو الثامن عشر ، بعد أن بدأت الحقائق العلمية حول كروية الأرض ودورانها حول نفسها وحول الشمس وعلاقتها بالأجرام الأخرى بالظهور .
وإذا استمعت إلى المشتغلين بالأبراج والمتنبئين بها ، المدّعين بمعرفتهم بالأفلاك وأجرام السماء ، ستلمس أن حديثهم لا يتسم بأي صِبغة علمية ، فهم لا يتطرقون لطبيعة تكوين الكواكب والنجوم وأبعادها وأحجامها وضوئها وما إلى ذلك ، بل ربما اكتشفتَ في أحاديثهم جهلاً بأبسط المعلومات المتعلقة بعلم الفلك الحقيقي ، ومن ذلك ما يردده بعضهم من أن وجود التراب في الكواكب وكون العناصر التي يتكون منها جسم الإنسان هي نفس العناصر الموجودة في التراب فإن ذلك يدل على تأثير تلك الكواكب في حياة الإنسان ! دون أن يعلموا أن معظم الكواكب يتألف من غازات سائلة ولا تراب فيها كتراب الأرض !
وفي الوقت الذي يتقدم فيه العلم الذي يبحث في الجينات وفك شيفرتها على نطاق مذهل ، ويثبت في كل لحظة علاقة الجينات بسمات الإنسان وصفاته الجسدية والعقلية والنفسية ، ويُحدِّثنا عن نحو 29 ألف جين يتكون كل جين منها من الاف الحروف الوراثية، تحدد آلاف السمات المتعلقة بالإنسان 0 وفي الوقت الذي تثبت فيه الأبحاث العلمية الميدانية المنهجية علاقة البيئة بصفات الإنسان كذلك ، في هذا الوقت ينطلق القائلون بأثر الأبراج ليدّعوا أن صفات الإنسان تتحددُ تبعاً لتأثير مواقع النجوم والكواكب حسب يوم الميلاد دون أن يقدموا دليلاً ، ثم يجدون ملايين الناس ممن يصدقونهم ، ويبحثون عن مزاعمهم في الكتب والمجلات والصحف والإذاعة والمحطات الفضائية ومواقع الانترنت ..!
وإذا أنت تمعّنتَ في التنبؤات التي ينشرها المشتغلون بالأبراج كل عام ، ستلاحظ أنهم يطلقون المئات منها ، وهم يذكرونها غالباً بشكل فضفاض مُعمم لكي تندرج تحتها أحداث كثيرة ، كما أنهم يستخدمون ذكاءهم في تحليل الوقائع ومحاولة الاستنتاج ، وبناء على كل ذلك قد تصْدُقُ بعض تنبؤاتهم من قبيل الصدفة ، وبما يتوافق مع قواعد الاحتمالات في الرياضيات 0 فما يكون من الذين يؤمنون بهؤلاء المنجمين إلا أن ينسوا كل التنبؤات التي خابت ولم تتحقق ، ويقفوا عند الذي يكون قد تحقق صدفةً ليتخذوا منه دليلاً على صدق الذين يرجمون بالغيب !
إن ما يقوله المشتغلون بالأبراج في كتبهم وعبر وسائل الإعلام له قوة الإيحاء بالنسبة لمن يؤمنون به ، فأقوالهم وتنبؤاتهم تنغرس في اللاشعور ويبدأ الشخص بالعمل على هديه دون أن يدري ، فقد يسعى لا شعورياً إلى تدمير علاقته الزوجية أو علاقته بآخرين لاقتناعه بأن بُرجهُ لا يتفق مع أبراجهم ، أو قد يعرِضُ عن صفقة أو عمل أو دراسة لاقتناعه بأن (النحس) يرافق برجه هذه الأيام ... وهكذا ، أضف إلى ذلك أن أحاديث الأبراج والتصديق بها تُعلّمُ الإنسان نمطاً من التفكير الخرافي ، الذي يقبل الفكرة دون محاكمة أو نقد وتجعله يبحث عن خرافات جديدة 000 وفي مقابل ذلك ، وفي كل الحالات ، فإن المشتغلين بالأبراج مثل جميع المشعوذين والدّجالين يجنون الكثير من المال نتيجة هذا الاقتناع والاهتمام الذي يلقونه ... حتى لو كان اقتناعاً لا يستند إلى علم ، واهتماماً لا يقوم على منطق .
Kasht97@yahoo.com