القدس في استشراف الشعراء وتصويرهم

القدس في استشراف الشعراء وتصويرهم

د.يوسف بكّار
 
(1)
القدس في خطر، وأيّ خطر!
يقول الشاعر محمود الشاهد مخاطباً المسجد الأقصى قلب القدس ورمزها العظيم:
'فيا مسرى الرسول وأنت ترْنو
 بطرْفكَ للعدوّ ومبتـغـــاهُ
يريدك أن تُهوّد ثمّ تَهْوِي
 ويعلو الهيكل الزَّعْمُ عســاهُ!
فويلٌ للعروبة إن تخلَّتْ
 عن الأقصى الجريح ومُبْتلاه
فإنّ القدس مفتاح القضايا
 فإنْ ذَلَّتْ تَذِلّ بها الجباه'.
ويقول مخاطباً المسجد الحرام صنو الأقصى وأخاه:
'أخا الإسراء والأقصى أسيرٌ
 حبيسُ الصوتِ قد شُلّتْ يداه
أخا الإسراء إن القدس تشكو
 وصوت القدس لا يلقى صداه
أخا الإسراء أقصى الله نادى
 ولا مَنْ يستجيب إلى نداه
وهذي الصخرةُ المعراجُ تبكي
 وهذا الخصم موصولٌ أذاه
فأين المسلمون وأين مني
 عروبةُ أُمّتي في ما نواه؟!
لقد نامتْ عيون العُرْب عنّي
 وصُمّ المسلمون لما اعتراه!'.
إن الخطر المحدق بالقدس وأقصاها خصوصاً، وفلسطين عموماً ليس وليد اليوم، بل هو امتداد وتنفيذ لمخططات قديمة ترتدّ إلى ما قبل وعد بلفور المشْؤوم العام 1917، ثمّ جعلت تتسع قبل ثورة 1936 وبعدها، وراحت تكبر بعد نكبة 1948 وهزيمة حزيران 1967. وها هي اليوم تدخل حيّز التنفيذ.

(2)
اخترت الشعراء الفلسطينيين الثلاثة: عبد الرحيم محمود (1913 ? 1948)، إبراهيم طوقان (1905 ? 1941) وشقيقته فدوى (1917 ? 2003) لسببين اثنين:.
الأول، أواصر الصداقة والقربى بينهم. فعبد الرحيم كان، بدءاً، تلميذاً لإبراهيم في مدرسة النجاح الوطنيّة بنابلس، وكان يرعاه ويحدب عليه شعريّاً، حتّى إن عبد الرحيم تأثر في قصيدته السائرة 'الشهيد'، بأستاذه في قصيدته 'الفدائي'، ثم أصبحا صديقين. وكانت فدوى تلميذة أمينة لشقيقها في كلّ شيء، وهو الذي وصل أسبابها بعبد الرحيم، الذي كانت تقدّره وتحترمه لشخصه ووطنيته وشجاعته. تقول:
'بعد نكبة العام 1948 بدأت أكتب الشعر السياسي. كتبت قصيدة عن زوجة شهيد، وأعطيتها اسم (رقيّة)... الشهيد كان بالنسبة لي هو الشاعر عبد الرحيم محمود. أحببته وأنا محجّبة؛ كانوا يزورننا. أخرج إلى غرضٍ ما مع أخواتي فأراه (يكزدر) في الشارع. كان يبقى في مدرسة النجاح الوطنيّة... عبد الرحيم محمود كان ذا شكل وسيم وطول جميل، وكان تلميذ إبراهيم الذي شجّعه وعلّمه الشعر خلال السنة التي علّمها في مدرسة النجاح، بعدها تصاحبا. بعد وفاة أبي رفعنا الحجاب؛ التحق مع جيش الإنقاذ وأتى لتوديعنا مرتدياً اللباس العسكريّ. قابلته، وقعدنا مع أهلي جميعاً؛ عندما قام للذهاب، قال لي: ديري بالك على حالك'.
وتتابع طوقان: 'بعدها بأشهر قليلة أتى رحمي، وقال إنّه استشهد في معركة (الشجرة) في فلسطين. ظللت يوماً كاملاً، منذ الصباح وحتّى المساء، وأنا أبكي. قصصت له صورة من إحدى الصحف، ألصقتها على (كرتونة)، وجعلت أنظر إليها وأبكي. كانت له ابنة اسمها (رقيّة)، كتبت قصيدة طويلة في حوالي تسعين بيتاً، كلّ عشرة منها في قافية، وفي كلّ مقطع صورة... نشرتها في (الرسالة) ، ونالت صدىً كبيراً عند النقّاد...'.
فأمّا صلة فدوى بإبراهيم فكانت نسيج وحدها دون أفراد أسرتها خصوصاً، وآل طوقان عموماً، إذ كان كما تقول: 'صانع نسيج وجودي'، وخصّها 'بمحبة وحنان بشكل متميز'، واحتضنها ورعاها في حين جفاها الآخرون ونبذوها، وخلّصها من قمعهم القاسي حتّى إنهم حرموها من نعمة التعليم مبكّراً. وهو الذي واكب طفولتها الشعريّة وعلّمها وهداها إلى مكامن الإبداع الحقيقي إلى أن اشتدّ ساعدها فيه.
لقد كان هذا كلّه وراء قولها: 'وتشبثّ قلبي بإبراهيم تشبث الغريق بمركب الإنقاذ'، وقولها بعد وفاته: 'وأحسست بالفقد الشديد بعد رحيل شقيقي إبراهيم... الذي كان هو الراعي، وكنت ما أزال في حاجة إلى رعايته وإرشاده لي'. واعترفت بأن موته وموت شقيقها الآخر نمر والمأساة الفلسطينيّة كانت أبرز الأحداث التي أسهمت في إظهار شخصيتها الشعريّة وصقلها.
السبب الآخر، أن إبراهيم وعبد الرحيم كانا من روّاد شعراء فلسطين الذين ذادوا عنها وعن أهلها وعروبتها، وقاوموا بالكلمة كلّ أعدائها والطامعين فيها، فضلاً عن أن التلميذ عزّز جهاد الكلمة بجهاد السلاح إلى أن أكرمه ربُّه، عزّ وجلّ، بالشهادة في معركة 'الشجرة'، 13/7/1948. وقد اعترف محمود درويش بهذا، وهو يخاطب صديقهما وشريكهما في النضال الشاعر أبا سلمى (عبد الكريم الكرميّ)، وقال: 'أنت الجذع الذي نبتت عليه أغانينا. نحن (شعراء المقاومة) امتدادك وامتداد أخويك اللذين ذهبا: إبراهيم، وعبد الرحيم الذي قاتل بالكلمة والجسد. لا لسنا لقطاء إلى هذا الحدّ؛ إننا أبناؤكم. لقد كنتَ شاعر المقاومة قبل اكتشاف النقّاد لهذا التعبير وقبل تحوّله إلى تعبير شائع'.
أمّا فدوى، التي بدأت تنظم الشعر السياسي والوطنيّ بعد نكبة 1948، والمقاوم بعد هزيمة حزيران 1967، فكان لها غير جولة وصولة مع المؤسسات الصهيونيّة جرّاء شعرها المقاوم وقراءاتها الشعريّة السريّة في مدن الضفّة الغربية وقراها بعد الهزيمة النكراء، حتى إنّ 'موشيه دايان' وزير الدفاع الإسرائيلي حينئذٍ، قال: 'هذه فدوى طوقان تعمل ندوات شعريّة بالسرّ، وكلّ قصيدة تخلق عشرة فدائيين'. أما صحفهم فشّهرت بها بعد قصيدتها 'آهات أمام شبّاك التصاريح'، وممّا قالته تلك الصحف عنها: 'شاعرة في القرن العشرين من آكلة لحوم البشر'، لأن فدوى تقول في قصيدتها:
'ألف هنْدٍ تحت جلدي
جوع حقدي
فاغرٌ فاه، سوى أكبادهم لا
يُشْبِعُ الجوع الذي استوطن جلدي..
قتلوا الحبّ بأعماقي، أحالوا
في عروقي الدّم غِسْليناً وقارْ'.
وكانت الرقابة العسكريّة الإسرائيليّة تمنع نشر قصائدها وتصادر دواوينها. وفي حوارها مع 'فريدى زاخ' حاكم عسكريّ نابلس بعد الاحتلال، باستدعاء منه، سألها: 'ألا ترين أنه احتلال مريح؟'! فردّت عليه: 'لن يشعر أنه احتلال مريح من يمرّ بتجربة الجسر وحدها حيث الإذلال والتعريّ من الملابس والسير حفاة بلا أحذية، ناهيك بمصادرة الكتب والمطبوعات الأخرى، والتعامل الفوقيّ المتغطرس'. من هنا انبجست قصيدة 'آهات أمام شبّاك التصاريح'.
وحين أصرّ دايان على أن يلتقي بها ووافقت، قال لها في اللقاء ?في ما قال?: 'أنت تكرهيننا.. لقد ترجموا لي أشعارك، ووجدتها مزعجة ومليئة بالحقد'. غير أنّه لمّا عرف حقيقة موقفها، وأنها تكرههم محتلين لا يهوداً، وتتفهم الذي عانوه في أوروبا وأن لهم الحقّ في عيش محترم ليس على حساب الفلسطينيين الذين يجب ألاّ يدفعوا الثمن، وأنها عبّرت بعد الهزيمة والاحتلال عن مشاعرها تجاه شعبها ووطنها حين رأت ما حل بها وما عليه العرب من حالٍ مزرية في يافا واللّد والرملة؛ لما عرف كل هذا منها وجهاً لوجه سكت، ثم قال: 'أنا في الواقع لا ألومك، وأُقدّر موقفك، وأتمنى لو كان عندنا شعراء لوطننا من أمثالك'. أوَليس الفضل ما شهدت به الأعداء؟!.

(3)
عبد الرحيم محمود من أقدم الشعراء، إن لم يكن الأقدم، الذين استشرفوا شعريّاً وتنبأوا، من خلال ما كان يحاك آنذاك، بضياع المسجد الأقصى والقدس، في قصيدة قالها بمدينة 'عنبتا' المحتلة الآن في 14/8/1935، ترحيباً بالأمير سعود بن عبد العزيز، الملك لاحقاً حين زار فلسطين.
الشاهد في القصيدة هو مرارة الشكوى والتنبؤ بالضياع، ولفظة 'الضياع' مفتوحة المعاني، مثلها مثل كلمة 'الأرض' عند الشاعر الفلسطيني، 'تجيء محمّلةً بالدلالات والإيحاءات والمشاعر والصور والمشاعر الخاصة' بالفلسطينيين، تكاد تنمّ على كلّ الذي يعاني منه الأقصى الآن ويكابد. فلقد واءم الشاعر بين الأسلوبين التعبيري باستفهامه الاستنكاري التعجبي، والتقريري الذي يصوّر واقع تلك الأيام، ويستشرف المستقبل المعيش الآن. قال:
'يا ذا الأميرُ أمام عينك شاعرٌ
ضُمّتْ على الشكوى المريرة أضلعهْ
المسجد الأقصى أجئتَ تزوره
أم جئت من قبل (الضياع) تودّعه؟!
حُرُمٌ تباح لكلّ أوكعَ آبقٍ
ولكــــلّ أفّـــــاقٍ شريـد أَرْبُعُهْ
وغداً وما أدناه لا يبقى سوى
دمــعٍ لنـــا يهْمي وسنٍّ نقرعــه
ويقرّب الأمر العصيب أَسافلٌ
عَجِـلـوا عليـنـا بالــذي نتوقعه!'.

(4)
أمّا إبراهيم طوقان فصوّر في قصيدته 'القدس' واقعاً مضى كأنه كان يستشرف واقعاً شبيهاً آتياً هو الذي يعيشه الفلسطينيون الآن في الداخل والشتات في غير مكان من انقسامات وصراعات وخلافات في المواقع والمواقف والرؤى لا ترفد نهر قضيتهم بأيّ مدد، بل تخدم عدوهم الذي يجدّ ويجتهد مستبشراً فرحاً في اتجاه آخر معاكس يعزّز الاستيطان والتخريب ومحاولات التهويد في كلّ الاتجاهات.
إبراهيم وإن وقف قصيدته القصيرة، التي تعدّ سبعة أبيات هو الحدّ الأدنى للقصيدة الشطريّة، على ما كان مِن تطاحن حزبي فلسطينيّ العام 1935، عام قصيدة عبد الرحيم محمود السالفة مفضّلاً 'القدس' عنواناً لها، لأن القدس كانت عاصمة فلسطين آنذاك، وستكون بإذن الله تعالى، وكانت مركز ذلك التطاحن والتنافر؛ فإن الأمر نفسه يكاد ينطبق كل الانطباق على فصائل اليوم الفلسطينية متعددة الأسماء والألوان والألقاب والمشارب والانتماءات. يقول:
'دار الزعامة والأحزاب كان لنا
 قضيّة فيكِ ضيعنا أمانيها
هل تذكرين وقد جاءتك ناشئة
 غنيّةً دونها الأرواح تفديها؟
تودّ لو وجدتْ يوماً أخا ثقةٍ
 لديك يوسعها بِرّاً ويحميها
ولا أفادت سوى الأحقاد تُضرمها
 فوق البلاد 'زعاماتٌ' وتذكيها
ولم تبالِ بما تُلقي لها حطباً
 ولا بأيّ كرام الناس ترميها
قضية نبذوها بعدما قُتلتْ
 ما ضرّ لو فتحوا قبراً يواريها!'.

(5)
أمّا فدوى، فكان لها دور كبير مهم وفاعل في تصوير الأحداث والمآسي نقف على ما كان منها ذو عُلْقةٍ بالقدس حسب، وإن توشك أن تنسحب على الأراضي المحتلة كافة. لقد عاشت النكبة والنكسة، وكانت شاهد عِيان على ما فعله المحتل بوطنها وناسه وبالقدس 'وطن السّنى والشمس' كما تصفه. ها هي ذي نفسها تنبّه على أن القسم الأول من قصيدتها المعروفة 'لن أبكي' كان حصاد وقفتها المتألمة في الأرض الحرام بين شطرَي القدس الشرقي والغربي، ووقفتها في يافا على ركام البيوت العربيّة وأنقاضها قبل زيارتها لحيفا بأيام، حيث التقت بشعراء المقاومة في 4/3/1968.
وجعلت قصائدها بعد 'لن أبكي' تترى، ويكاد أكثرها يكون وثائق إدانة تاريخيّة لممارسات المحتل الغاصب دون أن تتخلّى عن الشعريّة وجماليات الشعر فيها.
تخذت فدوى من قصيدتها 'إلى السيد المسيح في عيده' من القدس نموذجاً تصوّر فيه حال المدن والقرى الفلسطينيّة وواقعها تحت نير الاحتلال، وما تقاسيه من إرهاب وبطش. لقد صوّرت القدس تصويراً كليّاً مجازيّاً انزياحيّاً تشخيصيّاً موشّىً برمز بسيط، وصوّرت بالمرارة نفسها والأسلوب عينه موقف العالم كلّه من المأسآة بله المآسي. فأفراح القدس تصلب، وأجراسها تصمت وقِبابها حِداد، أمّا هي فتُجلد وتنزف في وادٍ والعالم قاطبةً في وادٍ آخر:
'يا سيّدُ يا مجد الأكوان
في عيدك تُصلب هذا العام
أفراح القدس
صمتت في عيدك يا سيّدُ كلّ
الأجراس
من ألفي عام لم تصمت
في عيدك إلاّ هذا العامْ
فقباب الأجراس حِدادٌ
وسوادٌ ملتفٌ بسواد
القدس على درب الآلامْ
تُجلد تحت صليب المحنة
تنزف تحت يد الجلاّد
والعالمُ قلب منغلقٌ
دون المأساة
هذا اللامكترث الجامدِ يا سيّدْ
انطفأت فيه عين الشمس فضلّ
وتـاه
ولم يرفع في المحنة شمعة
لم يذرف حتى دمعةٍ تغسل في القدس الأحزان'.
وأكملت الصورة باستدعاء تاريخيّ مهم، إذ فزعت إلى الإصحاح الثاني عشر من إنجيل مرقص، واستعارت قصّة 'الكرّامين' الذين تآمروا على الوارث فقتلوه واغتصبوا 'الكرْم' كما يفعل المحتلّون الآن:
'قتل الكرّامون الوارثَ يا سيّدُ
واغتصبوا الكرمْ
وخُطاةُ العالم ريّش فيهم طيرُ.
الإثم.
وانطلق يُدنّس طُهْر القدسْ
شيطانيّاً ملعوناً يمقته حتّى الشيطان'.
ولمّا لم يكن لا لها ولا للقدس من حوْلٍ ولا قوّة، كما هي الحال الآن، توسّلت بدعائها إلى السيد المسيح، الذي يرتفع إليه أنين القدس، بأن يرفع عنها الغُمّة، ويصدّ كأس الاحتلال المرّة:
'يا سيّدُ يا مجد القدس
من بئر الأحزان، من الهُوّة، من
قاع الليْلْ
من قلب الويلْ
يرتفع إليك أنين القدس
رحماك أجِزْ يا سيّدُ عنها هذي الكأسْ!'.
المهم هنا ما تذكره الشاعرة أنّه في لقاء لها مع صحيفة 'جورنالي سيسيليا' الإيطاليّة قال لها المستعرب 'ريتسيتاتو': 'أنت مسلمة وقد كتبت بعد الاحتلال قصيدة (إلى السيد المسيح في عيده).. لماذا إلى السيد المسيح؟'، فأجابت بذكاء ينمّ على إنسانيّة شمولية شفّافة: 'أولاً، نحن المسلمين نؤمن بنبوة المسيح. ثانياً، كان السبب في كتابتها كون السيد المسيح أول فدائي شهيد فلسطينيّ'.
وأهدت فدوى قصيدتها 'إلى الوجه الذي ضاع في التيه' دون أن تعرّف به، لكي تبثه ما يعتلج في صدرها من غصص وآلام بعد أن أصبح وطنها كلّه باباً لسقر:
'آهِ يا حبّي لماذا؟
وطني أصبح باباً لسقر؟!'
أمّا القدس تحديداً، فيا لهول ما فعلوه بها، وهو ما صوّرته تصويراً يجمع بين الصور التشخيصيّة والانزياحات الأسلوبيّة والصور البيانيّة التشبيهيّة بسيطة المفردة ذات الدلالات العميقة جميعاً:
'الأسى يهطل، ليل القدس صمْتٌ
وقتام
حظروا التجوال، لا تَطْرق في
قلب المدينة
غير دقّات النّعال الدمويّة
تحتها تنكمش القدس كعذراء سبيّة
وعلى الساحة طائر
خرق السّهم جبينه
وعلى الأرض دخانٌ وحطام
شرفة المبنى، وطيْفان يطلاّن على
ليل المدينة
كان في الركن حقيبة
وثياب وادّكارات في الأرض الحبيبة
كانت الزرقة في عينيه تمتدّ
بحيراتٍ حزينة
والأسى يطفح من شطآنها ملْحاً
وماء
كانت القدس هواه، حبَّه الصوفيّ كانت
ويقينه
وأنا أهذي وأهذي..
وأرى العالم تنّيناً خُرافيّاً
على باب بلادي
وأنادي: يا حبيبي
مَنْ يفكّ اللّغز، من يكشفُ
سرّ الكلمات؟!'.
ولفدوى، قبل ذلك، قصيدة 'أردنيّة فلسطينية في إنجلترا' في ديوانها الرابع 'أمام الــباب المغلـــــق' أهدتهــا إلى A. Gascoigne دون أن تذكر من هو، وكانت آنذاك في أكسفورد ببريطانيا، وهندستها في مقطعين
الأول، سرديّ حواريّ بينها هي وبين آخر أجنبيّ حقيقي أو اعتباري لتأكيد ما وقر في نفس 'الآخر' الغربيّ عموماً، إنْ حقيقة وإن جهلاً أو توهماً، من أن القدس 'يهوديّة'!، وهو ما يصرّ عليه المحتلون هذه الأيام، وينشطون جاهدين جادين لتحقيقه لا قدّر الله:
'-: طقسٌ كئيب
وسماؤنا أبداً ضبابيّةٌ
منْ أين؟ إسبانيةٌ؟
-: كلاّ!
أنا مِنْ.. من الأردن
-: عفواً من الأردن؟! لا أفهم
-: أنا من روابي القدسْ
وطن السّنى والشمسْ
- يا، يا، عرفتُ. إذن (يهودية)..
يا طعنة أهوت على كبدي
صمّاءَ وحشيّةْ'.
والآخر، إخباري تقريريّ خطابيّ مباشَر موجّه إلى محاورها تعرّفه بمن هي ومن أين، وتنهي إليه ما ابتُلي به وطنها وناسه الذين اقتُلعوا من جذورهم وبُعثروا أو ظلّوا غرباء حتى في وطنهم، في حين أنه هو ?أو هم? لا يرون إلاّ ما يُراد لهم أن يروْا:
'تسأل عن سحابة؟
مرّت على جبيني
وظلّلتْ عينيَّ بالكآبة
وأنت يا جار الرّضا من فتّح الجراحْ؟
ذكّرتني
أنّي من الأرض التي تمزّقتْ
أني من القوم الذين
من الجذور اقتُلعوا، من الجذور
وأصبحوا على مدارج الرياح
مبعثرين ها هنا وها هنا
لا ينتمون
إلى وطن!
حقيقة فيها نغالط النفوس
ندّعي
أنا كباقي الآخرين
قوم لنا وطن
هيهات! كيف تعلمُ؟
هنا الضّباب والدخان في بلادكم
يلفلف الأشياءَ... يطمس الضّياءَ
فلا ترى العيونُ غير ما
يُراد للعيون أن تراه...!'.