ممارسة الحبكة في البنية الروائية

ممارسة الحبكة في البنية الروائية

د.إبراهيم خليل - استوقفتني -ذات يوم- عبارة لكاتبة روائية، تحتلُّ موقعاً مرموقاً، تقول فيها على لسان البطلة الساردة: 'لم أذق تلك الليلة طعم النوم. غفوت ثلاث ساعات فقط'. فأما الذي استوقفني، فهو الجملة الثانية التي تناقض الأولى. فأن يغفو الإنسان ساعاتٍ ثلاثاً شيءٌ لا يتفق مع التعبير المبالغ به عن الأرق. وهذا الخطأ الصغير ينسحب على 'الحبكة' في الحقيقة، فهو نموذج للخطأ الشائع، والإخفاق المتواتر في كتبٍ تُكتبُ، وتنشرُ، وتصنَّف، في عداد الروايات.
ووقعت بين يدي رواية أخرى لكاتبة معروفة تشير على الغلاف للطبعة الثانية منها، وتشكر بمزيد من العرفان جلّ الذين أشادوا بها، وكتبوا عنها مقالات في المجلات، والصحف. وفي أثناء قراءتي استوقفني موقفٌ غريب، فإحدى الشخصيّات الرئيسة تعيشُ في اسْطنبول زمن السلطان عبد الحميد الثاني، وتروي حدثاً عن مقابلتها لأحد الوزراء الإسرائيليين. كأنّ الكاتبة لا تعلم أنّ (إسرائيل) لم تكن قد وجدت -بعدُ- في ذلك الزمان. وهذا الخطأ أكبر من السابق، كوْن المؤلفة تكتب رواية تاريخية، ومعلوماتها في التاريخ ليست موْضع شكٍّ فحسب، بل يصعب أنْ نتصور من تبلغ به السذاجة حدّ الجهل بهذه الحقيقة المشهورة.
ولا أحسب فينا من يدّعي الحرص على كتابة الرواية كتابة صحيحة أكثر من الروائي. بيد أن بعض الروائيين يتعجَّلون. فهذه رواية فازتْ بجائزة المبدعات العربيات سنة 2000 وعنوانها 'أنثى العنكبوت' فيها من التشتت والانفلات في خيوط السرد ما يستطيع أن يلمحه كل من لديه حظ قليل من الدراية بهذا الفن. فالمؤلفة تروي على لسان البطلة أنّ حبيبها 'سعد' أوصلها بسيارته إلى بيتها، وهي تكاد تموت خوفاً من أن يراهما أحد، ثم فوجئتْ عند نزولها من السيارة، بأبيها القاسي يبصرُهما، وبدلا من أنْ تروي لنا ردود فعل الأب، التي يتوقعها القارئ، وهي أن يقوم بضربها ضرباً مبرّحا كعادته، تتلقى خبراً عن نقل شقيقها حمد من عمله نقلا تأديبياً. فتنسى الساردة ردود فعل الأب، وتواصل الحديث عن أسباب نقل 'حمد' وعن رجوعه مصحوباً بزوجته التي لم تنجب له أطفالا رغم تردّدهما على الأطباء مراراً.
ثم تنتقل -فجأة- للحديث عن الصفع، والركل، واللكم، الذي تجلى في ردود فعل الأب على ما رآه. لتعود مرة أخرى للزواج والإنجاب. وبذلك ُتدخِل حكاية بأخرى، وإحداهما تكاد تكون أجنبية عن الثانية. لذا تظلّ 'الحبكة' مضطربة أشدّ الاضطراب. فالأب يخاطب سعداً الذي جاء خاطبا 'أحلام' قائلا: 'ليس لدي فتيات للزواج. إنس الأمر. ولا تعدْ إلى هنا مرة أخرى وإلا طردتك'. ثم يقول له، بعيد ذلك: 'ابنتي زفافها الشهر القادم، اعتبرْ نفسك مدعوّاً منذ الآن'.
تهديدٌ بالطرد، ودعوة، كيف يستقيم هذا؟.
في 'أنثى العنكبوت' تروي الكاتبة الكثير من الحكايات، فثمة حكاية لبدرية، وحكاية لندى، وحكاية للأم، ورابعة لصباح، وخامسة لصالح، الذي توفي ابنه الصغير بالسرطان، وأخرى لحمد، الذي يتمنى أن يصبح أباً، ولزوجته أن تكون ولوداً. وحيثما ذكرت امرأة، فلا بد أن يكون لديها خمسة أطفال، لا ستة، ولا أربعة. ويجب على الساردة أنْ تروي مأساة المرأة حيثما ظهرتْ، ولو عابرة سبيل في أفق الحكاية الرئيسة، حتى تتخمَ الرواية، وتتحول إلى ما يشبه الألبوم الذي تتكدَّسُ فيه صورٌ لنساء ظلمهن الآباء، أو ظلمهن الأزواج، أو ظلمهن المجتمع. وذلك شيء بولغ به كثيراً حدّ الوقوع في الإحالة الفِجّة، التي تنافي مبدأ الانطلاق من مرجعيّات تحيلُ إلى واقع.
وهذه كاتبة أخرى تروي في 'خارج الجسد' على لسان البطلة، الساردة، ما تركه فيها ستيوارت من أثر خلال أسابيع قليلة من تعرّفها إليه، ولقائها به: 'أدخلني ستيوارت إلى عوالم الكتب والقراءة.. أدخلني إلى رحم المعرفة.. وثق علاقتي بنفسي.. وبمن حولي.. عرفت على يديه أكوينس، وبيكون، ومل، وديكارت، وكانت، وكونراد، وماركس، وموليير، وبلزاك، وسميث، وبيرغسون، وسيرفانتس، وتشيكوف، ودانتي، وسبينوزا، وفولتير، وولف، وفتزجرالد، وفرويد، وهيجل، وهيدجر، وكافكا، وتولستوي، ونيتشة'.
والواقع أن أحد النوابغ كتب في مذكراته يقول: إنه قضى سنوات عشراً في قراءة كتاب 'رأس المال' ولم يعرفه معرفة دقيقة، وكاملة، لكنّ بطلة الرواية استطاعت أن تكون في أسابيع موسوعة متحرّكة تضمّ كلَّ المعارف، بما فيها 'رأس المال' وغيره من مؤلفات ماركس، ألا يبدو هذا مضحكاً؟.
ورغم أن زينب فتحي كاتبة متمرسة في كتابة القصة القصيرة والرواية، إلا أنها هي الأخرى تقع في المنزلق نفسه، ففي روايتها 'ملامح' (2006) تروي على لسان 'حسين' زوج الساردة 'ثريا' أنّ يمنياً قطن بجوارهم في جدة عندما كان في الخامسwة عشرة من عمره، وهي تذكر في موقع سابق أنه في ذلك الحين كان في حي المنشية بمكة، وأنه كان يدير الدكان التي استولى عليها عمه بعيد وفاة أبيه.
وفي موقع تالٍ تذكر على لسانه أنه انتقل للإقامة في جدة بعد أن أتم الدراسة الثانوية، ولضيق ذات يده لم يتمكن من الالتحاق بالجامعة الخاصة التي ظهرت فيها، وهي جامعة الملك عبد العزيز، وكان عمره عند الانتقال إلى جدة ثمانية عشر عاماً، فتقدم لذلك بطلب لدائرة الجوازات، وعيّن في منصب مناسب لمؤهلاته المحدودة. وفي (ص 85) تذكر أنّ 'حسين' طلب من زوجته 'ثريا' الاتصال الهاتفي بمديره لمساعدتها في استقدام خادمة من مصر، ليكون ذلك وسيلة للتقرّب من المدير، مع أن المؤلفة أفهمتنا على لسان 'ثريا' في السابق أنها فوجئت بزيارة المدير لمنزلهما بصحبة زوجها حسين.
ومن المشكلات التي تطفو على سطح الحوادث في رواية 'سقر' لعائشة عبد العزيز الحشر ?من السعودية- أنها رغم نجاحها في جعل الحبكة الأساسية للقصة هي 'حب مها وعبدالله' ووقوف الأب الشيخ عبد الرحمن حاجزاً دون تحقيق الهدف، وعائقا دون تمرير المخطط السردي الذي أراداهُ، وهو الانتهاء بالنهاية السعيدة، على طريقة الأفلام الرومانتيكية: الزواج -تارة بمعاقبة الفتاة، عقابا بدنياً شديداً، أو عقابا معنوياً بالحبس، والمنع من الطعام، والشراب، لمُددٍ محدودة، وتارة بإكراهها على الزواج من آخر، لا تريده، هو 'محمد'، فتلجأ تجنّباً لهذا المصير للانتحار مرتين. وفي المرتين يجري إنقاذها في اللحظة الأخيرة. أقول: على الرغم من ذلك كله نجد الكاتبة تنسجُ مقابل هذه الحبكة واحدة أخرى تخفق فيها تماماً، فقد حدثتنا في الفصل الثالث من الرواية عن 'أسماء' التي كان عبد الله قد خطبها، ثم انفصل عنها قبل الزواج، محتجّاً بأنها لا تناسبه، فهي متدينة جداً، وهو ليس كذلك. وهذه إشارة -للأسف- أضحت النواة التي أقامت عليها عائشة عبد العزيز ذلك المخطط السردي الموازي، ليظل هذا المخطط ينتظر أنْ يتقاطع مع الحبكة الأساسية دون أن يتحقق من ذلك شيء.
فقد تكرر الحديث عن تديّن أسماء مراراً، وعن الأصوات التي تسمعها كلما خلت في الحجرة، وعن طرائق العلاج التي التجأ إليها ذووها؛ تارة إلى الطبيب النفسي، وطوراً إلى المشعوذين والسحرة والعشّابين. وبدلا من أن تتحسن صحياً تتراجع من سيئ إلى أسوأ. وتنعقد الحلقة السردية في ما يوهم أنه اكتمال للمخطط السردي الثاني في لقاءٍ يضمُّ أم مها، وأم أسماء، في بيت أحد العطارين.
والواقع أنَّ الكاتبة لو حذفت ما جاء عن أسماء كله في الفصل الثالث، والسادس، والثامن، والثالث عشر، والثامن عشر، واكتفت بالإشارة الواردة في الفصل الأول، لما تأثرت الرواية نقصاً أو زيادة، مما يؤكد أن جلَّ ما جاء عن أسماء مقحم على الحوادث إقحاما، ولا لزوم له، ولا ضرورة. هذا إلى جانب المزالق الأخرى التي انزلقت إليها الكاتبة عائشة عبد العزيز، ومن ذلك الاتصال الهاتفي الأول الذي جرى بعد تردد طال أمده، بين مها وعبد الله، فقد استمر أربع ساعات ونصفاً، وهذا يتناقض مع الشعور بالخوف، والحذر، والتردد الذي بالغت المؤلفة في تصويره. ثم إنَّ عبد الله يروي لها في تلك المكالمة سيرته الذاتية كاملة، وهذا لا يُتوقع من رجل يُهاتف فتاة للمرة الأولى. علاوة على أنه في ذلك الاتصال يحدثها عن الأغاني، وعن المطربين، وعن الشعراء، فهد العسكر وغيره، حتى ليحسب القارئ أنه أمام بائع أشرطة لا أمام عاشق. وهذه المسألة بولغ بها إلى حد الوقوع في الإحالة 'الفجة' التي تحول دون قبول القارئ بهذا.
وفي موقع من الفصل التاسع يطلب عبد الله من مها أن تكتب مقالات وتنشرها في الصحف ضد الواقع الفاسد الذي يتمثل في الذكور من الآباء والإخوة.. مع أنها ?أي المؤلفة- لم تخبرنا في السابق أنّ لديها موهبة، أو ميلا للكتابة. وعبد الله يصطحب مها بسيارته إلى منزله الذي يعيش فيه مع أبويه وإخوته. ولا يحسب حساباً لأحد، وكأنه لا يعيش في 'أبها' المحافظة، بل في لندن وباريس. ويقضي معها وقتا غير قصير (ست ساعات) ولا يقرع بابهما أحد، وذلك شيء غير متاح في وسط عائلي كثيراً ما يقتحمه زائرون، ولا سيما أريج -ابنة شقيق عبد الله- التي ذكرت المؤلفة عنها ما ذكرت من اقتحامها خلوته في أي وقت تشاء، وبلا استئذان.
أما الحدث العكسي الذي وقع لكل من مها وعبدالله، فلم يكن متوقعاً، فالشيخ عبد الرحمن لم تقل لنا المؤلفة في البدايات أنه ينتمي إلى قبيلة باذخة النسب، مما يجعل حجته في رفض عبد الله زوجاً لابنته حجة مفتعلة، وغير مقنعة. كذلك انقلاب الأب في نهاية الحكاية، وندمه، شيءٌ غير متوقع من رجل بولغ في وصف قسوته، وتحجّر فؤاده. كذلك الحادث المروع المفاجئ الذي جرى لعبد الله في نهاية الرواية لا يمثل إلا نهاية دراماتيكية مفتعلة، وغير ملائمة لتطور الحوادث، إلا إذا كنا لا نفرق بين الرواية وبعض المسلسلات أو الأفلام السينمائية التي تعتمد على نهاية مفاجئة تخالفُ توقُّعات المشاهد.
قد تبدو مثل هذه الهنات للقارئ العادي خفية، وغامضة، وقليلة الخطر على نسيج الرواية، لكنّ القارئ الحصيف، المتمكن، والناقد المجرب، لا يغفلُ عن مثل هذا، فدلالته واضحة، وهي أنّ المؤلف، أو المؤلفة، لا يحسن ممارسة الحبكة، وهي العمود الفقريُّ لهذا الفن.