الناقد السينمائي عدنان مدانات : تجربة النوادي السينمائية ساهمت في إثراء جماليات ورؤى الأفلام العربية

الناقد السينمائي عدنان مدانات : تجربة النوادي السينمائية ساهمت في إثراء جماليات ورؤى الأفلام العربية

ناجح حسن - يعتبر المخرج والباحث والناقد السينمائي عدنان مدانات (63) عاما من بين ابرز السينمائيين العرب القلائل الذين بشروا بميلاد السينما العربية الجديدة اواخر حقبة الستينات من القرن الماضي.
 وهو ايضا واحد من الاسماء النقدية التي استطاعت بخبرة وحرفية ان تقدم لصناع وعشاق السينما واصحاب المواهب والمهتمين بالثقافة السينمائية مفاهيم ورؤى جمالية وفكرية نابضة بحب السينما في اكثر من مقالة وكتاب بين التاليف والترجمة تنهل من مدارس وتيارات ونظريات السينما العالمية بعيدا عن تلك النظرة التقليدية لوظيفة ودور السينما في المجتمع.
اصدر مدانات ما يزيد عن عشرين مطبوعا اثرى فيها المكتبة السينمائية العربية وما زالت كثير من الاكاديمبيات والمعاهد السينمائية المتخصصة تدرس البعض منها لطلابها واستقبلها عشاق السينما بشغف وحفاوة حيث طبع البعض منها في اكثر من طبعة في كل من العواصم :عمان وبيروت ودمشق والقاهرة.
شارك مدانات في العديد من المهرجانات السينمائية العربية والدولية وفي عضوية لجانها التحكيمية وهو ما زال يكتب النقد السينمائي في الكثير من الصحف والدوريات العربية، ويرأس حاليا لجنة السينما في مؤسسة عبد الحميد شومان.
*ماذا عن العوامل التي قادتك الى الذهاب الى موسكو لدراسة الفن السابع تحديدا وانت ابن مدينة الكرك التي تبدو غريبة عن المشهد السينمائي؟
لا ابدا في فترة طفولتي كنت عاشقا للسينما، وهذا عائد الى نشاتي في مدينة الزرقاء، فقد كانت هناك صالة سينما في جوار العائلة وكنا ندخلها بالمجان وغالبية افلامها من نوعية المغامرات والاكشن وافلام الغرب الاميركي حيث اسرتني مغامرات سابو الذي كنا نتابع مغامراته بشغف وشوق،  وعلى مقربة من هذه السينما كانت صالة سينما النصر الواقعة في مدخل المدينة حيث اتاحت لي فرصة مشاهدة افلام متنوعة.
اضافة الى صالة سينما النصر التي لا شك كانت عشقي الاول للسينما كان هناك تقليد متبع في متاجر الزرقاء يتمثل في بيع مقاطع من الافلام بمبلغ زهيد وباسلوبية اعتدنا ان نضع هذه الصور داخل دفتر مخصص له فتحات ونحركها ليبدو لنا ان ثمة صور متحركة على شريط، وهي اشبه بهواية جمع الطوابع هذه الايام، وذات يوم عرضت هذا الدفتر على قاطع التذاكر صالة النصر الذي كان اول من تنبأ لي بمستقبل في  الفن السينمائي.
وايضا ارتبطت بصداقة فتى في الحي الذي كنت اقطن فيه وكان شخص ذكي وشديد التعلق بالسينما خصوصا انه يمتلك اكثر من فكرة حول السينما وتقنياتها البدائية واقترح ان نعرض هذه المقاطع بواسطة العتمة والضؤ وبعد عثورنا على مكان ملائم لخندق تمكنا من وضع كارتونة بيضاء وعكسنا بواسطة المرايا الضؤ على مجموعة من الصور وكان ما يشبه العرض السينمائي رغم عدم وجود الكهرباء او اجهزة عرض المعقدة ،هذا الامر ارتكز على جهود مجموعة من الفتيان في تعاون مشترك في سبيل العثور على لحظات من الترفيه بجهود ذاتية كما ان اقترابي من اطراف في الوسط الثقافي حيث شقيقي الاكبر على قدر من الثقافة والاهتمام وهناك مجموعة من الاصدقاء من بينهم المرحوم تيسير سبول غالبا ما كنت استمع الى سجالاتهم وحواراتهم ونقاشهم حول الافلام وهذا على الاغلب هو ما غرس لدي حب السينما كحقل معرفي وليس الترفيه فقط .
*كيف يمكن ان تصف لنا اجواء الحراك السينمائي التي كانت تعيشه السينما العربية بعد عودتك واقرانك من السينمائيين العرب من الدراسة في الخارج .. حيث بشر جيلكم بميلاد سينما عربية مغايرة للسائد اطلقتم عليها السينما البديلة او الجديدة؟.
دعني اوضح بداية ان اغلبية مخرجي السينما العربية في بداياتها الاولى، والتي هي باغلبيتها مصرية جاءت من قبل مخرجين لم يدرسوا السينما اصلا بل تعلموا هذا الفن بالهواية والممارسة أوعن طريق متابعة الكتب المتخصصة، لكن في اواسط الستينات من القرن الفائت عادت مجموعات من المخرجين العرب سواء من مصر او من ارجاء الدول العربية، بدءا من رواد السينما المغاربية ابراهيم باباي وعمار خليفي في تونس وسهيل بن بركة وحميد بناني في المغرب ومحمد الخضر حامينا واحمد راشدي في الجزائر وصلاح دهني في سوريا ومرورا برهان علوية في لبنان وميشيل خليفي في فلسطين وخيري بشارة في مصر وانتهاء بالكويتي خالد الصديق من الهند، وجميعهم درسوا السينما في ارجاء العالم وعلى الخصوص في اكاديميات فرنسية واوروبية مثل بولندا وبلجيكا وسواهما كثير.
عودة هؤلاء مكنتهم من تطعيم السينما العربية بافلام جديدة مغايرة لما اعتاد عليه المتلقي فقد عملت بلدان عربية على انشاء القطاع العام للنهوض بالفن السينمائي مثلما كان في مصر وسوريا والعراق وتونس وليبيا قبل ان يتوقف هذا القطاع اليوم إلا ما ندر حيث شجع مخرجين دارسين على خوض غمار السينما دون اكتراث لمشكلة التمويل أو في البحث عن جهات تدعم إنتاجهم والمعلوم إن القطاع العام لم يكن يتعامل مع السينما كمشروع اقتصادي ربحي بقدر ما هو رافد ثقافي إبداعي وكان لانتشار أفلام القطاع ابتعاد السينما العربية التقليدية عن الواقع في ظروف عصيبة كانت تشهدها المنطقة العربية كأعقاب هزيمة حزيران العام 1967 واعتبر السينمائيون الجدد في تلك الحقبة إن دورهم في التعبير قد جاء وقته وتبدى نتاجهم بشكل واضح عقب إقامة مهرجان سينمائي أطلق عليه مسمى مهرجان السينما العربية الشابة تحت عنوان السينما العربية البديلة العام 1972 ومن خلاله جرى التعريف بقدرات أفلام هذا الجيل وتكرست أسماء الكثير منهم إلى هذه الفترة كمخرجين لامعين داخل وخارج بلدانهم.
*برأيك لماذا هذا النوع من الأفلام الذي جاء ثمرة نتاج لتلك النظريات والتيارات السينمائية اصطدم مع أحكام وقواعد السوق السينمائية وبات لا يعرض إلا في المناسبات والمهرجانات الموسمية فقط؟
لا شك في ذلك، انه بعد سنوات من انطلاقة السينما البديلة زادت كثيرا الأفلام التي تحكي عن الواقع، لكن ما حصل نتيجة لاضمحلال أو توقف عمل القطاع العام حين فقد السينمائيون العرب السند الذين طالما اتكاوا عليه ودرسوا محاولات البحث عن صيغ جديدة وكانت نتيجتها إن توزع هؤلاء السينمائيون بين بلدانهم وبلدان المهجر ومنهم من اثر التوجه الى العمل ضمن السينما الاوروبية واخذ كل واحد فيه يبحث عن طريقه او مشروعه السينمائي الخاص الامر الذي جعل اجزاء من المشهد السينمائي العربي بلا ملامح او هوية.
*ارى في هذه الحالة انك تقف ضد مسألة التمويل الاجنبي للأفلام العربية رغم ما قدم خلاله من تسهيلات لكثير من المخرجين العرب من انجازات متنوعة ؟
باختصار اقول ان التمويل الاجنبي هو شر لا بديل عنه اليوم للسينما العربية الجديدة بعد ما آل اليه مصير القطاع العام، لكن هذا الخيار الصعب له محاذير واستحقاقات فمن المعلوم ان التمويل الاجنبي ليس بالامر الهين او المتاح لهذا السينمائي العربي او ذاك فغالبا ما يشترط الممول على المخرج بان يقبل جملة من الاضافات او التعابير التي لا يحبذها المخرج ولكنه رضوخا لشروط الممول يقف عاجزا عن التعبير عن ارادته او رغبته في خطاب العمل الفكري والجمالي لارتباطه باحكام العرض والتوزيع والطلب.
*وماذا عن غياب السينما الاردنية الذي امتد لفترة طويلة قبل ان تطل علينا بعض الانجازات الفردية اللافتة العام الماضي؟.
 ظلت السينما شبه غائبة عن المشهد الثقافي المحلي لعوامل كثيرة، لانها تحتاج الى بنية تحتية معززة باجهزة ومعدات غالية التكاليف، كما انها عانت من غياب أي دعم او مساندة من ناحية التمويل او التهيئة لبيئة تمكنها من البحث عن قدرات سينمائية في حقول الاخراج والتقنيات او في حقل وجود امكانيات انتاجية لمؤسسات او افراد ينهضوا باصحاب الطاقات التي تتطلع الى خوض العمل السينمائي.
*كما تعلم ان الاردن شهد حركة فاعلة في حقل الثقافة السينمائية عبر السنوات الماضية مثل اصدار ادبيات النقد السينمائي ووجود اكثر من تجربة لنوادي السينما .. كيف تقيم هذا النوع من النشاط السينمائي، خاصة وانت ترأس اليوم لجنة للسينما في مؤسسة عبد الحميد شومان ؟.
تجربة النوادي السينمائية في الوطن العربي عموما مؤثرة وعميقة ومن خلالها ظهر مخرجون عرب متميزون يحملون قدرا لا باس به من حب السينما وبالتالي صنعو افلاما جديرة بالاعجاب وهو ما قدمته طاقات ابداعية في المغرب العربي حيث حركة النوادي السينمائية هناك اشبه بجامعة وافضل مثال اسوقه تجربة المخرج التونسي رضا الباهي الذي جاء الى السينما كواحد من منشطي النوادي السينمائية.
من الصعب ان اقول ان لجنة السينما في شومان التي انطلقت في عمان منذ العام 1989 منذ عقدين من الزمان هي ناد للسينما لان شروط النادي مغلقة على عضوية لافراد ويجري بينهم انتخابات لانتخاب اعضاء مجلس ادارة النادي، بيد انها هنا غير ذلك تماما فهي متاحة للجميع لتتخذ من مبدأ التعريف بالنماذج الهامة من الاعمال السينمائية في مختلف انحاء العالم نهجا لها بعرض قديمها وحديثها, بما يضمن للمشاهد التعرف على المراحل المختلفة من السينما ونحرص دوما على  عرض افلام مختلفة عن افلام الصالات المحلية ذات سوية فكرية وجمالية رفيعة المضمون, حيث يجري عرضها بشكل دوري اسبوعيا او من خلال اقامة الاسابيع السينمائية بالتعاون مع مراكز ثقافية محلية او اجنبية .
* وماذا عن تأثير تأسيس الهيئة الملكية الاردنية للافلام في الحراك السينمائي المحلي الذي بدأت ملامحه تطغى على المشهد الثقافي؟
باعتقادي ان الهيئة الملكية الاردنية للافلام لديها قانون طموح يلبي الكثير من رغبات وتطلعات وامال  السينمائيين الاردنيين، لكن ما زال هناك شوط طويل امامها لتحقق بيئة ملائمة لصناعة الافلام بعد ان نجحت الى حد ما في التعريف بمواهب وطاقات شابة قدمت لهم فرصة الانضمام بدورات وورش عمل متخصصة، لكن النهوض بالفن السينمائي يحتاج بالدرجة الاولى الى امكانيات تمويلية، بغية اطلاق عجلة انتاج منتظمة.
* مع تنامي أعداد القنوات التلفزيونية العربية ، ما هو الدور الذي يجب ان تضطلع به في زيادة عجلة صناعة الافلام خصوصا وان من بين تلك المحطات اخذ يستقطب الكثير من جهود المخرجين الشباب في مجال صناعة الافلام التسجيلية ؟
ارى ان الدور الذي تقوم قنوات التلفزيون العربية، ليس بالمامول أو المرتجى منها لو قارنا ذلك مع قنوات تلفزيونية اوروبية او عالمية لوجدنا ما يثير الدهشة والاعجاب،ففي اوروبا لتلفزيون اخذ دوره الحقيقي وغدا منتجا لكثير من الافلام بشقيها لروائي والتسجيلي.
فالعديد من الطاقات السينمائية المبدعة كانت بفعل تلك القنوات التلفزيونية فضلا عن قيام تلك القنوات بمهمة ترسيخ تجارب لمخرجين شباب الذين غدت افلامهم التي انجزت في تعاون مع تلك القنوات الاوروبية من بين علامات السينما بالعالم استطيع ان اذكر بافلام الالماني راينر فاسبندر والايطالي فيدريكو فيلليني ومثلهما السويدي انجمار برجمان واليوم هناك قنوات فرنسية والمانية وايطالية ما زالت تعطي الفرص لمخرجدين شباب من سائر الثقافات العالمية وتساهم بتحقيق وتسويق انجازاتهم وهو ما اشتغل عليه كثير من المخرجين العرب في افلامهم الجديدة.  
اتمنى ان تلفت القنوات العربية الى اهمية وضرورة النهوض بالافلام السينمائية سواء الروائية او التسجيلية او التجريبية لانها بذلك تكون ادت وظيفتها السمعية والبصرية على نحو ابداعي راق وجميل وحضاري.