الظلم المبين في عبارة أو قاعدة القانون لا يحمي المغفلين

الظلم المبين في عبارة أو قاعدة القانون لا يحمي المغفلين

المحامي خليل البنا - سبق وان وعدت قراء الرأي الغراء بتناول بعض القواعد الفقهية التي أصبحت مع الزمن من المسلمات، وحان الوقت لإعادة النظر في مضمونها وفحواها بعد تفنيدها وضبط إيقاعها بما يتناسب وروح العصر والمصلحة وعدم التردد بإلغائها إذا لزم الأمر حال توفر القناعة والاستجابة. وها أنذا أعود للحديث عن قاعدة أو عبارة أصبحت على كل شفة ولسان. بل يستدل بها ويستشهد في معرض التباهي والتذاكي والاستهزاء بالآخرين والانتقاص منهم، واتهامهم بالسذاجة والغفلة وهم منها براء، مرددين على الأسماع في كل مناسبة (القانون لا يحمي المغفلين) وحيث للأعراف والعادات والتقاليد البالية فعل السحر على الكثيرين حتى وان جانبها الصواب وافتقرت إلى الصحة والدقة، فعمق التفكير والاحتكام إلى العقل والغوص في المرامي والمعاني والأبعاد ومن ثم إدراكها والاحاطة بها له الأولوية لكي يتجنب الإنسان الوقوع في الخطأ والزلل والمثالب والسير على غير هدى (مثل الذين لا يقومون الا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس) كما جاء في الآية 275 من سورة البقرة.
وفي الحياة والعلاقات الإنسانية أمثلة كثيرة نعايشها والكثيرون يمرون عليها مرور الكرام ظنا منهم بان الأمر لا يعنيهم، حيث درج الناس عليها وأصبحوا في حكم عباد النصوص والتابعين والمنقادين لها دون إعمال عقل أو رغبة بالتغيير أو قدرة على الخروج من اسارها (فالعادة محكمة عامة أو خاصة إذا اطردت أو غلبت والعبرة للغالب الشائع لا النادر وتترك الحقيقة بدلالة العادة، والممتنع عادة كالممتنع حقيقة) وفق ما جاء بالقاعدة الفقهية.
ولله در المتنبي في قوله (ذو العقل يشقى في النعيم بعقله، وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم) وفي هذه الحالة تضيع الحقيقة أمام الطوفان الهادر من التقاليد والأعراف التي ليس لها سند في المعقول المنقول والمنطق وليس لها أساس متين في المصلحة والدين( وللإنسان من دهره ما تعودا) كما يقول الشاعر، أقول ذلك وفيما نقول أو نردد أو نعتقد أو نتصور أو نظن أخطاء وخطايا فادحة تحتاج إلى غربلة وإعادة نظر (إذ ليس كل ما يلمع ذهبا) ولكن بعض الطبائع الإنسانية تركن إلى التقليد والمحاكاة والمجاراة دون قناعه أو إيمان في اغلب الأحيان فقاعدة أو عبارة (القانون لا يحمي المغفلين) بحاجة ماسة إلى وضعها تحت مجهر التحليل والتعليل والتفسير، لكي لا تبقى  على علاتها ومنطوقها حقيقة لا يأتيها الباطل ـ إذ ليس في الوجود من حقيقة مطلقة الا الله سبحانه وتعالى وما دون ذلك فهو خاضع للنقد والنقض والرفض وكل شيء خارج عن نطاق الطبيعة السرمدية اللانهائية والأبدية هو نتاج العقل البشري والعقل في تغير مستمر وتطور يومي، ويأتي كل يوم بجديد ومن الأهمية بمكان أن يخضع القوانين والأنظمة للتطوير والتحديث والتجديد لكي لا تصبح صنماً يعبد وتقدم لها القرابين، ولكي نصل إلى صلب الموضوع وكنهه لا بد من العروج على المصطلحات والمفردات والتعريفات التي لها علاقة بعنوان هذا المقال والنصوص القانونية والفقهية الوضعية التي لها صلة مباشرة مع أبعاده ومراميه.
تعريفات لا بد منها
من هو المغفل لغوياً/ هو من لا فطنة له وبه قدر من الغباء وفي المعجم الوسيط غفل عن الشيء غفولاً وغفله سها من قلة التحفظ والتيقظ وهو وراثي في الأغلب الأعم.
من هو ذو الغفلة شرعياً / هو الذي لا يهتدي إلى التصرفات الرابحة فيغبن في المعاوضات لسهولة خدعه، وقد يعبر عنه بالضعيف وهو يتشابه مع السفيه في تصرفاته من حيث فساد الرأي وسوء التدبير فغباؤه كان هو السبب في سوء تدبيره وفساد تقديره.
من هو ذو الغفلة علمياً/ هو حالة من توقف النمو أو عدم اكتمال النمو العقلي يولد بها الطفل أو يحدث في سن مبكرة نتيجة لعوامل وراثية أو جينية أو بيئية مرضية يصعب الشفاء منها وتؤدي إلى قصور في الإدراك وعجزاً عن مواءمة نفسه مع مستوى الأفراد العاديين.
من هو السفيه/ هو الذي لا يحسن القيام على شؤون ماله وتدبيره وينفق في غير موقع الإنفاق
وفي الآية (5) من سورة النساء قوله تبارك وتعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولاً معروفاً) فدلت هذه الآية أن السفيه لا يسلم إليه ماله وانه فقط يرزق ويكسى منه.
وموضع الحجر على السفيه وذي الغفلة هو التصرفات المالية الخاصة أما ما عداها فهم كالرشداء الا ما يمس جانب المال المحجور عليه.
الجنون/ مرض يمنع العقل من إدراك الأمور على وجهها الصحيح ويصحبه اضطراب وهياج... وهو إما أن يكون مطبق أي كل الوقت أو غير مطبق أي في أحيان مختلفة.
العته/ مرض يمنع العقل من إدراك الأمور إدراكا صحيحاً بسبب خلل في القدرات العقلية وتمييز الاشياء.
وعلى هذه الفئات كما ذكرت كتب الفقه والقانون يتم الحجر الشرعي ومعناه (منع التصرف القولي أي أن العقود لا تنشأ نافذة تترتب عليها أحكامها التي رتبها الشارع وسبب الحجر ضعف في تقدير المحجور عليه أما لسفه وغفلة أو لصبا (صغر السن) أو عته أو جنون كما ورد في كتاب الأحوال الشخصية للامام محمد أبو زهرة.
1- الصغير (الصبي) 2ـ المجنون والمعتوه 3ـ السفيه وذو الغفلة 4 ـ المدين
ولقد جاء في شرح القانون المدني للمرحوم فتحي زغلول باشا ما نصه (المولود يولد فاقد الأهلية ويبقى كذلك إلى أن يبلغ سن التمييز ثم يدخل في دور جديد هو دور التمييز الا أن عقله وملكاته لا يزالان غضين فلا يقوى على تقدير الأفعال التي تصدر عنه أو يتعمد فعلها تقديراً صحيحاً، ثم هو لا يصل إلى هذه المرتبة الا بعد أن تنضج قوته العاقلة ويكون له بعض الخبرة حتى يؤمن على إدارة أمواله بنفسه ومعلوم أن بلوغ هذه المرتبة لا يتم للجميع بصورة واحدة، ولا في زمن واحد بل هم يختلفون في ذلك اختلافاً كبيراً، الا أن منافع الناس وضرورة الأمن في المعاملات والحاجة إلى وضع حد تنتهي إلى حال الإنسان ويخرج ببلوغه من دور التردد إلى دور العمل، كل ذلك قضى بتقدير الزمن الذي يخلص فيه كل واحد من ذلك الحجر وتتم له الأهلية والشرائع مختلفة في تقدير هذا الزمن)
ما جاء في النصوص القانونية
اشتملت القوانين الأردنية الشرعية والمدنية على كثير من النصوص التي تتحدث عن الأهلية والتميز وعلى المحجور عليهم بسبب صغر السن أو العته أو السفه أو الغفلة وهي بالتالي تؤكد على أن هذه الفئات وغيرها من الأطفال والأحداث المنحرفين والمشردين وذوي الاحتياجات الخاصة (المعوقين) من الأصحاء والأسوياء و أو المسنين والأيتام و أو المرضى النفسيين أو العقليين وغيرهم يجدون الاهتمام والحماية والرعاية اللازمة من الدولة الأردنية على مختلف الصعد، ومن غير الممكن في المطلق أن تجد فئة أو شريحة لا توجه لها العناية من الوزارات والدوائر والأجهزة المعنية وكل ذلك بنص قانوني أو نظام، ودائرة الخدمات المقدمة في اتساع وتوسع مستمرين، والدستور الأردني باعتباره المرجعية الأولى والأعلى للدولة يحتوي من النصوص ما يؤكد على هذه الحماية والمحافظة على الحقوق اللصيقة بالإنسان والتي كفلها لهم دون أن يستثني أي فرد اوفئة (التعليم، العمل، المرأة، الطفل، الأحزاب، الجمعيات، النقابات، الاجتماعات، الإعلام وغيرها) وقد فصل بين السلطات لتعمل كل منها في ميدانها الخاص ولا تلتقي الا عند سيد البلاد رأس السلطات الثلاث (التنفيذية والتشريعية والقضائية) والأمة مصدر السلطات.
والسؤال/ كيف لا يحمي القانون المغفلين وهم الأجدر بالحماية والأحق بها لخلل في تكوينهم الجسدي وأو النفسي وأو العقلي وقصور في إدراكهم أو أدائهم ليس لهم  يد فيه، وربما ورثوه أو أصيبوا به بعد ذلك، وكيف لا يحميهم من أطماع الطامعين، واحتيال المحتالين ومن الأضرار والتغرير والتدليس والشعوذة والاستغلال والابتزاز وكيف تؤدي الدولة ممثلة بمؤسساتها الدفاعية والأمنية والتربوية والصحية والاجتماعية وغيرها إذا لم يجد هؤلاء من يحميهم ويذود عنهم من كل طارىء أو مكروه ويأخذ بأيديهم بعيداً عن ذوي النوايا السيئة والمجرمين والمستغلين وأصحاب السوابق ممن لا يرعون لله الا ولا ذمة، ومن يحمي القانون يا ترى إذا لم يوجه الحماية اللازمة والمطلوبة لهؤلاء؟ وهل يستسيغ أحد أو يبرر الإساءة والإيذاء و/أو العنف و/أو التهديد لطفل بريء و/أو لامرأة مصون و/أو لضرير ومقعد وارتكاب الأفعال المنافية للآداب العامة والأخلاق وللدين والقانون، وحيث تقف الدولة ممثلة بسلطاتها القضائية وبأجهزتها الأمنية بالمرصاد لكل من تسول له نفسه العبث بأرواح الآخرين وممتلكاتهم وحقوقهم والسهر على راحتهم ليناموا مطمئنين قريري العيون لا يعكر صفو حياتهم أي عابث أو مجرم أو أي معتد أثيم و/أو ارهابي لعين و/أو محتال لئيم وتنشر الأمن والأمان في ربوع الوطن وبين أهله، وتعاقب حتى على الذم والتحقير والتشهير وتلويث السمعة والغش والاعتداء على أملاك الناس ومصالحهم وصدق الرسول الكريم بقوله(من بات أمناً في سربه وعنده قوت يومه فقد حيزت  له الدنيا بحذافيرها) وكانت دعوة إبراهيم عليه السلام كما وردت في كتاب الله العزيز في الآية (126) من سورة البقرة (رب اجعل هذا بلداً أمنا وارزق أهله من الثمرات من أمن منهم بالله واليوم الأخر) فالحماية لكل مواطن مهما كان ومن أي فئة أو شريحة أو مكان ولكل مرفق عام أو خاص وحماية الوطن بادئ ذي بدء هو فوق كل اعتبار.
ففي المادة (43) من القانون المدني الأردني ما نصه (1- كل شخص يبلغ سن الرشد متمتعاً بقواه العقلية ولم يحجر عليه يكون كامل الأهلية لمباشرة حقوقه المدنية 2- وسن الرشد هي ثماني عشرة سنة شمسية كاملة) والمادة (44) من القانون تنص (1- لا يكون أهلا لمباشرة حقوقه المدنية من كان فاقداً التمييز لصغر في السن أو عته أو جنون 2- وكل من لم يبلغ السابعة يعتبر فاقداً للتمييز)
وفي المادة (45) ما نصه (كل من بلغ سن التمييز ولم يبلغ سن الرشد وكل من بلغ سن الرشد وكان سفيهاً أو ذا غفلة يكون ناقص الأهلية وفقاً لما يقرره القانون)
وهذه النصوص من القانون صريحة العبارة والدلالة في حق الدولة للتدخل في الفئات التي تحول عدم أهليتها لممارسة حقوقها المدنية كاملة وهذه بحد ذاتها حماية لهم من الاستغلال والاحتيال وسوء التصرف منهم وقد سبق وتم الشرح المسهب عن الصغر والسفه والغفلة والجنون ولا مندوح من القول بأنهم لا يتركون نهب الواقع المعيش بل أن هناك من الوسائل والأساليب القانونية والاجتماعية كالحجر والنزع من البيئة الأصلية إلى بيئة اخرى (الرعاية المؤسسية أو الأسر البديلة) لتؤكد على دور الدولة في الحماية والرعاية المطلوبة.
وقد ورد في المادة (46) من القانون الآنف الذكر (يخضع فاقدو الأهلية وناقصوها بحسب الأحوال في أحكام الولاية أو الوصاية أو القوامة للشروط ووفقاً للقواعد المقررة في القانون)
وفي المادة (127) (1- الصغير والمجنون والمعتوه محجورون لذاتهم 2- والسفيه وذو الغفلة فتحجر عليهم المحكمة وترفع الحجر عنهما وفقاً للقواعد والإجراءات المقررة في القانون)
وفي المادة (129) (يسري على تصرفات المحجور أو السفيه ما يسري على تصرفات الصبي المميز من أحكام ولكن ولي السفيه المحكمة أو من تعينه للوصاية عليه وليس لأبيه أو جده أو وصيهما حق الولاية عليه) وثمة فان من حق الدولة التدخل المباشر عن طريق المحكمة بما فيه صلاح الشخص المحجور عليه لأنها الأقدر على حسن الاختيار لما فيه منفعته ولا يترك مثل هؤلاء نهباً للظروف أو الإساءة المحدقة بهم
وقد ورد في المادة (21) من قانون الأحداث رقم (24) لسنة1968 المعدل بالقانون رقم (52) لسنة 2002 ما نصه (لا عقاب على الولد من اجل الأفعال التي يقترفها ـ  والولد من أتم السابعة من عمره ولم يتم الثامنة عشرةـ (الا انه تفرض عليه تدابير الحماية من قبل المحكمة) كالتالي :(تسليمه إلى احد والديه أو وليه الشرعي و/أو تسليمه إلى احد أفراد أسرته و/او تسليمه إلى غير ذويه) وللقاضي أن يضع الولد تحت إشراف مراقب السلوك مدة لا تقل عن سنة ولا تزيد على خمس سنوات)
وهذه النصوص هي غيض من فيض من القوانين التي تحمي وتراقب وتعالج وتسد الذرائع وتدرأ عن الشخص و/أو الأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية ورعاية ما يؤكد أنها لا تتركهم أو تتخلى عنهم ومنها على سبيل المثال وليس الحصر ما ورد في المادة (8) من قانون الأحوال الشخصية الأردني رقم (61) لسنة 1976 وتعديلاته والتي تنص (للقاضي أن يأذن بزواج من به حنون أو عته إذا ثبت بتقرير طبي أن في زواجه مصلحة له) وهذا يعني أن للدولة حق الولاية مثلما لها حق السيادة والحماية  فالسلطان ولي من لا ولي له كما جاء في الأثر وجاء في المادة (6) بند(1) من الدستور الأردني وهو المرجعية القانونية الأعلى مرتبة في الدولة ما نصه (الأردنيون أمام القانون سواء، لا تمييز بينهم في الحقوق والواجبات وان اختلفوا في العرق أو اللغة أو الدين) ولا أدل على أن للدولة حق الحماية والرعاية ما ورد في المادة (31) من قانون الأحداث والتي تنص على ما يلي (يعتبر محتاجاً إلى الحماية والرعاية من تنطبق عليه أي من الحالات التالية:
1- كان تحت عناية والد أو وصي غير لائق للعناية به لاعتياده الإجرام أو إدمانه السكر أو إدمانه المواد المخدرة والمؤثرات العقلية وانحلاله الخلقي .
2- قام بأعمال تتعلق بالدعارة أو الفسق أو فساد الخلق أو القمار أو خدمة من يقومون بهذه الأعمال أو خالط الذين اشتهر عنهم سوء السيرة.
3- لم يكن له محلاً أو مستقراً أو كان ببيت عادة في الطرقات (أي متشرداً)
4- لم يكن له وسيلة مشروعة للتعيش أو عائل مؤتمن وكان والداه أو أحداهما متوفين أو مسجونين أو غائبين.
5- كان سيئ السلوك وخارج من سلطه أبيه أو وليه أو وصيه أو أمه أو كان الوالي متوفي أو غائبا أو عدم الأهلية.
6- كان يستجدي ولو تستر على ذلك بأي وسيلة من الوسائل.
    7  - كان ابنا شرعيا أو غير شرعي لوالد سبق له أن أدين بارتكاب جرم مخل بالآداب مع أي من أبنائه سواء كانوا شرعيين أو غير شرعيين.
8- تعرض لإيذاء مقصود من احد والديه أو زوجه تجاوزت ضروب التأديب التي يبيحها القانون والعرف العام.
9- كان معرض لخطر جسيم إذا بقي في أسرته.
10- استغل بأعمال التسول أو بأعمال تتصل بالدعارة أو الفسق أو إفسادا لخلق أو خدمة من يقومون بهذه الأعمال أو في أعمال غير مشروعة.
وأشارت المادة (32) من القانون إلى انه (يجوز لمراقب السلوك أن يقدم لمحكمة الأحداث أي محتاج للحماية والرعاية كما وله أن يستعين بأحد أفراد الضابطة العدلية لتأمين مثوله أمام المحكمة ويحق لها إصدار القرار في الاحتفاظ به في إحدى دور الرعاية لحين البت في الدعوى إذا اقتضت مصلحته ذلك)
وفي هذه النصوص والنصوص الأخرى في القانون ما يثبت بما لا يدع مجالا للشك أن للدولة ممثلة بأجهزتها التنفيذية والفضائية الحق في المتابعة والمراقبة وإصدار الأحكام التي فيها الصلاح والتهذيب والتربية القويمة والتنشئة السليمة وحتى انتزاع الأحداث من أسرهم وذويهم إذا كانت أوضاعهم وحالاتهم المعيشية والحياتية تحول دون تنشئتهم وتربيتهم وتستدعي ذلك والحدث كما وردفي القانون (كل شخص أتم السابعة من عمره ولم يتم الثامنة عشرة ذكراً كان أم أنثى) وهي مرحلة عمرية تعنى الحداثة أي الصغر ولا تعني هذه الكلمة (الحدث) في المطلق(الشخص المنحرف).
لا حماية للمجرمين في القوانين.
ولكي تتضح الصورة أكثر ولا تختلط الأمور فانه من الأهمية بمكان الفصل التام بين من اصطلح على نعتهم (بالمغفلين) على إطلاقها وهم غير المدركين لكنه أعمالهم وتصرفاتهم وقد أشير إليهم فيما ذكر أنفا وبين المجرمين الذين استمرأوا  الولوغ في المال الحرام والدم الحرام نهبا وسرقة وقتلاً واغتصاباً وهتكا للأعراض وسفكا للدماء بعمليات إرهابية لا يقرها عقل ولا دين مما يستوجب القصاص العادل مصداقاً لقوله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه في الآية (79) من سورة البقرة (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب) حيث لا بد لهؤلاء ومن على شاكلتهم من عتاة المجرمين والمنحرفين الخارجين على القانون وعلى قيم ومبادئ وقواعد المجتمع من الشدة والعقاب الرادع ليطمئن الآخرون على أرواحهم وحياتهم وأحوالهم وأموالهم وأعراضهم، أمام هذه الفئة الضالة الذين ينشرون المساوئ والمثالب ويعبثون بالأمن ويعيثون فساداً في كل مكان، وحيث الحقيقة الناصعة التي لا مراء فيها انه لولا إحقاق الحق بالقصاص والردع والعقاب لعاد المجتمع إلى شريعة الغاب والى زمن المخلب والناب واخذ كل إنسان حقه وما يخصه أو ما يظن انه حقه بيده وقوته وعنجهيته وهيلمانه وسطوته وعشيرته ورجعت حروب دامس والغبراء أو البسوس وفي هذه الحال لا يستقيم الوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي ولا تقوم للامة قائمة.
نعم للدولة الحق كل الحق أن تطبق قانون العقوبات وأي قانون له ارتباط وثيق بالإجرام والجرائم على اختلاف أشكالها وأنواعها إذا كانت على أيدي أولئك العتاه الذين لا يرمش لهم جفن فيما يرتكبون أو يفعلون وصدق الله العظيم بقوله الكريم في الآية (85) من سورة الأعراف (ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها) وقوله عز من قائل في الآية (33) من سورة الإسراء (ولا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق) وفي الذكر الحكيم الكثير الكثير من الآيات المحكمات التي تهدي إلى الحق والى سواء السبيل، والأردن دولة عربية ذات سيادة دينها الإسلام وتستمد منه التشريعات والقوانين التي فيها الخير العميم والمصلحة للجميع.
ففي المادة (85) من قانون العقوبات رقم (16) لسنة 1960 وتعديلاته ورد النص التالي ( لا يعتبر جهل القانون عذراً لمن يرتكب أي جرم) لكي لا يستسيغ البعض أو يستمرئ أي فعل جرمي متعللاً بالجهل وعدم المعرفة أو ادعائها خاصة من كاملي الأهلية وليسوا المغفلين أو المحجور عليهم أو فاقدي عقولهم، لان الجهل والتجاهل لا يعفي من تحمل التبعات المترتبة عليه إذا كان مع سبق الإصرار والتعمد والترصد والتكرار وتوفر القدرة العقلية فكل إنسان بما كسب رهين (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) كما ورد في الآية (13) من سورة الإسراء، وتعني أن الإنسان يتحمل نتائج أعماله وأفعاله خيرة كانت أم شريرة وهو مسؤول مسؤولية كاملة عما يفعل ويرتكب ولا يعفى من هذه المسؤولية وعليه أن يتحمل النتيجة ولا يلقي باللائمة على الآخرين فالله سبحانه وتعالى يقول عز من قائل في الآية (43) من السورة (ولا يحيق المكر السيئ الا بأهله)
وفي المادة (256) من القانون المدني ما نصه(كل إضرار بالغير يلزم فاعله ولو غير مميز بضمان الضرر) وفي المادة (259) من القانون(إذا غر احد أخر ضمن الضرر المترتب على ذلك الضرر) وفي المادة (270) (يقع باطلاً كل شرط يقضي بالإعفاء من المسؤولية المترتبة من العمل الضار) والضرر يوجب الجبر والتعويض فكيف بالجرائم وما يقع ضمن دائرتها (وتكون الجريمة جناية أو جنحة أو مخالفة حسبما يعاقب عليها بعقوبة جنائية أو جنحية أو مخالفة) كما جاء في المادة (55) من قانون العقوبات.(ولا يقضي باي عقوبة لم ينص القانون عليها حين اقتراف الجريمة وتعتبر الجريمة تامه إذا تمت أفعال تنفيذها دون النظر إلى وقت حصول النتيجة) كما تنص عليه المادة (3) من القانون والمواد16،15،14، من القانون نصت على العقوبات بصورة عامة وهي (العقوبات الجنائية 1- الإعدام 2- الأشغال الشاقة المؤبدة 3- الاعتقال المؤبد 4- الأشغال الشاقة المؤقتة 5- الاعتقال المؤقت) (العقوبات الجنحية 1- الحبس 2- الغرامة 3- الربط بكفالة.( العقوبات التكديريه 1- الحبس التكديري 2- الغرامة)
وقد أشار القانون إلى مواقع العقاب إذا وقعت الجريمة مقابل غلط مادي أو نتيجة القوة الغالبة والإكراه المعنوي أو نتيجة انتفاء المسؤولية وفي المسؤولية الناقصة والإعفاء من العقوبة والأسباب المخففة أو المشددة لها ففي المادة (86) ما نصه (1- لا يعاقب كفاعل أو محرض أو متدخل كل من أقدم على الفعل في جريمة مقصودة بعامل غلط مادي واقع على احد العناصر المكونة للجريمة 2- إذا وقع الغلط على احد الظروف المشددة لا يكون المجرم مسؤولا عن هذه الظروف) وفي المادة (89) ( لا يعاقب الفاعل على فعل ألجأته الضرورة إلى أن يدفع به في الحال عن نفسه أو غيره أو عن ملكه أو ملك غيره خطراً جسيما محدقاً لم يتسبب هو فيه قصداً شرط أن يكون الفعل متناسبا والخطر) والمادة (91) تنص( يفترض في كل إنسان بأنه سليم العقل أو بأنه كان سليم العقل حين ارتكابه الجريمة حتى يثبت العكس).
وفي المادة (92) ما نصه (1- يعفى من العقاب  كل من ارتكب  فعلا  او تركاً إذا كان حين ارتكابه اياه عاجزا عن ادراك كنه افعاله او عاجزا عن العلم بانه محظور عليه ارتكاب ذلك الفعل أو الترك بسبب اختلال في عقله 2- كل من اعفي من العقاب بمقتضى الفقرة السابقة يحجر في مستشفى الأمراض العقلية إلى أن يثبت بتقرير لجنة طبية شفاؤه وانه لم يعد خطراً على السلامة العامة ونصت المادة (95) على انه (لا عذر على جريمة الا في الحالات التي عينها القانون) وقد أشير إلى هذه الحالات كما نصت المادة (96) على أن المحل يعفى المجرم من كل عقاب على انه يجوز أن تنزل به عند الاقتضاء تدابير احترازية كالكفالة الاحتياطية مثلاً) وهذه النصوص واضحة الدلالة والعبارة إلى أن العقوبة على جريمة ارتكبت بحق الأفراد أو الجماعات مهما كانت صورتها وتعددت أشكالها وذات أبعاد متعددة تعود بالفائدة على الجميع في نهاية المطاف لأنها أي (الجريمة) خروج على معايير المجتمع وقيمه واقانيمه وما رسمه من قواعد وأسس ومن مبادئ وأهداف تستمد مشروعيتها من منظومة القيم العربية والإسلامية وما بينته الكتب والشرائع السماوية والتي فيها الهداية والحياة للبشرية، كما أشارت هذه النصوص إلى الكيفية التي يعفي فيها المجرم من العقاب أو يخفف عنه أو انتفاء المسؤولية في ارتكابها.
حقوق الإنسان في الاتفاقيات والإعلانات الدولية
ورد في ميثاق حقوق الطفل العربي الصادر عن جامعة الدول العربية ومن ضمن الحقوق الأساسية للطفل العربي ما نصه (تأكيد وكفالة حق الطفل في رعاية الدولة وحمايتها له من الاستغلال ومن الإهمال الجسماني والروحي، حتى إذا كان ذلك من جانب أسرته) وقد ورد في المادة (20) من اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عن مؤتمر القمة العالمي من اجل الطفل المنعقد بتاريخ 30/9/1990 ما يلي (تتكفل الدولة بتقديم الحماية الخاصة اللازمة للأطفال المحرومين من بيئتهم العائلية وبتوفير الرعاية الأسرية أو المؤسسية البديلة، مع مراعاة الخلفية الثقافية للطفل) وتنص المادة (36) على انه (تحمي الدول الطفل من سائر أشكال الاستغلال)
كما ورد في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عن هيئة الأمم المتحدة بتاريخ 10/12/1948 ما يلي
المادة (7) (كل الناس سواسية أمام القانون ولهم الحق بالتمتع بحماية متكافئة منه دون تفرقة كما أن لهم جميعاً الحق في حماية متساوية ضد أي تمييز يخل بهذا الإعلان وضد أي تحريض على تمييز كهذا) وتنص المادة (25) من الإعلان (للأمومة والطفولة الحق في مساعدة ورعاية خاصتين وينعم كل الأطفال بنفس الحماية الاجتماعية سواء كانت ولادتهم ناتجة عن رباط شرعي أو بطريقة غير مشروعة) وهناك في الاتفاقيات والمواثيق والإعلانات الدولية نصوص ومواد كثيرة من اجل الإنسان وحمايته وتوجيه العناية والرعاية له ليس الأصحاء فحسب بل وغير الأصحاء أيضا.
ولا شك أن للدولة الأردنية دوراً مشهوداً في حماية الاسره. بجميع أفرادها وتوجيه العناية والرعاية للأطفال خاصة باعتبارهم رجال الغد وعدة المستقبل ويظهر ذلك جلياً من خلال المؤسسات والمراكز الاجتماعية الرعائيه التي تكفل الأطفال وان كانوا في اسر مفككة أو متصدعة أو من مجهولي النسب أو كانوا في عداد المعوقين وغيرهم والقوانين سارية المفعول تغطي الجوانب العديدة لهذه الرعاية والحماية والتعليم والتدريب والتأهيل اللازم وفي مختلف الميادين والمجالات، والتقصير إذا حدث لا يذكر أمام التوجهات وما توليه من اهتمامات في الأنشطة والبرامج التي تشمل كل الفئات.
آخر المطاف
لا يختلف اثنان على أن وجود الدولة بمقوماتها الثلاثة (السلطة والشعب والأرض) هي نتاج لتطور العقل البشري والاجتماع بين الناس بل هي من أهم الخطوات التي خطاها الإنسان منذ فجر التاريخ وعروجه نحو السمو بالأخلاق والانضباط والالتزام بمنهجية إنسانية مدنية فالإنسان مدني بطبعه واجتماعي بسليقته لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين وان أراد.
(وقد مر على البشرـ كما يقول الشاعر الكبير معروف الرصافي ـ دهر كانوا يعيشون فيه منفردين يصول بعضهم على بعض، ثم جاءهم دهر صاروا فيه يشعرون بضرورة التعاون فيما بينهم والانضمام إلى بعضهم لدفع الأذى والصائل وعلى تهيئة ما يحتاجون إليه في معايشهم  فاجتمعوا وتضامنوا وكان يجمع هؤلاء في بادئ الأمر صلة القرابة والنسب ثم جاءت اللغة والدين ثم جامعة الوطن والنظم والقوانين، فعلى هذا الوجه تكونت الأسر والقبائل والشعوب والأمم والحكومات فالأصل الذي تفرع عنه الاجتماع هو الشعور بضرورة التعاون، وهكذا حصل الاجتماع حتى أصبح البشر على ما نراهم عليه اليوم) ولم يكن الجنس البشري في مرحلته البدائية بقادر على أن يتصور وجود قانون معين بل أحاطت الجماعات البدائية كل ما ترغب بحمايته بهالة من القدسية وحرمت المساس به تحريماً دينياً وفي إطار هذه المحرمات وغيرها نبتت البذور الأولى للقواعد القانونية وهو ما يفسر لنا سبب اختلاط القانون بالدين) كما يقول الدكتور هشام صادق في كتابه تاريخ النظم القانونية والاجتماعية فالدولة إذن هي الجامعة لشعب معين والضابط لوجوده واستمراريته وتأتي القوانين كناظم لهذا الوجود لا غنى عنها ولا مناص من التقيد والالتزام بها كحاجة ملحة وضرورة ماسة تؤكدها الحياة وسنة التطور.
ولا مشاحة من ذكر الأهمية المنوطة بالدولة ـ أي دولةـ ولمهامها الرئيسية في حفظ الأمن وإشاعة الأمان ونشر ألوية العدل والإحسان (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون) الآية (90) من سورة النحل وما أروع ما قاله ابن القيم الجوزية (أينما وجد العدل فثم شرع الله ورضاه) ويروى أن الخليفة الراشد الثاني عمر بن الخطاب قال (والله لو عثرت بغلة على شاطئ الفرات لكنت مسؤولا عنها) وهو كلام اوجز فيه مسؤولية الدولة ومهامها في احقاق الحق ونصر أهله وفي دحر الباطل وزجره ولا يكون ذلك الا بالقوانين والأنظمة التي تشرع وتسن ويستوجب تعميمها والتعريف والتوعية بها بمحتلف الوسائل ونشر الثقافة القانونية ليتسنى لكل إنسان معرفة ما له وما عليه من حقوق وواجبات فالواجب مالا يقوم الواجب الا به، وكلما كان الشعب مؤمنا بواجبه واعياً لمسؤولياته فانه يشق طريقه بثقة واقتدار ولقد صدق المغفور له بإذن الله الملك الحسين الإنسان بقوله الخالد( إن المجتمع لا ينمو ولا يتقدم  بإنشاء المباني واستيراد الأجهزة وتزايد أعداد الخريجين فحسب ولكنه يتقدم حين يصنع إنسانا مؤمنا بواجبه مستعداً للخدمة العامة واعياً لمسؤولياته تزينه روح المواطنة والانضباط والعمل المنتج، فالإصلاح يبدأ بالنفس والمؤسسات تقوم على إيمان الأفراد وحسهم بالواجب واستعدادهم للعمل المشترك أو يقظة ضميرهم ورغبتهم بالخدمة العامة وانصرافهم عن الأنانية وحب القعود)
فدولة الظلم والباطل ساعة أما دولة الحق والعدل والمؤسسات وسيادة القانون فهي باقية حتى قيام الساعة.
(إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو القي السمع وهو شهيد ) صدق الله العظيم الآية (37) من سورة (ق).