د.إبراهيم خليل- من الملاحظات اللافتة للنظر، الجاذبة للانتباه، تكرارُ اسم ريتا في غير قصيدة من قصائد محمود درويش، وفي غير مرحلة من مراحل شعره. فقد كانت الإشارة الأولى لهذا الاسم في قصيدة بعنوان ريتا والبندقية من مجموعته آخر الليل 1967.
أما الإشارة الثانية فكانت في قصيدة ريتا أحبّيني ، وهي من مجموعته العصافير تموتُ في الجليل (1969). وورد للمرة الثالثة في قصيدة بعنوان الحديقة النائمة ، وهي من مجموعته أعراس (1977)، وورد للمرة الرابعة في قصيدة بعنوان شتاءُ ريتا الطّويل وهي في مجموعته أحدَ عَشَرَ كوْكباً .
هذا التكرارُ، مع ما رافقه، ولازمه من إشاراتٍ، على صعيد المعنى، لا بدَّ أن تكون له دلالاته، فهو تكرار غير عشوائيّ، ولا عفَويّ.
* ريتا والبندقية
في هذه القصيدة يجد القارئ نفسه أمام ثنائية ضدّيّة، هي الحب، ممثلاً بعلاقة المتكلم بريتا ذات العينين العسليتين، والحرْب التي تمثلها البندقية. فالمتكلم يصف العلاقة بين الحبيبين وصفاً يُفصح عما كان بينهما من وئام، ومن وَصْل، حتى ليكاد يعبد ما في عينيها من السحر، والألق، ويتذكر ما كان بينهما من لقاءاتٍ حلوة، ومن قبلاتٍ تبادلاها، ومن التصاق الجسَد بالجسد، ومن ضفائر تدلّتْ على ساعده، فهو حبٌّ لا يُتصوَّرُ مدى ما ُطبع عليه من صدْق، وقوة، وعمق:
وأنا أذكر ريتا
مثلما يذكرُ عصفورٌ غديرَه
آهِ ريتا
بيننا مليونُ عصفورٍ وصورَة
ومواعيدُ كثيرة .
فالغديرُ، الذي يلتقيان عنده، والعصافير، والمواعيد المتكرِّرة، والصور التي تشهد على حلاوة الوصل، ولذة اللقاء، في ذلك المكان، دلالاتٌ على مدى التعلق الذي اتسم به حبٌّ عاصفٌ انتهى بالقطيعة، والهجْر. ولم يعبّر الشاعر عن ذلك صراحة، بل بصورةٍ توحي بالمرارة التي تخلفها مثل هذه الخاتمة التراجيدية لعلاقة مشبوبة بحبٍّ مُلتهب، استمرّ عاميْن كاملين، تذوق المحبان فيهما أمتع اللحظات، واحتسى كلٌّ منهما أطيبَ الكؤوس، واحترقا في نبيذ الشفتين ، دلالة على ما كان بينهما منْ رائق الوصْل، الذي لا يشفيه سوى امتزاج الروحيْن، وفجأة يتساءل المتكلم:
أيُّ شيْءٍ ردَّ عن عينيك عينيّ
سوى إغفاءتيْن
وغيوم عسليّة
قبل هذي البندقيّة .
فالبندقية، وهي رمزٌ لكل سلاح يسْهمُ في إضرام الصراع بين المعتدي والمعتدى عليه، هي التي تفرِّقُ ما بين الحبيبين، ولهذا:
قمري هاجرَ في الصُّبْح بعيدا
في العيون العسليّة
والمدينة
كنّسَتْ كلّ المغنّينَ، وريتا
بين ريتا وعيوني بندقية .
فالمنفى هو المَهْجَرُ الذي انتهى إليه العاشق، فيما بقيت ريتا تفصلها عن الحبيب بنادقُ الجنود، وطلقاتهم، التي تحاربُ الحبَّ أنّى وُجد، وحيثُ كان.
* ريتا أحبّيني
تعود ريتا للظهور ثانيةً في قصيدة ريتا أحبيني ، وهي قصيدة أكثر تركيباً من القصيدة السابقة ريتا والبندقية . فالمتكلم في منفاه، وهو هنا اليونان، والبوليس يطاردُه، لا في أثينا وحدها، بل في الحُلم الذي يتحول بسبب تلك المطاردة إلى كابوس. ومن ملامح ذلك الكابوس أن الحبيبة ريتا تبتعد فيما تشتعل الخصومة بينها وبين الأرض، كاشتعال الشفق، وعندما يتذكّرُ المغنّي حبيبته هذه مُعبِّراً عن توقه للقائها لقاءً يعبق برائحة الياسمين، تنهض في وجهه لافتة الحبّ ممنوع :
الحبّ ممنوعٌ
هنا الشرطيُّ، والقدرُ العتيقْ،
تتكسر الأصنامُ إن أعلنتَ حبَّكَ
للعيون السود، قطاعُ الطريقْ
يتربّصون .
فالحبُّ لم يعد يعرف الطريق لقلبي المحبين -ريتا والمتكلم- لوجود هؤلاء الذين يقاومون الحب بجلِّ ما لديهم من سلاح. فهم يتربصون بالمحبين مثلما يتربص الشرطي باللصوص. لا لشيء إلا لأن هؤلاء يتصورون الحب خطراً عليهم، وأنه يُقلق راحتهم قلقاً شديداً، وينشر الحزن في البلاد، مع أنّ الشرطة تصادر الكآبة، والأحزان، وتصادر الدموع من العيون، فلا تبقي للإنسان شيئاً يُشعره بطبيعته من حيث هو إنسان.
لهذا لم يتبقَّ لهذا العاشق ما يُسرِّي عنه، ويُخفّفُ، سوى الحلم، الذي تتداخل فيه العيون النجل بالقيود في وقتٍ واحدٍ، وهذا يعبّر تعبيراً قويّاً عن أن القصيدة (الأغنية) لا تنبثق بسهولة، ويُسْر، مثلما يُظن، وإنما تنبثق من القيود والأغلال، من الجراح والمعاناة، لتنشر بانبثاقها الأغاني في المدينة، ويسترجع الزيتون خضرته الشديدة، ويكتشف الطفولة عاشقان:
ريتا أحبّيني
وموتي في أثينا
مثل عطر الياسمين
لتموتَ أحزانُ السَّجين .
* الحديقة النائمة
تقع قصيدة الحديقة النائمة في ستة مقاطع، كلٌّ منها يمثل طوراً من أطوار العلاقة بين المتكلم وريتا التي لم يُذْكر اسمُها إلا في بداية المقطع الخامس.
ففي البداية يصف المتكلم المرأة نائمة في سريره، وبحركة لطيفة من يده يُعيد الغطاء إلى وضعه الطبيعي، بعد أن اطمأن إلى أنها مستغرقة في نوم عميق. ملقياً نظرة أخيرة إلى عينيها المطبقتين دون أن تحجب الأجفان اللون العسلي الذي ذكره في القصيدة الأولى عسلٌ يختفي خلف جفنين ، ويواصل المقطع وصْفَ ما هي عليه من الجمال: فالساقان معجزتان، والشعر قمح، يتهدل على مرمر ونعاس، وعندما يفارق السرير يذرفُ قطرة من دمه كأنه لا يودّ أنْ يفارق المكان:
شاهدت قمحاً على مرْمَرٍ، ونعاس
بكت قطرة من دمي
فارتجفتُ
الحديقة نائمة في سريري .
وفي المقطع الثاني، يتحرك المتكلم باتجاه الباب دون أن يلتفت إلى الوراء، حيث الروح تستغرق في سباتها العميق. وفي هذا المقطع يبْرُز التردد، لدى العاشق، فهل يفتح الباب ويغادر، أم يظل؟ في تلك اللحظة تداهمه أصواتٌ، وهذه الأصوات تدعوه للبقاء: رنين خطاها القديم، وأجراس قلبه المتعلق بها، وفي الخارج ثمة صوتٌ آخر هو صوت المطر.
في هذا المونولوج الدرامي يلحظ القارئ مدى تعلق العاشق بالمرأة، والدليل على ذلك أنَّ نبْض قلبها يطارده، وهو وحده الذي يسمعه، ويصغي إليه، ويتردَّدُ صداه بقوة مع صوت المطر:
ولا صوت يأتي
سوى نبْضها، والمطر .
حين يتجه إلى الباب ثانية ينجح في استخدام المفتاح، ويخرج مغادراً يتبعه ظله. ثم لا يستطيع أن يلفظ كلمة وداع. فهو كالشخص الذي يغدو من الآن غريباً عن بيته، وغريباً عن ذكرياته، وهو يهبط الدرج مشيَّعاً بصوت نبضها، وصوت المطر، حتى إذا ما وصل إلى شجرةٍ كانت لهما لقاءاتٌ في ظلالها، ومواعيد، تذكّر:
هنا قبلتني
هنا ضربتني صواعقُ من فضةٍ، وقرنفل
هنا كان عالمُها يبتدي
هنا كان عالمُها ينتهي
وقفت ثوانيَ من زنبقٍ، وشتاء
مشيتُ
ترددتُ
ثم مشيتُ
أخذتُ خطايَ وذاكرتي المالحة،
مشيت معي .
يستخدم درويش كلماتٍ ذاتَ وقْع نفسي، وشعوريٍّ مؤثر، كالصواعق، والقرنفل، والثواني من زنابق، والشتاء، والذاكرة المالحة؛ والتركيب الذي ينمُّ على شيء من الإحساس بالانفصام: انفصام المتكلم عن نفسه، فكأنه إنسانٌ آخر مشيتُ معي ؛ والتركيز على كلمات مثل: ترددت، مشيت؛ والتنافر في: هنا يبتدي، وهنا ينتهي..
كل ذلك شحن هذا المقطع بمشاعر متضاربة، وقويّة، تمهد لنقلة كبيرةٍ في قصيدة الحديقة النائمة . ففي المقطع التالي ما يشْبه ُالكشف عن أسباب الحالة غير الطبيعيّة التي يمرُّ بها العاشق:
لا وداعَ، ولا شجرة
فقد نامتِ الشهواتُ وراءَ الشبابيكِ
نامتْ جميع العلاقاتِ
نامتْ جميع الخيانات
نام رجالُ المباحث أيضاً .
وهنا تبرز عقدة القصيدة إذا جاز التعبير. فالعاشق إذاً يعاني من حالة نفسية مغايرة لما يتوقعه القارئ في المقاطع التي سبقت. فالعلاقات والخياناتُ والشهوات، نامت بنوم المرأة، وحتى رجال المباحث الذين يلاحقون العاشق لهم دورهم في هذا، وقد ناموا هم أيضاً.
لذا لم تعد ثمة ضرورة للوداع. وفي المقطع الخامس -وهو الذي يذكر فيه الشاعر اسم ريتا- يسلكها هي الأخرى في التيار نفسه، تيار الشهوات والعلاقات التي نامت والخيانات، وتيار رجال المباحث، ثم تتجه القصيدة اتجاها جديداً، إذ يتوقع المتكلم ما سيكون بينهما في الصباح، فهي من المؤكد، ومثلما اعتادت، تحضر له قهوته العربية فيما تحضر لنفسها قهوة بالحليب، وفي ذلك إشارةٌ للفرق بين الحبيبين، وعندما يعرض عليها الزواج توافق على العرض، ولكنها تجيب عندما يسألها: متى؟:
حين ينمو البنفسجُ
على قبّعات الجنود .
هذا المقطع بجلِّ ما فيه يأتي من باب التخيل، أو التوقع، والتنبؤ. والمتكلم وهو يتذكر ذلك للمرة الألف يجْمع إلى ما ذكره رجال المباحث و الجنود ، وفي ذلك ما يشير إلى السبب الذي يجعله يصاب بالإحباط، واليأس من تلك الحديقة النائمة ، فيتجه لذلك نحو مبنى البريد في إشارة منه إلى المغادرة، وفي تعداده للأزقة والنوادي وأكشاك بيع التذاكر، تعبيرٌ واضحٌ، جليٌّ، عن إحساسه بفقدان منْ كان يعتقد أنه يمحّضُه الحبّ الصافي، الحبّ الخالص، ولديه الاستعداد للاقتران به دونما تردد، أو حتى تفكير بالانتظار، والتسويف.
لكنه بعد أن تقول له: حين ينمو البنفسَجُ في قبعات الجنود ، يوقنُ بأن ما بينهما لا يتعدى ما ذكره في المقطع الرابع من شهوة ونزوة، فهي تنام لتستيقظ ثم تغفو.. ولذا يحث نفسه على الرحيل والانتظار ثلاثة عشر شتاءً آخر:
أحبك ريتا. أحبك نامي
سأسأل بعد ثلاثة عشر شتاء
سأسألْ
أما زلت نائمةً،
أمْ صحوتِ منَ النَّوْم
ريتا؟
أحبك ريتا
أحبكِ .
الذي ينْبغي أنْ نتنبه إليه هو أن درويش في القصيدة الأولى ريتا والبندقية يوحي لنا بأن البنادق هي ما يباعد بين العاشقين، المتكلم وريتا ذات العينين العسليتين. وفي القصيدة الثانية ريتا أحبيني من يباعد بينهما هو الشرطي، والحبُّ الممنوع، والمنفى. فكل منهما يعيش في مكان بعيداً عن الآخر، وقد امتنع عليهما اللقاء امتناعاً شديداً لا قِبَلَ لهما بردّه. وفي القصيدة الثالثة، الحديقة النائمة ، تظهرُ كلماتٌ مثل: الخيانة، والشهوات، والجنود، ورجال المباحث، مع ظهور نوع من التمييز بين العربي وغيره، بدليل القهوة العربية مقابل نقيض هو القهوة بالحليب، يضافُ إلى ذلك التسويف الذي يدفع بالمتكلم للانتظار ثلاثة عشر شتاءً، إلى أن ينمو البنفسج على قبعات الجنود ، وذلك قولُ منْ لا يريدُ الموافقة على ارْتباط.
فهي -إذاً- كالملاك الذي يبادل الآخر الحبّ مُخفياً المفتاح في حقيبته، بمعنى أنها علاقة تفتقر إلى الصراحة، والشعور الصادق، النقي، الذي يعد بتغلب المحب على أي عقبات تفرق بين المحبَّيْن.
* شتاء ريتا الطويل
وثمة تماسٌّ بين قصيدتَي شتاء ريتا الطويل و الحديقة النائمة ، فالمتكلم يذكر انتظاره ثلاثة عشر شتاءً، وقد أصبح الشتاءُ عنواناً للقصيدة. أما الخطوط الأخرى التي تصل النص بالسابق فتأتي من كون الشاعر يذكّرنا بالسرير الذي ورد ذكره في الحديقة النائمة ، ويذكرنا أيضاً بالحديقة النائمة: تنام ريتا في حديقة جسمها ، وأما القمح الذي يراه في النص السابق منسدلاً على مرمر ونعاس، فيصبح ها هنا موجة تنام على تنفّسها البطيء.
كذلك العصافير التي يذكرها الشاعر في النص الأول ريتا والبندقية يتكرَّرُ ذكرها هنا. ومن يتتبع القصيدة كلمة كلمة يكتشف أنها تستدعي أجواء القصائد السابقة المذكورة، وتمضي خطوة أخرى في تطوير رؤية الشاعر للعلاقة الممكنة بين الاثنين.
غير أنه يوحي، على لسان المتكلم العاشق، بأنّ تغييراً كبيراً يقع في هذا النص، وهو أن المتكلم في شكٍّ من أن تكون ريتا وجدت فعلاً في سريره، ونامت في بيته الذي صار غريباً عنه، وهل كانا معاً فعلاً، أمْ إنّ الأمر لا يعدو أنْ يكونَ وهْماً:
هدأ الصهيلُ
هدأت خلايا النحل في دمنا، فهل كانت هنا
ريتا، وهل كنا معاً .
وبدلاً من الحوار الثنائي بينهما، وهما يحتسيان القهوة في الصباح، نجد في هذه القصيدة حواراً من شخص واحد، وهو العاشق، الذي يتوقع رحيل ريتا تاركة زنزانة انفرادية بيضاء للحبيب، بعد أنْ يتعذر اللقاء، ويوقنُ المتكلم أنَّ الذي بينهما لا يعدو أنْ يكون حباً مُحاصراً تلاحقه لعنة الصراع الدمويّ:
لا شيء يا ريتا
أقلد فارساً في أغنية
عن لعنة الحب المُحاصَر بالمرايا
عني
وعن حلمَيْن فوق وسادةٍ يتقاطعانِ، ويهربانِ،
فواحدٌ يستلُّ سكّيناً، وآخرُ
يُودعُ النّايَ الوصايا
لا أدْركُ المَعْنى، تقولُ .
وفي المقاطع التالية نجد ريتا لا تكفّ تتحدث عن تعلقها بالعاشق، فهي جُنّت به جنوناً، وتدّعي أنها أنزلته من على السياج، وضمّدت جراحه، ويسّرت مروره متسللاً بين سيوف إخوتها، وأمّها، التي تعيش في المزامير القديمة، وتلعن الدنيا، وتواصل حقدها على شعب العاشق، فيما يواصل الجنودُ مكافحة الحبِّ كما لو أنّهم يتصدّون لجيْش:
إني ولدتُ لكي أحبّكَ
وتركتُ أمّي في المزامير القديمة تلعنُ الدنيا وشعْبَكْ
ووجدتُ حرّاس المدينة يُطعِمونَ النَّارَ حُبّكْ
وأنا ولدتُ لكي أحِبّك .
وبعد أنْ يعدد العاشق حظوظه من الغيم، والموج، وسفر التكوين، وسفر أيوب، وأعياد الحصاد، والأرض، والخبز، وسوسن الوديان، وحكمة العشاق التي تقول: يعشقُ وجْه قاتلهِ القتيلُ ، يعرض عليها السفر، أي أنْ يُسافر كل منهما نحو الآخر، في صورة تلتبسُ بصورة من يعبرون النّهْر ليلتقوا:
لو تعبيرين النهر يا ريتا
وأينَ النهرُ قالتْ
قلتُ فيكِ وفيَّ نهرٌ واحدٌ
وأنا أسيلُ دماً وذاكرةً أسيلُ
لم يتركْ الحرّاسُ باباً لي لأدخلَ
فاتكأتُ على الأفق.
ونظرتُ تحْتَ
ونظرتُ فوقَ
نظرْتُ حوْلَ
فلمْ أجدْ
أفقاً لأنظرَ لمْ أجدْ في الضوء إلا نظرَتي
ترتدُّ نحْوي .
وهم العاشق يتبدّد، فالظروف التي جمعت بين الاثنين تضع الحواجز بينهما، فهي تعده غريباً، وهو يعدّها غريبة كذلك. ولذا لا موْضعَ لاستئناف العلاقة بينهما إلا في أرْض مُحايدة أرض بعيدة: خذني إلى أرْض ٍبعيدة . وتمضي هي مثلما يمضي المتكلم إلى المجهول في زمن قاس، وشتاءٍ باردِ العواطف، مثل شتاء ريتا الذي لا ينتهي:
أجهشتْ ريتا، طويلُ
هذا الشتاء، وكسَّرتْ
خزف النّهار على حديد النافذة.
وضعتْ مُسدَّسها الصغير على مُسَوَّدةِ القصيدة
ورمتْ جواربَها على الكرسيِّ
فانكسَرَ الهديلُ
ومضتْ إلى المَجْهولِ حافيةً وأدْرَكَني الرَّحيلُ .
تبعاً لما سبق يتضح أنّ القصيدة عند درويش، وهي ها هنا شتاء ريتا الطويل ، تتخلق تدريجاً في غير نص؛ في الأول ظهرت الفكرة، وفي الثاني أضاف إليها الشاعر بعض الأفكار الأخرى التي زادتها عمق، وفي النص الثالث ازداد النص تركيباً وتعقيداً، ووجد النص صورته الأخيرة على مستويي الشكل والمعنى في شتاء ريتا الطويل ، وقد لا يكون الشاعر قصد هذا التقاطع بين النصوص الأربعة، إلا أنه، بصفة واعية أو غير واعية، يبث إشارات توحي للقارئ المتتبّع بأنَّ لكل نص من هذه النصوص علاقة تناسلية بالنصوص الأخرى.
وهذا ما يعدّه بعضهم ضرباً من التناصّ، لكنه تناصٌّ ذاتي، بمعنى أنَّ الشاعر يستدعي في نصه المتأخر أجواءً من نصوصه المتقدمة، فتتسربُ إيحاءاتٌ وظلالٌ للمعاني في النص الجديد الأخير.