رحل.. بعد ان ودع آخر واجب
12:00 5-2-2007
آخر تعديل :
الاثنين
رحل.. بعد ان ودع آخر واجب
ثمة تجانس بين الرتبة العسكرية التي حملها ''غالب''... وبين هذا القلب الكبير، الذي ظل خافقا، الى صباح أمس الاول، حين عاد الى الام، هذه الارض التي عشقها، بعد أن ودع آخر واجب وطني، في منطقة جرش.
هذا الحشد الرائع من الاصدقاء والاحبة، على مدار اقل من ثلاثة عقود، مكن العقيد غالب الرفوع، من ان يظل في ذاكرة الناس... طيلة حياته، يهاتفونه من حين لاخر، وبسبب او بدون سبب، فهو ابتسامة، ووجه بشوش، ومحيا ينبئك بالخبر الطيب على الدوام.
نراه في الطفيلة، في الاجازات، يراجع المياه والمحافظ، والشرطة والكهرباء والزراعة، ويزور الاصدقاء، من صغار الموظفين، ممن يرتبطون معه بالصداقة ايام الدراسة، لا يترفع عن أحد، بل تشعر وانت ترافقه او تخالطه، انه مدين لك بأشياء في هذه الحياة، ويجعل منك صاحب المعروف واليد العليا.
ضابط اردني، صاحب قبة حمراء، تجده مع من يدفعون سيارة قديمة توقفت في شوارع بصيرا او الطفيلة، بعد ان تعطلت، فيما تجد ملابسه في احيان وقد تلطخت بالطين وهو يعالج سيارة بالتعاون مع سائقها، ليخرجها من طريق موحل ، فيما مشاهدات اخرى ذات جمال وروعة، لم نألفها في غير ''غالب'' كانت في المجمل تعبيرا عن فهم بعيد، وعن رؤية ثاقبة، للعمل الوطني، الذي لا ينحصر في المكتب، والاتصال مع الزوجة والاولاد.
''غالب''...كان هكذا...دائما، لا يحب ان يهزم، حتى في الوظيفة العسكرية، يضحي بهذه الروح، التي وهبها رخيصة للوطن، استجاب من وحيها الى الدخول في مهام غاية في الصعوبة والمخاطرة، وتفاوض مع خارجين على القانون في لحظات حرجة، فكان الفائز في كل حين.
تبكيك ايها النشمي الاردني، كل عين أحبت الوطن، وسمعت او شاهدت بعض خصالك الكريمة، ونحزن لفقدك، وعيون يعتصرها الم الفراق، رغم ان مثلي من لم يشاهدك منذ فترات طويلة، الا من خلال الاتصال الهاتفي، لكنك الحبيب والقريب، الذي لم نحزن عليه لقرابة او صلة رحم، بل لان فيك لمحات هذا الخير الاردني، من الشرف والعزة والكرامة.
يسترجع الكبار والصغار مآثرك.. وأنت تسعف المحروم، وتواسي المكروب، وتقف الى جانب الفرح، وتستجيب لنداءات الناس، دونما تكلف، لتصبح عزيزا بيننا، في اربد وعمان والطفيلة والعقبة، صوتا غرد بالخير طويلا، كان يستحق ان يقف الالاف على قبره في لحظات من البرد وتساقط الثلوج وانعدام الرؤيا، ما تأخر يوما عن الخير، فكان ان ترحم عليه كل الناس.
نخجل كثيرا من استذكار الاوفياء والشرفاء بعد رحيلهم، لكننا، ايها العقيد الشهم، لن نخجل من ان نسطر في اسفار الوطن، بعض ملامحك الكريمة، التي لا ينبغي السكوت عليها، وانت تلملم ملفات حياتك، مسرعا... كعادتك في هذه الحياة الفانية، نحو آخرة، نرجو لك فيها العفو والغفران.
الامن العام، هذه الجهاز الغالي، الذي ترعرع فيه غالب، احتضن الاوفياء، ووفر بيئات حضارية، شاهدة على اصالة وعراقة وفيض طيب من التعامل، والفن في صياغة العقلية الاردنية، لتكون قيادية تصنع انجازات، تعجز الكتب عن تدوينها، صارت مثلا في الامانة والقدوة في انحاء الارض.
وداعا لرجل ترجل في لحظة عطاء، ووضع القلم، وهو في ساعة انحياز للشرف العسكري والواجب الوطني، ووداعا لعزيز كان منا في سويداء القلب، حبب الينا الامن والعمل الشرطي، والعسكرية، الى ان فاز بهذا الحب، وهذا التكريم الذي تساوى فيه رفاق الدرب مع ابناء محافظته في الطفيلة.