«ما بعد الظلام» للياباني هاروكي موراكامي.. حينما تذوي مصابيح المنطق

«ما بعد الظلام» للياباني هاروكي موراكامي.. حينما تذوي مصابيح المنطق

مصطفى محمود - هل كان يجب أن ينحدر أبداً الغرباء في سفنهم المصقولة ويوجهون أدوات فحصهم العظيمة صوب مراكز تجمعاتنا السكانية، يرصدون أفعالنا ويتصيدون أحلامنا لنقلها للخلف إلى القيادات الكونية، دعنا نأمل أن يعرضوا لنا الرقة المتناهية ل هاروكي موركامي ، الروائي الياباني. ففي عشرات الكتب الموجودة عن وجودنا هنا -ليس في اليابان أو أية أمة على وجه الخصوص، ولكن كأطفال الجاذبية، كأبناء الدنيا- أدى موراكامي وظيفة جيدة، كأي كاتب معاصر، في الدفاع عن القضية المؤلمة للإنسانية قبل أن تُصدر المحكمة أياً كانت، حكمها.
 لتكونوا رحماء يا سادة ما بين النجوم. فنحن وحيدون وضئيلون، ولا نعرف ماذا نفعل، فقط نعرف أننا مجبرون من الله أو الطبيعة على أن نغتسل ونكتسي ونأكل ونستمر في فعل هذا.
 رواية موراكامي الأخيرة، ما بعد الظلام ، تنساب في سلاسة وهدوء كعمل موحد مبني على فكرة أنه في آخر الليل تماماً، بعد أن تذوي مصابيح المنطق ويغلق العقل عينيه، تصبح الحياة على الأرض غائمة لا تفصل بينها حدود. فالأفراد الذين كانوا منفصلين أثناء النهار يبدأون في فقدان التفرد، ويتسرب منهم التميز، ويذوبون في روح جمعية رقيقة. وحينما تغوص عقارب الساعة عميقاً في الظلال، تضعف الفيزياء، وتستسلم إلى الميتافيزيقيا، وتتكسر الأشياء الصلبة بما فيها أنا وأنت. فخلال الساعات المبكرة، نكون جميعاً في هذا الجمع، مغزولة أرواحنا مثل أجساد العاشقين.
 قصة كتاب الليل كله تقع في طوكيو، في المنطقة المزدهرة في وسط المدينة لصناعة الترفيه، لكن وكما هو معتاد مع موراكامي ، فإن الخرائط المعنية للصنف الواقعي الذي يصدره والمتذبذب ما بين عالٍ وأعلى، هي خرائط عقلية وليست جغرافية. فشخصياته لا تدخل من يسار خشبة المسرح، إنها تتجسد في المكان، متجمعة من سحب الجزيئات الدقيقة. على طاولتها فنجان قهوة. ومنفضة سجائر. بعد المنفضة طاقية بيسبول زرقاء بحرية عليها علامة بوسطون في مربع أحمر بحرف B . ربما تكون كبيرة بالنسبة لرأسها. وعلى المقعد المجاور لها توجد حقيبة كتف جلدية بنية اللون. إنها منتفخة كما لو أن محتوياتها قد قُذِفت بها في جزء من الثانية. إنها ترتشف لأن أمامها فنجان من القهوة: فهذا هو دورها كزبون .
 المشهد هنا هو مطعم داني ، مركز تجمع للثقافة العولمية المصطنعة التي يتقبلها موراكامي بهدوء، إذ إنه يدرك بحكمة، أن كل بلد من معظم بلدان العالم في هذه الأيام هو مزيج مهووس من البلدان الأخرى، خصوصاً أميركا. فالفتاة ذات التسعة عشر عاماً، ماري ، التي تحتسي القهوة والتي من غير المفسَّر ارتباطها بالطاقية الحمراء، وربما لا تحمل هي أيضاً تفسيراً أكثر مما تفعله أغاني البوب التي تنهمر من سقف المطعم، تقتل الوقت بالقراءة في كتاب مجهول.
 الأمر يكتنفه قليل من الغموض؛ لماذا هي مستيقظة إلى هذا الوقت المتأخر؟ لكن ربما عليها أن تفعل هذا مع شقيقتها الحبيبة إيري الموجودة في أحد المنازل في الضواحي مستغرقة في سبات متواصل، لا تفيق منه لشهور عدة. ماري مستيقظة لأن إيري نائمة -ربما نوع ما من التوأمة والتشابه في حالة الجمود والملل هو الذي يعمل. ف موراكامي لا يحرك القضية. إنه يختار استعاراته ومجازاته لقيمتها الموسيقية، وليس من واقع بنيانها الفكري، ويدعها تلعب من خلال النسمات والحدس.
 يَرِدُ على المائدة المتواضعة ل ماري مجموعة من الزوار، بدءاً بعازف الجاز كثير الكلام الذي يورطها على مراحل من خلال الأحاديث العرضية التي تميل إلى أن تكون حكايات عن دراما الجرائم الصغيرة وفلسفتها، لمجرد تمهيد الطريق، حيث جون -رجل الأعمال- قد ضرب بشدة عاهرةً من المهاجرات وتركها مصابة تنزف في غرفة الفندق. ماري تتحدث بالصينية، وهي اللغة القومية للعاهرة، وطلب منها مدير فندق الحب أن تترجم لها. فهذا هو دور ماري في الرواية - وسيط، وليست بطلة.
 إنها النول الذي ينسج عليه موراكامي قماشه، الإطار الصالح للبلادة. فما تريده لنفسها، على ما يبدو، قليل جداً -ربما كان مجرد أن تترك بمفردها لتقرأ- لكن هذه الليلة لها تدبيراتها المعدة لها كما أعدت لهؤلاء من حولها. إن صراع الإرادات هو الأساس النموذجي للتشويق الذي لا ينقطع للحكاية، وهو الصراع الذي ينبثق ما بعد الظلام . والبديل الذي نحصل عليه هو تبدد الإرادات وتدفقها إلى مجتمع فوضوي.
 الفصول القصيرة للكتاب تقايض في ما بين الخلف والأمام، في ما بين تجوال ماري مع اطلاعها ومعارفها الجديدة ومقطوعتها الشعرية المطولة التي تميز شقيقتها الجميلة النائمة التي ترقد على سرير في غرفة جرداء بعد الفتحة الدودية لشاشة التلفزيون التي تظهر عليها أحياناً صورتها، وتستوعب روحها. إنها مبحرة في الخيال بعقل معوق. في هذا العمل الذي يمرر الحالم من خلال توصيله بزجاج للمراقبة، ورغم أن هذه الفواصل الإضافية المقوية للرحلة، يُقصَد منها تكملة تسطيح امتدادات الرواية على مائدة الحديث، إلا أن تأثيرها يقطع التواصل ويصرف الاهتمام. فتخيُّل أجزاء عالية المستوى المفهومي من المسلسل التلفزيوني للخيال العلمي تقطّع إلى أجزاء ويوضع كل جزء في فيلم مستقل.
 تعويذة موراكامي أكثر إقناعاً، حينما تكون تقنيته الفنية غير واضحة، وليس حينما يلوح بعصاه السحرية فوق القبعة. فعن طريق التحرك إلى الإطار الغامض ل ماري من خلال تبديلها دائرة الأصدقاء، يأخذ موراكامي في توسيع النطاق الليلي للمدينة. ويصل إلينا الإحساس قوياً، رغم أننا لسنا متأكدين تماماً من حقيقة البيئة الاجتماعية الهاربة، المساومات والمواثيق في ما بين القبائل والطبقات.
 النساء فرائس في معظم الأجزاء، ويرتبطن معاً، خصوصاً الفقيرات وغير المتزوجات. والرجال يغامرون بجسارة أكبر، ويقومون بالغزو والإغارة بمفردهم، رغم أنهم يزيدون من قوتهم بتكوين العصابات. ووراء كل ذلك الشبكات والنظم الوحشية المستقلة -قوات الشرطة، شاحنات النفايات، شبكات المراقبة البصرية- التي تجاهد لحفظ النظام حتى الصباح. فالليل يموج بفوضى المتع والمهام والرسائل الشفاهية، بالمواعيد والسرقات المسلحة، وبعثات الهروب والإنقاذ، لكن الفجر هو العودة إلى الإنتاجية.
 رغم تشييده السفينةَ الأم، إلا أن موراكامي يحوم ويراقب، وفي النهاية يوافق. إنه يرى مدى شجاعة أبناء الأرض في سعيهم للنجاح، ومضات من الخلود تجلدهم، تتملكهم غرائز وشهوات محيرة، تدفعهم إلى أكشاك مزودة بالستائر الفينيل ومنقوعة في مطهر اليزول وكبائن في استراحات فندقية تؤجَّر بالساعة. فلا عجب في أن ممارسته ككاتب هو أن يسجل كل أغنية تأتي عبر الراديو؛ فالنغمات سهلة الحفظ تقدم العزاء الشرعي لهذه الكائنات. وفي الظلام تكون المنارة أي شيء يضيء مهما كان ضعيفاً، ومهما كان مختصراً.
 إن وقوف موراكامي حارساً فوق الظلام الكئيب المطبق، يكشف عن الوميض الفسفوري في كل مكان، لكن بالأخص في الأحاسيس التي تنتاب الناس حينما تندمج في الليل وتتوهج ساطعة، لكنها تخبو عند الفجر، عندما يسير كل منا في طريق منفصلة.
 (عن نيويورك تايمز )
 * مترجم من مصر