تأويل زمان الوصل في موشح «جادك الغيث»

تأويل زمان الوصل في موشح «جادك الغيث»

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 5-2-2010
No Image
تأويل زمان الوصل في موشح «جادك الغيث»

د.غسان إسماعيل عبدالخالق
 
توطئة تاريخية
 افتتح العرب المسلمون إسبانيا في العام 92 ه، ونشروا فيها الإسلام بسهولة، لأن الإسبان لم يكن لهم آنذاك عناية بالجدل والفلسفة. أما الأقلية من المسيحيين واليهود فقد تمتعوا بحرية كبيرة في العبادات والأعمال. وقد تضافرت عوامل كثيرة لتمنح الأندلس / إسبانيا خصوصيتها الاجتماعية، فقد تعددت الأصول فيها من عرب وبربر وقوط، وفتنت الطبيعة الخلابة الشعراء، واتجه الأندلسيون في معاشهم وجهة عملية، فلم يأنفوا من ممارسة الزراعة والحرف، بل إن بعض علمائهم مثل الإمام الباجي، كانوا يجلسون للتعليم وأثر الحدادة في أيديهم، كما ازدهرت حركة الغناء والتفنن العروضي اللذين أذكاهما قدوم زرياب إلى الأندلس، وتمتعت المرأة بقدر كبير من الاحترام والحرية والنفوذ. أما على صعيد الحياة الشعبية فقد مارت الأندلس بحراك وتمازج كبير في العادات والتقاليد والأغاني.
 إن انشغال الأندلسيين بالتصدي للممالك المسيحية وتعصبهم الشديد لمذهب مالك بن أنس وحنينهم الطافح إلى الشرق العربي موئل آبائهم وأجدادهم لم يحل دون انبعاث فن الموشح الذي يعد تتويجاً لسلسلة من التململات الشعرية الهادفة إلى تجديد عمود القصيدة العربية التقليدية شكلاً ومضموناً. ولقد نظر المثقفون الأندلسيون في البداية إلى الموشح بحذر شديد كونه يمثل الثقافة الشعبية في الأندلس، لكنه ما لبث أن تسلل شيئاً فشيئاً إلى القصور ففتن به الأمراء والسادة حتى كاد الوشّاحون يحجبون شعراء القصيدة التقليدية، وقد ساد اعتقاد لدى كثير من الباحثين بأن ابن خلدون هو أول مثقف يضمّن كتاباً له فصلاً عن الموشحات، ثم تبين أن الفصل الخاص بالموشحات الذي أودعه ابن خلدون مقدمته ليس سوى فصل منقول من كتاب ابن سعيد المقتطف .
 
ذو العمرين
لسان الدين بن الخطيب الملقب ب ذو الوزارتين: السيف والقلم و ذو العمرين: السياسة في النهار والكتابة في الليل ، سياسي ومثقف، قاده طموحه لتوسيع هامش حريته إلى موت تراجيدي. والطريف في الأمر أن إبداعه الثقافي كان الوسيلة التي استثمرها خصومه لإنهاء حريته السياسية . وفي هذه المقاربة ثمة قراءة تسير في خطين متوازيين: خط تأريخي لسيرته الحافلة بالإنجازات والمتوَّجة بالفجيعة، وخط تأويلي أسلوبي لقصيدته / موشحه جادك الغيث الحافلة بالمسرات والمختومة بما تنبأ به لنفسه: إن عذابي لشديد !.
 يعد موشح جادك الغيث من عيون الموشحات الأندلسية، وقد أنشأه لسان الدين بن الخطيب محمد بن عبد الله السلماني (713 ه - 776 ه)، أحد ألمع السياسيين والمؤرخين والأدباء الأندلسيين الذين عاشوا في القرن الثامن الهجري وتقلبت بهم أنواء الحياة كثيراً قبل أن تنتهي به الحال نهاية فاجعة على يد تلميذه ابن زَمْرَك الذي عقد له محكمه ظالمة اتهمه فيها بالزندقة لأقوال له وردت في كتابه روضة التعريف بالحب الشريف . ويبدو جلياً أنه قد أنشأ هذا الموشح في تلك الفترة القلقة من حياته التي تنقّل أثناءها بين بلاط بني الأحمر والمرينيين. على أن هذا القلق الشديد الذي جعل ابن الخطيب يمعن في استدعاء أيام الصبا، لم يوصله حد الانفلات التام من إطار القصيدة التقليدية، فجاء الموشح على بحر الرمل وإن جرى على نظام الموشّح. وقد أنشأه ابن الخطيب معارضاً موشّح إبراهيم بن سهيل الأشبيلي: هل درى ظبي الحمى أن قد حمى.... .
 
تأويل الموشح
 يفتتح ابن الخطيب موشّحه بالدعاء بالسقيا لذلك الزمن المنقضي، زمن الوصل في الأندلس. ويلاحظ ذلك التقابل الدقيق بين شطرَي البيت الأول الذي ينطوي على مفارقة ظاهرة، إذ رغم الخصوبة والسيولة المضمنة في ظاهر معنى الشطر الأول والتي توحي بها صيغة الدعاء جادك الغيث ، إلا أن هذا الشطر ينطوي على جفاف تام بفعل الجملة الاعتراضية المتشكّكة: إذا الغيث همىط. ورغم الجفاف المضمّن في ظاهر معنى الشطر الثاني الذي أوحت به أداة النداء للبعيد: يا.... ، إلا أن هذا الشطر ينطوي على خصوبة تامة بفعل صيغة زمان الوصل . ومن الضرورة بمكان ملاحظة حروف المد التي تواترت في هذا البيت جادك، يا، زمان التي عمقت معنى امتناع مراد الشاعر وبعد الشقّة التي غدت تفصل بينه وبين زمنه المفقود.
 وتحرزاً مما قد يتبادر إلى الذهن بخصوص اتساع زمان الوصل الماضي، فإن الشاعر لا يدخر وسعاً لنفي هذا الاتساع وحصره اعتماداً على الأداتين لم و إلا مقرونتين ب الحلم، الكرى، خلسة ، وهي ألفاظ تؤكد معنى التناهي في القِصر والتوهّم، علاوة على أن قافية السين في البيتين الأول والثاني (والسين حرف مهموس) قد اضطلعت بوظيفة صوتية عمَّقت معنى الاستراق والاقتناص، فيما أبرزت صيغة المضاف والمضاف إليه ذلك التطابق بين زمان الوصل و خلسة المختلس .
 ويضطلع ظرف الزمان إذ برفع الستارة عن حجرة الذاكرة.. ذاكرة الشاعر، فيعرض لنا في عدد من الأبيات مشاهد من ذلك الزمان المنقضي، الذي كثيراً ما نقَّل خطواته على ما رسمه الناس من أمانٍ متناثرة أفراداً وجماعات، فبدت كما لو أنها وفود توافي موسماً من المواسم. كما أكسب المطرُ الرياضَ التماعاً وبريقاً باسماً، وحكت شقائق النعمان للناظر بحمرتها ونضرتها ما أحدثه ماء السماء في الأرض حتى أنبتها كما روى الإمام مالك عن أبيه أنس.
 ولا يلبث الشاعر أن ينعطف بنا من هذا المشهد النهاري المعلوم إلى مشهد ليلي تكفّلت عتمته بكتمان أسراره لولا ما شعّ فيه من أضواء اللآلئ والعقود التي زانت مقدمة الشعور الفاحمة الحالكة وما هوى فيه من كؤوس تلمع كالنجوم في أيدي الشاربين باتجاه أفواههم في خط مستقيم، مخلّفه نشوة وسعادة لا تحدّ، فيا لها من سعادة طافحة لم يعكّر صفوها إلا قصرها الشديد. وقد عاد لسان الدين مرة أخرى إلى إبراز هذا القِصَر اعتماداً على أداة الحصر سوى ، فيما اضطلع تشديد حرف الراء في الفعل مرّ بتأدية معنى الخطف والسرعة.
 لقد اضطلع حرف السين بوظيفة صوتية عمّقت معنى الاستراق والمداهمة كما هجم الصبح هجوم الحرس ، حين أخذ السرور من الجمع مأخذاً يسيراً، لأن تلك الكؤوس / الشهب غاصت بهم عميقاً، أو لأن زهر النرجس فتن هذا الجمع بعيونه المحدّقة المتلصّصة. ويبدو أن الكلام على النرجس قد استدعى الكلام على الرياض والزهور التي راحت تقتنص الفرص في هذه الرياض محاذرة أن يبصرها النرجس، حتى إذا ساد الهدوء إلى الحد الذي يمكن معه الاستماع إلى صوت انسياب الماء من فوق حصى الجداول وفاء كل حبيب لحبيبه، صار بالوسع رؤية الورد (حقيقة أو مجازاً) بادي الغيرة والضجر حتى راح خده يكتسي لذلك بحمرة شديدة، كما صار بالوسع رؤية الآس (حقيقة أو مجازاً) بكياسته وفطنته وإصغائه لما يقال باعتناء وتحفز، كما لو كان فرساً.
 إن بُعد الزمن الماضي الماتع وفتنته من جهة، وضغط الزمن الحاضر الواقع وقسوته من جهة ثانية، يدفعان بوعي الشاعر إلى جهة ثالثة يفجر من خلالها شكواه ومعاناته الممضة الأليمة، فيتجه عبر أداة النداء يا إلى ما هو أبعد من الأندلس زماناً ومكاناً.. فيبدو لذلك أصغر أهيل الحي ، إنه يستنجد بأهل وادي الغضى في نجد، قبلة المنقطعين والعشاق والمريدين على مر الزمان، وينهي إليهم بلغة صوفية ظاهرة ما بلغه من وَجْد لم يعد رَحْب الفضا يتسع له حتى لم يعد يدري شرقه من غربه، متمنياً عليهم عبثاً أن يعيدوا ذلك الزمن الماتع الذي قد مضى كي يتسنى للعاشق المعنّى أن ينطلق من عقال ما به من قبض وهَمّ شديد سجنه فيه محبوب فاتن العينين حلو الشفاه، استأثر به حتى صار يجري مجرى النفس منه، وحتى إذا استهدفه هذا المحبوب بالذبح (مجازاً) وصوّب نحوه سهام عينيه وسمّى ورمى الذبح الحلال ، قدّم له قلبه هدفاً سهلاً نهبة المفترس . ويلاحظ المرء هنا للمرة الثالثة كيف أن صيغة المضاف والمضاف إليه من جهة وحرف السين المهموس من جهة ثانية قد أدّيا معنى التطابق والسرّية والكتمان (مجال النّفس = نهبة المفترس).
 إن قلب الشاعر، مع ذلك، لا يملّ المعاناة، بل هو يطلبها، بدليل أنه كلما هبّت تلك الريح الأثيرة عند المحبين، ريح الصبا، استعاد أشواقه وجدّدها، مصداقاً لما كُتب على هذا القلب في اللوح المحفوظ (تضمين من القرآن الكريم) منذ الأزل، من عذاب شديد متصل. فهل كان لسان الدين ابن الخطيب يرى بعين مخيلته الشعرية طرفاً من مصيره الفاجع الذي آل إليه؟!.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }