د.هشام غصيب - الفيزياء الحديثة مضمحة بالدوغما والأيديولوجيا والتعصب حتى الثمالة. وقد أدت هذه المثالب، وما تزال تؤدي، دوراً بالغ الخطورة في توجيه الفكر الفيزيائي، وإن كانت آليتا النقد والاختبار تحدان من هذا الدور وتقصّران من أمده.
وهذا في حد ذاته ضرب من التأزم. فالعلم يتباهى بموضوعيته ومطابقته المتنامية للواقع. والمثالب الثلاثة المذكورة تعبّر عن الذاتية في أرذل صورها. وعلى ذلك، فإن هذه المثالب تعد نوعاً من الوباء أو المرض ينخر جسد الفيزياء الحديثة.
وهذا الكلام ينطوي على فكرة أن الفيزياء هي عضوية حية تنمو بفعل تناقضاتها الداخلية والأخرى الخارجية. وهي بالفعل كذلك.
هناك عدد من الأمراض الجلية تنخر جسد الفيزياء الحديثة وتعبّر عن أزمة حقيقية لا بد من محاولة إدراكها والتغلب عليها؛ أزمة لا تتمثل في عجز النظرية في استيعاب عدد من التجارب، كما كانت عليه الحال في أزمة الفيزياء الكلاسيكية في نهاية القرن التاسع عشر، وإنما تتمثل في مآزق فكرية جوهرية وتهافت نظري داخلي. وهناك على الأقل أربعة مواقع تأزم جوهري في الفيزياء الحديثة:.
الواقع الموضوعي
لقد بنت الفيزياء مجدها وخاضت معاركها الضارية مع قوى الظلام والاستبداد على أساس أن هناك واقعاً موضوعيا يمكن معرفته بالأساليب العلمية الإبداعية المتنوعة واستناداً إلى عقلانية علمية مثلت أوج مسيرة العقلانية الفلسفية عبر التاريخ. وعانت الفيزياء ما عانت في سبيل الوصول إلى ذلك وترسيخه في الوعي الجمعي للبشرية.
ومع ذلك، نجد الفيزياء الحديثة، وبكل بساطة واستخفاف، تعمد إلى تخطي مفهوم الواقع الموضوعي والميل إلى نقيه وتغييبه، وكأن قروناً من المعارك الضارية والانتصارات الباهرة مجرد فقاعات فارغة لا تعني شيئاً ولا تساوي شيئاً. فها هوذا نيلزبور يقول إن الفيزياء لا تستطيع أن تنفذ إلى الواقع الموضوعي بحكم منهجها، وإنما تقتصر بالضرورة على الظاهرات.. وكأنه يفتح المجال على مصراعيه أمام السحر والتصوف والفكر الغيبي للعودة بقوة إلى قلب المعرفة والثقافة.
وها هوذا هايزنبرغ يتكلم عن واقع بالقوة (Potential Reality)، فضاء افتراضي من الاحتمالات، تحوله عملية القياس أو المشاهدة إلى واقع فعلي، مكسباً هذه العملية البشرية جداً ملكة خلق العالم من العدم. وها هوذا يوجين فغنر، يليه فولفغانغ باولي، يؤكدان أن العقل أو الوعي شرط من شروط ما يسمى انهيار الدالة الموجية، ومن ثم شرط من شروط الوجود المادي العياني.
وينبري كبار الفيزيائيين الرياضيين، أمثال فون نويمان وديراك، لتدعيم هذه الدوغما الأيديولوجية وهذا التعصب والتحيز ب البراهين والتمثيلات الرياضية. وحين تصدى الأمير لوي دي بروي، مؤسس الميكانيكا الموجية، لهذه التأويلات المثالية الذاتوية بتأويله الموضوعي المسمى الحل المزدوج ، انهالت عليه عصابة كوبنهاغن كالوحوش الكاسرة بالضربات الحاقدة حتى أفلحت في لجمه لمدة خمسة وعشرين عاماًً كاملة.
ولم يجرؤ على استئناف النظر في تأويله والكلام عنه إلا بعد العام 1952، حين جرؤ الفيزيائي الأميركي، ديفد بوم، على نشر تأويل موضوعي شبيه في مجلة (Physical Review) الأميركية الشهيرة، جابه به عصابة كوبنهاغن بفاعلية واقتدار، وإن خرج بوم عن طوره في محاولته التنصل من المفهوم الكلاسيكي للواقع الموضوعي، وكأن الأخير معيب وضرب من الإثم.
والسؤال هو: لماذا لم يعطَ دي بروي، ذلك الفيزيائي الفذ، الفرصة للدفاع عن تأويله وعن مفهوم جهدت الفيزياء طويلاً من أجل ترسيخه؟ كيف لنا أن نفسر تلك الهستيريا التي جوبه بها دي بروي؟ إنها، الدوغما، الأيديولوجيا، التعصب. لقد لاحت الفرصة لدى الثورة المضادة لتوجيه ضربة مؤلمة إلى خاصرة الثورة في عقر دارها، في قلعة العقلانية العلمية، فاقتنصتها بإصرار وحشي، ولم تكن مستعدة للتخلي عنها بسهولة أمام رد الأمير الثوري. وكان عليها أن تمارس الاستبداد الفكري في أحطّ صوره حتى تخلو الساحة لها وتوجه نصل العلم الحاد إلى نحره هو ونحر الثورة.
لا يُنسى في هذا المقام ألبرت آينشتاين ونضاله البطولي ضد عصابة كوبنهاغن دفاعاً عن مفهوم الواقع الموضوعي. لقد أدرك آينشتاين ما معنى التخلي عن هذا المفهوم أو نفيه أو تحييده. لذلك أبى أن يستسلم لعصابة كوبنهاغن وظل يتحداها، وبخاصة زعيمها، نيلر بور، المرة تلو الأخرى.
وتوج هذا النضال البطولي بتجربة آينشتاين/ بودلسكي / روزن (أو EPR)، التي ما تزال تولد التداعيات المهمة في هذا الشأن. وماذا كان رد عصابة كوبنهاغن تجاه عميد فيزياء القرن العشرين؟ الاستخفاف والتهميش ثم العزل. فبدلاً من الإنصات بتركيز لهذا الفيزيائي الفذ، وبدلاً من التعاون معه من أجل رد الاعتبار إلى مفهوم الواقع الموضوعي، جوبه بضراوة شرسة وروج عنه أنه استهلك، وأنه رجعي ما عاد قادراً على استيعاب الجديد، وأن الزمن قد تخطاه، وأنه تحنط وهو حي، وأنه بات يعمل على هامش الجماعة الفيزيائية.
لكن آينشتاين لم يكن وحيداً في موقفه هذا. إذ شاركه ذلك عمالقة آخرون، من مثل ماكس بلانك ولوي دي بروي وإرفن شرودنغر، ثم ديفد بوم وجون بل، وإن خصت العصابة آينشتاين بتركيز خاص وضراوة خاصة لأسباب لا تخفى على أحد.
ولكن، لماذا هذا الإصرار على مفهوم الواقع الموضوعي؟ لماذا نتشبث به بعناد؟ لماذا لا نريد أن نفرط به حتى لو فرطنا بالفيزياء الكلاسيكية؟ لماذا نحن مستعدون للتفريط ببعض الجوانب الجوهرية في الفيزياء الكلاسيكية، لكننا لسنا مستعدين للتفريط بهذا الجانب الأنطولوجي؟.
الممارسة العلمية نفسها تفترض مفهوم الواقع الموضوعي. من ثم فإن التأويلات التي تنفيه وتلغيه وتغيبه تدخل في تناقض تناحري مع الممارسة التي تدعي أنها نتاجها، وكأن هذه الممارسة تدخل نفسها في تناقض داخلي يهدمها ويدمرها من الداخل. إنه نوع من الانتحار الإيبستملوجي.
فالممارسة العلمية تنطوي على العقلانية العلمية. وقوام العقلانية العلمية هو التحقق من وجود الظاهرات، وتحديدها بالكميات الفيزيائية، التي تتحدد بدورها بالرياضيات والقياس الدقيق، وبيان آليات ظهورها، وسيرورة هذا الظهور. وأساسها هو العلاقة الجدلية بين التنظير المرّيض والتجريب الدقيق. وبهذا المعنى، فإن العقلانية العلمية تفترض أن الطبيعة هي نظام فيزيائي يتكون من عدد لامتناهٍ من الأنظمة الفيزيائية التي تتفاعل معاً.
وهذه التفاعلات الداخلية والخارجية هي التي تنتج الظاهرات الطبيعية. وتتوحد هذه الأنظمة الفيزيائية عبر شبكة من الكميات الفيزيائية التي تربطها معاً علاقات متنوعة تحكم تغيراتها. والممارسة العلمية لا مبرر لها ولا معنى من دون هذه الصورة الأنطولوجية للطبيعة وظاهراتها. إن تأويل كوبنهاغن ينسف الأساس الذي تقوم عليه الممارسة العلمية، ويجردها من معناها ومبرر وجودها.
ومن الملاحظ أيضاً أن تأويلات كوبنهاغن، تنطلق من عملية القياس. ولعل ذلك يتم بتأثير الوضعية على الفكر الفيزيائي في الربع الأول من القرن العشرين. فالوضعية تعد القياس محور الممارسة العلمية والمحدد الأكبر لمكونات الخبرة الفيزيائية. لكن تأويل ميكانيك الكم لا ينطلق بالضرورة من القياس. إذ قد ينطلق من النظرية بصفة النظرية المختبرة هي جوهر المعرفة ومحور الممارسة العلمية والمحدد الأكبر للخبرة الفيزيائية. وهذا بالضبط ما فعله ديفد بوم، على الأقل في ورقته التي نشرها العام 1952، والتي دشن بها تأويله الأنطولوجي.
إذ إنه لا ينطلق من عملية قياس الكميات المجهرية، كما يفعل بور وهايزنبرغ تحديداً، وإنما ينطلق من معادلة شرودنغر ويشتق منها معادلتين يؤولهما موضوعياً وسببياً استناداً إلى نظيرتيهما الكلاسيكيتين. بذلك، فإن تأويل ميكانيك الكم ليس بعيداً عن الفلسفة، وإنما يعبّر عنها ويرتبط بها ارتباطاً عضوياً. فلئن كانت تأويلات كوبنهاغن تتأرجح بين المثالية الذاتية والوضعية وتجسدهما، فإن تأويل بوم ربما كان أقرب ما يكون إلى الواقعية النقدية. والمشكلة تكمن في أن تأويلات كوبنهاغن تحاول أن تخفي أرضيتها وافتراضاتها الفلسفية وأن تبين أنها تنبع بالضرورة العلمية من التجارب والأفكار الفيزيائية البحتة.
المعنى الفيزيائي والتمثيل الرياضي
النقطة الجوهرية هنا أنه، في الفيزياء الكلاسيكية، يأتي المعنى الفيزيائي قبل التمثيل الرياضي، ويسبقه منطقياً. لذلك، فإن التمثيل الرياضي يأتي تتويجاً لمسيرة تركيب المعنى الفيزيائي وإتماماً لها. وعلى سبيل المثال، فإن مفهوم القوة النيوتني محدد المعنى الفيزيائي مسبقاً.
إذ ينبع معناه من التصور النيوتني للكون ومبدأ العلية. فهو تعبير عن التفاعل المادي بين الجسمات المادية في المكان والزمان المطلقين. وهو العلة الأساسية للتغيير. وتنبع خصائصه الرياضية ودوره في قوانين الطبيعة والمعادلات الفيزيائية من هذا المعنى تحديداً. وكذلك الحال مع المجالين الكهربائي والمغناطيسي.
فهما محددا المعنى الفيزيائي مسبقاً. إذ تم اكتشافهما وتحديد معناهما قبل صوغ ماكسويل معادلاته التفاضلية المشهورة. فجاءت هذه المعادلات تعبيراً وامتداداً رياضيين لهذا المعنى، بل وتتويجاً وتتمة له. أضف إلى ذلك أن القوانين الكلاسيكية تسبق منطقياً الظاهرات المراد تفسيرها وتشكل قاعدة لهذا التفسير.
ولنقارن ذلك بالكيفية التي ركبت بها ميكانيك الكم. ولنبدأ بالميكانيكا الموجية ومعادلة شرودنغر. من الواضح هنا أن اكتشاف الدالة الموجية وتحديد معناها الفيزيائي لم يسبقا اكتشاف معادلة شرودنغر. فالمعادلة جاءت أولاً، ثم بدأت محاولات اكتشاف معناها وتحديده، تلك المحاولات التي ما تزال مستمرة ومتواصلة حتى هذه اللحظة.
إن التمثيل الرياضي في هذه الحالة يسبق المعنى الفيزيائي، بل ويعطي الانطباع بأنه يحل محله، وكأننا بإزاء فيثاغورية جديدة تؤكد أن المعادلة الرياضية هي الحقيقة الموضوعية الوحيدة. أما الباقي فمحض ذاتية. كذلك، فإن العلاقة بين القانون والظاهرة تنقلب رأساً على عقب, فلا تعود القوانين قاعدة لتفسير الظاهرة، وإنما تغدو الأخيرة ذخيرة، مجرد ذخيرة، لتحديد معنى الآولى.
الشيء نفسه في الميكانيكا المصفوفية لهايزنبرغ ومعادلة دالة فغنر التوزيعية، وهما صياغتان كميتان بديلتان لصياغة شرودنغر. فالمعادلة تأتي أولاً، ثم يبدأ البحث الذي لا ينتهي عن المعنى الفيزيائي. والمشكلة أن هذا التسلسل الفيثاغوري يفتح الباب على مصراعيه أمام التأويلات الذاتية اللاعقلانية. لقد قلبت ميكانيك الكم وتأويلاتها منطق الاكتشاف العلمي والعقلانية العلمية رأساً على عقب معرضة أسمها لخطر منطقي حقيقي.
المبادئ الفيزيائية والرياضية
تتبدى أزمة الفيزياء في أن المبادئ الرياضية حلت محل المبادئ الفيزيائية كلياً تقريباً. لتبيان هذه الفكرة يمكن استعراض مسيرة آينشتاين العلمية. لقد بدأ آينشتاين مسيرته العلمية بالبحث عن مبادئ كونية عامة تحكم الكون وعلائقه وتتمتع بصفتي الثبات والإطلاق. ولم يرتكز في ذلك على الرياضيات والمعادلات الرياضية المعقدة، وإنما إلى نهج جديد في قراءة التجارب المألوفة. هكذا توصل إلى مبدأ النسبية الخاصة، ومبدأ ثبات سرعة الضوء، ومبدأ التكافؤ، ومبدأ النسبية العامة.
وقادته محاولة التوفيق بين هذه المبادئ إلى إعادة النظر في مفهومي المكان والزمان وفي هندسة الزمكان. لكنه، وفي سياق انتقاله من نظرية النسبية الخاصة إلى نظرية النسبية العامة، وقع تحت سحر الرياضيات، وأخذ يتحول من البحث عن المبادئ الفيزيائية الكونية إلى المبادئ الرياضية العامة، فجاءت معادلاته المجالية نتيجة دمج جدلي بديع لجملة من المبادئ الفيزيائية والمبادئ الرياضية العامة. ولكن بعد هذه الذروة البديعة، تنامت النزعة الرياضية لدى آينشتاين بخاصة، وفي الفيزياء النظرية بعامة، حتى طغت تماماً وقادت إلى أن يحل البحث عن المبادئ الرياضية البحتة محل المبادئ الفيزيائية الكونية.
فرأينا آينشتاين يقضي السنوات الثلاثين الأخيرة من عمره بحثاً عن مبادئ هندسية في غاية التجريد من أجل بناء نظرية مجال موحد شاملة تفسر الجاذبية والكهرمغناطيسية والمادة وتحل محل نظريتي الكم والنسبية العامة. هل يعود إخفاقه في ذلك إلى هذا الانزياح في نهجه من الفيزياء إلى الرياضيات؟.
وقد تبين لاحقاً أن هذا الانزياح لم يقتصر على آينشتاين، وإنما كان نزعة عامة عمت الفيزياء النظرية برمتها. ونحن نلحظها اليوم بجلاء في نظرية الخيوط الفائقة ونظرية الجاذبية الكمية. فما هي طبيعة المبادئ التي تحكم هاتين النظريتين، مثل مبادئ التناسق القياسي (Gauge Symmetry) ومبادئ الازدواجية (Duality) والمبدأ الهولوغرافي؟ إنها مبادئ رياضية بحتة مغرقة في التجريد ولا تمس التجربة لا من بعيد ولا من قريب، بعكس المبادئ الفيزيائية، التي سادت الفيزياء في السابق، والتي كانت تتمتع بمعنى فيزيائي جلي مرتبط ارتباطاً وثيقا بالتجربة الفيزيائية. لقد تحول الفيزيائيون النظريون بالفعل إلى مجرد رياضيين تطبيقيين في أحسن الأحوال، وإلى مجرد خبراء في إجراء الحسابات في أسوئها.
تماسك النظرية الفيزيائية الحديثة
لقد كشف تطور النظرية الفيزيائية في القرن العشرين عن إشكال عميق في بنائها، وهو إشكال التماسك المنطقي والانسجام الداخلي في النظرية. وقد تبدى هذا الإشكال أكثر ما تبدى في نظرية المجال الكمي (Quantum Field Theory) في جميع مراحل تطورها. تبدى في الإلكتروديناميكا الكمية. وتصاعد في الديناميكا اللونية الكمية (Quantum Chromodynamics). ووصل أوجه في الجاذبية الكمية (Quantum Gravity).
فهل بلغ تعقيد البناء النظري حداً جعل تحقيق تماسكه المنطقي وانسجامه الداخلي فوق طاقة العقل البشري؟ هل إن العقل البشري قاصر أو محدود في بنيته الداخلية؟ أم إن القصور يكمن في الكون ذاته؟ هل إن هناك فوضى منطقية في قلب الكون تحد من قابليته لأن يكون موضوعاً للتنظير؟ هل ينطبق على الكون ما قاله سارتر عنه في روايته المبكرة، الغثيان (Nausea)؟ إذ أضحى من الصعب جدا بناء نظرية متماسكة غير آيلة للسقوط العفوي تحت وطأة مفارقاتها ولا معقولياتها ولانهائياتها.
يبدأ المرء بمقدمات معقولة ومتماسكة. وما إن يبدأ في التطبيق وإجراء الحسابات حتى تبرز اللانهائيات واللامعقوليات العبثية هنا وهناك. إن النظرية الفيزيائية تبدأ وديعة ومسالمة ومؤدبة. لكنها سرعان ما تجمح بلا حدود وتصفع وتفحش. ولا أحد يدري كيف يضبط هذا الجموح. ولئن استطاع العلماء أن يضبطوا الإلكتروديناميكا الكمية إلى حد ما، وبطرق غير مقنعة تماماً، فقد عجزوا عن فعل ذلك مع بقية النظريات، حتى بالطرق الملتوية التي أتبعوها مع الإلكتروديناميكا الكمية.
ولكم سعدوا وهللوا فرحاً حين ظنوا أن نظرية الخيوط الفائقة تتغلب على مشكلة اللانهائيات في نظرية المجال الكمي. لكن سرعان ما خاب أملهم حين تبين أن هذه النظرية المتماسكة ظاهريا لا تمت بصلة إلى العالم المادي الفعلي.
إنها تصف عدداً لا حصر له من العوالم المتخيلة. ولكن ما فائدة نظرية، مهما تكن متماسكة، لا تمت بصلة إلى العالم العياني الفعلي؟ ثم من برهن على تماسك هذه النظرية؟ لدينا إذاً نظرية لسنا متأكدين من تماسكها ولا تمت بصلة إلى العالم المادي العياني. والتحدي الذي يجابهنا اليوم هو كيف نبني نظرية توحيدية متماسكة تفسر العالم بدقة بجزئياته وأجزائه؟ هل إننا نسير في هذا الاتجاه؟ ليس هناك ما يدل على ذلك. إننا نراوح مكاننا حيث تركنا آينشتاين العام 1955.