التشكيلي حازم الزعبي: لي ارتباط تاريخي وجيني بالمنطقة التي أنتمي لها

التشكيلي حازم الزعبي: لي ارتباط تاريخي وجيني بالمنطقة التي أنتمي لها

سميرة عوض - منذ معرض هانوفر 2002 وأنا أتحين الحوار مع الفنان حازم الزعبي، في ذلك المعرض أدهش الحضور بتوظيفه لتماثيل عين غزال.. وفي معرضه الأخير 2010 طور من أشكالها، ليصبح لها رمزية جديدة في أعمال نحتية وجداريات وأعمال دولاب تعتمد استلهمت الإرث الحضاري للمنطقة باستخدامه كتابات نبطية ودلالات صحراوية مزجت ما بين القديم والحديث من أشكال ومنحوتات مشتقة من مكتشفات أثرية في الأردن حاكها الزعبي ببراعة في خزفياته مبرزا تفاصيل تاريخ المنطقة بطريقة معاصرة وساحرة. حورانا أمتد منذ أول طين أمسكه في حوران أربد.. وصولا لإصراره على الانطلاق من المحلية بوصفها الوصفة السحرية « فتصبح لا تشبه أحدا,....».
 تجولنا في أماكنه المفضلة، وتعرفنا إلى طقسه في التعرف للمدن التي زارها.. كما تعرفنا للمدن التي يحلم بزيارتها... حوار غني بالألوان وبرائحة طين «الوطن».

 المحلية هي امتدادي الجيني

تعمد لاختيار ثيمة خاصة بكل معارضك، غالبا ما تكون مستوحاة من عشقك المكاني للمنطقة.. كيف تختارها.. ولماذا تنطلق من المكان؟

 لأنني أحب إظهار المنطقة بطريقة معاصرة وساحرة، لهذا أبرز تفاصيل الإرث الحضاري لهذه المنطقة بحسب رؤيتي للشكل/ الثيمة في المعرض.. بشكل عام معرضي الأخير - أقيم في جاليري المشرق يعكس علاقتي الفلسفية بالعمل الفني، وأعتبر دائما أن المحلية هي امتدادي الجيني، كوني ابن المنطقة، ولي علاقة بتاريخ المنطقة التي تعيش فيها، أحب أن تكون المحلية جزءا من عملي كونها ارتباط تاريخي وجيني للمنطقة التي أنتمي لها. لا اقصد بقعة معينة، فالعراق، سوريا، لبنان، فلسطين، كلها امتداد لهذه المنطقة، التقسيم الحالي لم يكن موجود سابقا وبالتالي نحن أبناء المنطقة كاملة ولسنا أبناء بقعة معينة، ولهذا كان علي طرح كل الثيمات أو الدلالات واستخدامها بأشكال جديدة وحديثة مستلهما مختلف الطروحات أو الحضارات التي مرت بالمنطقة. فالمصدر واحد، وهذا الطرح جاء ليتناسب مع جماليات معينة، مستوحاة من كل الثيمات الموجودة بالمنطقة.

 وابيت على قراءة الكوني

الفنان حازم الزعبي ماذا يقرأ؟ وهل لما تقرأ ارتباط بالمكان؟

أحب القراءات الروائية والقصصية، وفي فترة سابقة واضبت على قراءة المبدع إبراهيم الكوني لأنه يحكي أحداث ووقائع حدثت -معنا- في السابق، أحداث من واقعنا وثقافتنا ومعيشتنا اليومية، بالإضافة للقراءات الفلسفية، التي اربطها بالمعتقدات القديمة، فتخرج رؤية فنية جديدة.

 البحث عن الدلالات الصحراوية

ربما لأن الكاتب الليبي إبراهيم الكوني يذهب لقراءة الصحراء وأساطيرها.. والصحراء من أماكنك المفضلة؟

 هذا صحيح، فالعالم المشترك بيننا يوحدنا، كما أن بحثنا الدائم عن الدلالات الصحراوية، وقدسية الأشياء وعلاقتي بفلسفة الجمال والخيال إضافة للفن، وبالطاقة ومصادرها وتحولات هذه الطاقة يشدني نحو تفاصيل الإرث الحضاري للمنطقة وتفاصيلها المكانية وتحديدا الصحراوية.

 وكان لها رائحة لا تنسى

مادتك الأساسية هي الطين.. والطين ابن المكان، بل هو المكان بعينه..
كيف هي علاقتك بالطين؟.
الطين يريحني في عملي، هناك علاقة مادية بين الطين والإنسان، فالإنسان يحس بتكوينه المادي من هذه التربة/ الطين، كما أن البيوت في السابق كانت من الطين، وكان لها رائحة لا تنسى، كذلك الحارات والبيوت القديمة تظل تسكن في الذاكرة، وما يسكن في الذاكرة الأولى لا ينسى، لذا ارتاح كثيرا في التعامل مع مادة الطين.

 أول طينة أمسكتها في اربد

متى أمسكت بالطين لأول مرة.. وأين؟ وماذا تمنيت وقتها؟

كنت في طفولتي في اربد امسك الطين الصخري «الحثان»، أو «الحور»، من السهل تشكيله، أول طينة أمسكتها كانت جميلة في الشغل، كنت وقتها في عمر 10-12 سنة، ومن هناك بدأت احلم بنحت أشكال آدمية وحيوانية وهذا الحلم كان يراودني وما كان بعيد عني..

 الطين يمنحنا التوازن

يرى خبراء الفونغ شوي، وأنصار العودة للطبيعة.. أن الطين يمنح الإنسان التوازن.. فما حال الفنان؟؟.
هذا صحيح.. فالتعامل المادي وغير المادي مع الطين، وما نسميه الطاقة/ الروح يمنحنا التوازن، وهذا التوازن مسالة مهمة جدا في حياتنا، إذا اعتبرنا أنفسنا جزء من التكوين المادي عبر استمراريتها ووجودها، ومع وضع جزء من الطاقة والحياة فيها، فبدون طاقة الفنان -في القطعة الفنية- لا تكون القطعة عمل فني مكتمل ذو حضور.
 
البحث عن البعد الثالث

لهذا تعمد لإضفاء الملمس الخشن على سطوح أعمالك الفنية في إطار منح المتلقي فرصة التواصل مع الطبيعة؟.

 ربما. لأن علاقتي بالنحت أقدم من الخزف، فأنا عادة ابحث عن البعد الثالث أو البعد المفقود، ليصبح هذا البعد مرئيا، أو أتعمد إحداث سطوح جديدة، عبر البحث عن إحداث شيء غير مألوف بالعمل الفني..

 انك لا تشبه أحدا

ماذا عن علاقتك بتماثيل عين غزال، التي كانت أيقونة إحدى المهرجانات المسرحية، كيف أعدت توظيفها؟.

 منذ عام 2000 ولغاية اليوم اعمل عليها، أحاول خلق شيء جديد منها، لأنني أردت الانطلاق من المحلية، وهذا يعني انك تصبح لا تشبه أحدا,.... إلى الآن عملت أشكالا حديثة ومختلفة منها، وظفت أشياء جديدة منها ومعها... طورت من أشكالها ليصبح لها رمزية جديدة... لا اعرف إلى أين سأصل... لكنني مستمتع بعمل شيء مستلهم من تاريخي ومن جذوري... وتماثيل عين غزال الثمان والعشرين المكتشفة في الأردن بوصفها أقدم الدلالات على وجود حياة بشرية في العالم بدأت العمل بها في معرض هانوفر ، وكذلك في معرضي الأخير هذا العام.

 لا انسى اربد ووديانها

ماذا لو تحدثنا عن مكانك الأول.. أربد.. كيف ترى طفولتك فيها؟

إربد لم تعد مثلما كانت، بساطة اربد، والعلاقات الاجتماعية التي كانت تميزها، كان أهل اربد كأنهم عائلة واحدة، ومع التطور، تغيرت اربد. خرجت من اربد 1976 للدراسة في بغداد، لكنني لا انسى اربد ووديانها، تجمعات المياه فيها، كيف كنا نختلق أنواع متعددة من الألعاب، منها «الزحاليق» التي نصل عبرها إلى الوادي، وعندما أقول اربد.. أقصد اربد المدينة ومحيطها... وحقيقة أنا الآن أتألم كلما ذهبت إلى اربد.. كونها تغيرت..
أختفت سهول القمح.. وطيور الدراج... اربد الآن بالشوارع المحفرة والبنيان المزدحم... حتى الرائحة -رائحة اربد- اختلفت.. اربد الآن حزينة..

 كانت بغداد مدينة مذهلة

أذن بغداد هي أول السفر... كيف وجدتها آنذاك..؟

نعم أول السفر كان إلى بغداد.. كانت بغداد مدينة مذهلة، فيها بساطة وجمال لا يوصف، مشهورة بمتاحفها العراقية الغنية، حتى أكاديمية الفنون -حيث درست- بسيطة، أساتذتها كانوا بسطاء رغم أنهم عباقرة، بغداد فيها الحضارة والمدنية، ومع ذلك تلمس فيها البساطة أيضا، كان من السهل العيش فيها، كل المدن الآن تفتقد بساطتها وجمالها..

 أماكن تشدني لسحرها..

أي الأماكن الأردنية اقرب إلى نفسك؟

أحب الأماكن الأردنية كلها..إلا أن أم قيس «بتجنن»، كما أن الحمة، الأزرق، وادي رم، فينان، وضانا، أماكن جميلة جدا تشدني لسحرها....

 دمشق.. بيروت.. الدوحة..

وأي المدن تمنحك الراحة.. وأنت الذي تنقلت كثيرا مع مشاركاتك الفنية؟

أكثر ما كنت اشعر بالراحة -عدا عمان- في دمشق، وفي بيروت أيضا، فهناك في تفاعل بين العمل الفني والناس... وكذلك في الدوحة/ قطر.. فهي مدن قريبة من عمان.. والإحساس بالراحة يختلف من مدينة لمدينة وليس فقط من دولة لدولة.. ولهذا في بقية المعارض، في واشنطن على سبيل المثال، أرسلت القطع الفنية لكنني لم أذهب لزيارتها...

 أحب الفضاءات الجديدة

لنعد لفكرة الترحال وكيف ترى إلى السفر؟

 وماذا عن علاقتك بالصحراء والبحر؟. السفر يغني الفنان، السفر حرية، وليس مسألة محصورة، أتمنى أن أتمكن من أن أسافر بدون الحواجز الحدودية التي أتمنى أن تذوب من حياتنا.... أماكني المفضلة الصحراء والبحر.
الصحراء بسبب الفضاءات الشاسعة، وبسبب عدم الاكتظاظ السكاني ، وأنا أحب الفراغ والمساحة.
كما أنني أحب جو البحر، ولكن ليس لفترة طويلة، و أحب عادات أهل البحر. أحب الصفاء الروحي للصحراء، والبحر أميل للعلاقات الإنسانية، والمسألتان مختلفتان.... ذلك أنني أميل للتغيير، أحب الفضاءات الجديدة في حياتي، اعتبر الحياة مجمل جوائز تبدأ بنقطة، فإذا كنت أنا النقطة... فأن أتعامل بإنسانيتي مع المكان...

 كل المدن أبتسمت لي

وأي المدن أبتسمت في وجهك.. وأيها لم تمنحك ابتسامتها؟.

كل المدن أبتسمت لي.. ما مدينة زرتها لم تبتسم لي، لا اذكر مدينة لم ارتح بها ولها.. لكل مكان منها جانب مشرق، وهذا ما أراه... حتى في عمان أو اربد، فإذا لم أجد مكانا مريحا في اربد ابحث عنه في الذاكرة الجميلة للمدينة.. لنا في كل مدينة أصدقاء. وماذا عن طقوسك في التعرف على المدينة التي تزورها للمرة الأولى؟. أتعرف أليها من كل شيء... أبدأ بالقطار أو المترو أو الباص، ازور الأماكن العامة مثل المقاهي، والشوارع والمعالم الحضارية فيها... ونحن كفنانين لنا في كل مدينة أصدقاء، وبالتالي تعتبر الزيارة رحلة إلى مكان معروف من خلال صداقاتك ومعارفك الذين يعرفونك -بدورهم- على المدينة بشكل أفضل، وللعلم مجتمع الفنانين متداخل ولا يوجد حواجز بينهم...

 لهذا أحب الشرق

وما المكان الذي تحلم بزيارته؟

أنا لا احلم... أنا أريد زيارة الهند.. فقد زرت الكثير من المدن...
والآن أحب تغيير الاتجاه، أحب الذهاب إلى الهند التي لها علاقة بالطبيعة، كما أحب زيارة التبت، وكذلك جنوب أمريكا.. وهي أماكن غنية بالثقافة، وحتى بالطاقة الخاصة، وكثير من الأشياء والاماكن أحبها من الطاقة الخاصة بها، لهذا أحب الشرق بسبب طاقته العالية..... أن تكون موهوبا في الأصل. إذا تحدثنا عن الدراسة والتدريس.. كدارس ومدرس..
كمكانة ومكان واحد يضمك في الحالين.. ماذا تقول وأنت تدرس الفن الآن وهل تصنع الدراسة «فنانا»؟. أمارس تدريس الفن... ولكن إلى أي مدى يمكن تدريس مدرسة فكرية أكثر منها مهنية؟ وجودي الآن في الجامعة لتعليم بعض التقنيات لطلابي، والاهم تقديم النموذج الصحيح لهم.. وهذا يعني أن تكون موهوبا في الأصل, و أن تكون فنانا ناجحا فأنت قدوة لهم... وهذا هو الأهم... وشخصيا أعتز بأستاذتي في جامعة بغداد.. ومنهم إسماعيل فتاح، سعد شاكر، فائق حسن، واعتبرهم قدوة لي، لكن تظل المسألة محكومة بعلاقتك بالفن، ولهذا ظلت علاقتي بهم متواصلة وصاروا أصدقائي، المسألة روحانية أكثر مما هي مادية...

 النقد في معظمه عشوائي

وماذا عن النقد الفني.. هل يرتقي بمستوى الحراك الفني التشكيلي؟

المشكلة عادة تكمن بجهل الجانب الآخر، الجهل بالتقنيات الفنية، النقد في معظمه تقييم عشوائي غير مدروس، معظم النقاد يجتهدون في النقد، وقلة منهم دارسين للنقد الفني، ولكنهم -للأسف-لا يكتبون لتحفيز الفنان، أو لإنصافه، والكتابة النقدية فيها مزاجية وعلاقات «مصلحية»، لها حساباتها.
 
لا عمل فني يكتمل

متى تنتهي من العمل في «القطعة الفنية»؟
 
لا عمل فني يكتمل، فكونك إنسان محترف وتعتبر أن الفن هو هدفك، فلن يكون هناك عمل فني مكتمل، إذ أن «العمل» علاقة داخلية، قابلة للتطور والإضافة في كل لحظة، العمل هو جزئية من كلية، فكيف يكتمل الكلي والجزء غير مكتمل..
 
مقاطع من السيرة

الفنان حازم الزعبي من مواليد مدينة اربد العام 1957، تخرج من أكاديمية الفنون الجميلة/ بغداد العام 1982، عضو رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، وصار رئيس رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين عام 1993، شارك بمعظم معارض رابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، له العديد من المعارض الشخصية والمشتركة في كل من الأردن، الكويت، اسبانيا ، الولايات المتحدة، فرنسا، تونس، سوريا، مصر، لبنان، الإمارات، اليابان، وايطاليا. نال جائزة اليونسكو للإبداع الفني عام 1994. ويعمل حاليا محاضرا متفرغا في كلية الفنون بالجامعة الأردنية منذ العام 2004.