السينما العربية.. التقنيات والأصالة

السينما العربية.. التقنيات والأصالة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 15-1-2010
No Image
السينما العربية.. التقنيات والأصالة

عدنان مدانات - لا يتأثر الإبداع الأدبي الروائي، وعلى العكس مما هي عليه حال الإبداع السينمائي، بتطور تقنيات طباعة الكتاب. فبالنسبة للأدب الروائي، فإن الإبداع المكتوب والتقنيات الطباعية أمران لا يشترط أحدهما الآخر، رغم أن تقنيات الطباعة المتطورة تؤمّن للكتاب نوعية شكلية أفضل، وإمكانيات توزيعية باتت غير مسبوقة، خصوصاً بعد أن صارت قادرة على أن تستفيد من إمكانيات الكمبيوتر والاتصالات الحديثة عبر الإنترنت.
 وبالنسبة للسينما، فإن الإبداع والتقنيات أمران متلازمان، فالإبداع السينمائي جزء لا يتجزأ من الإبداع التقني، لأنه قام عليه وبفضله. جزء أساس من وجود الإبداع السينمائي هو نتيجة أجهزة متطورة تنفذ عمليات فيزيائية وكيميائية، وأخيراً إلكترونية. إن استيعاب هذه التقنيات المتنوعة والسيطرة عليها والإبداع في استخدامها أمر لا مناص منه من أجل تحقيق فيلم ناجح.
 وفي السنوات الأخيرة تطورت التقنيات إلى درجة باتت تقربها من أعمال السحر. وصار امتلاكها يشكل حلماً لسينمائيي العالم، خصوصاً سينمائيو العالم الثالث، والسينمائيون العرب من ضمنهم، الحالمين بإبراز مواهبهم العبقرية، الطامحين لتحقيق أفلام تنافس أفلام أقوى الصناعات السينمائية الكبيرة، ويتركز الحلم في العادة حول التقنيات الحديثة المعقدة التي تستخدم كاميرات ومعدات تصوير ذات قدرات غير عادية، إضافة إلى التقنيات الرقمية المتطورة القادرة على إنجاز المؤثرات السمعية والبصرية المبهرة.
 ويشكل العجز الموضوعي عن امتلاك هذه التقنيات بتكاليفها وخبراتها وخبرائها، حجة بالنسبة للسينمائيين العرب تبرر الإنجازات دون المستوى المأمول للأفلام التي يحققونها. بالمقابل، هناك تقنيات أخرى مهمة، أكثر بساطة وأقل كلفة، ولا يشكل امتلاكها أية صعوبة.. تقنيات صغيرة، لكنها، إن لم تؤخذ في الحسبان، فسيعجز الفيلم عن تقديم صورة صادقة مقنعة مؤثرة، حتى ولو استُخدمت في الفيلم تقنيات متطورة. هذه التقنيات الصغيرة وبعضها بدائي مستخدَم منذ زمن طفولة السينما، تبقى الأساس الأول الذي يشيد فوقه معمار الفيلم، وامتلاكها وامتلاك وتراكم خبرات استخدامها وتوفر خبراء متخصصين في مجالها أمر لا مناص منه، ويشكل المهمة الأولى الملقاة على عاتق المبدعين.
 بعض هذه التقنيات يتعلق بالمهارة والدقة الحرفية بما يؤدي إلى المصداقية والإقناع والتأثير، وبعضها الآخر يتعلق بالمنجز الفني التعبيري والجمالي. وفي الواقع فإن جزءاً من أزمة العديد من الأفلام العربية في مجال الاستحواذ على عقول المشاهدين ومشاعرهم ينتج عن تجاهل هذه التقنيات الصغيرة التي تشكل ألف باء فن وحرفيات صناعة الفيلم.
 بالنسبة لصناعة السينما في دول العالم الثالث عموماً والدول العربية خصوصاً، فقد كانت التقنيات وحتى توفر إمكانية اقتنائها، مشكلة حقيقية منذ البداية. فالتقنيات كانت أمراً جديداً مستورداً بالكامل، على العاملين في صناعة الفيلم أن يتعرفوا عليها، وأن يتعلموا كيفية استخدامها وأن يتدربوا عليها كثيرا كي يكتسبوا، على الأقل، الخبرات الحرفية الأولية اللازمة لصناعة الفيلم، وذلك حتى قبل أن يتمكنوا من إتقان استعمالها من أجل الوصول إلى منجز فني وتجسيد حالة إبداعية.
 ومن البديهي في مثل هذه الأوضاع، أن تتسبب قلة الخبرة في التعامل مع التقنيات، إضافة إلى شح التجهيزات التقنية، في إضعاف المستوى الفني ومن ثم الإبداعي للأفلام. وقد شكّل هذا الواقع على الدوام عنصراً من عناصر الأزمة البنيوية للسينما في العالم الثالث، والسينما العربية من ضمنها، في مستوياتها الفنية والإبداعية، وهي أزمة لم تقتصر على البدايات، بل استمرت عبر مراحل تطور هذه السينما وصولاً إلى الزمن الحاضر الذي بدأت هذه الأزمة تتعمق وتتخذ أبعاداً جديدة فيه، مع دخول صناعة الفيلم مرحلة السينما الرقمية، ذلك أن الحديث عن التقنيات السينمائية بات يتطلب تقسيمها إلى قسمين. يمثّل الأول التقنيات الأولية الضرورية لصناعة الفيلم والمهارات الحرفية الملازمة لها، ثل الاستخدام السليم للإضاءة وتسجيل الأصوات وهندسة الديكور والمناظر والمكياج والأزياء وغير ذلك من عناصر تشكل أركاناً أساسيةً من تقنيات الفيلم، ناهيك عن التقنيات الخاصة بالإبداع بحد ذاته من حيث تقنيات كتابة نصوص السيناريو والإخراج والتمثيل والمونتاج، وغير ذلك من النواحي التي تعتمد على المهارات والخبرات الشخصية.
 أما القسم الثاني من التقنيات الواجب التعامل معها وإتقان استخدامها، فيجسد الحاجة إلى مستوى أرقى من التعامل مع الجوانب التقنية الأكثر تعقيداً وتنوعاً، وقدرة أكثر على تأمين المتطلبات الإنتاجية الكافية، إضافة إلى الحاجة إلى المزيد من المهارات والخبرات الفنية الشخصية، وهذا القسم هو ما يمكن إدراجه تحت بند شامل هو «المؤثرات والخدع البصرية».
 وبالنسبة للسينما العربية، فإن المشكلة الأساسية التي تجابهها السينما العربية من الناحية التقنية، هي الحاجة إلى المزيد من امتلاك التقنيات واكتساب الخبرات المتطورة اللازمة لصناعة الفيلم. وفي هذا المجال تحديداً، يبدو أن السينما العربية المعاصرة قد قطعت شوطاً كبيراً في اتجاه اكتساب المهارات الحرفية اللازمة.
 وقد عكس هذا الأمر نفسه عبر تحسُّن المستويات الحرفية والفنية الإبداعية للأفلام العربية الحديثة التي يحققها المخرجون العرب الشبان في أقطارهم كافة، وصولاً إلى نوعيات فيلمية تجسد حالة إبداعية حقيقية تعتمد على طموح وجرأة المخرجين على خوض غمار التجريب والتحديث والاستفادة من أحدث المنجزات التقنية، خصوصاً التقنيات الإلكترونية، حيث صار العديد من المخرجين يستخدمون أكثر فأكثر هذه التقنيات.
 أما التقنيات المعاصرة المرتبطة بصناعة الأفلام ضخمة الإنتاج، التي تعتمد على المؤثرات البصرية، فتبقى مشكلة حقيقية بالنسبة للسينما العربية، وذلك لأسباب متعددة. وهنا تجدر ملاحظة أن هذه التقنيات المتطورة والمؤسسة وفق كلفة إنتاجية باهظة جداً كما هو الأمر عليه في صناعة السينما الأميركية، تتسبب أيضاً في أزمة حقيقية حتى بالنسبة للسينما في البلدان الرأسمالية الأوروبية التي توجد فيها صناعة سينمائية متطورة، مثل فرنسا وبريطانيا وألمانيا وإيطاليا، والتي تعجز عن تأمين الميزانيات الضخمة التي تفي بمتطلبات الأفلام كتلك التي تنتجها شركات الإنتاج السينمائية العملاقة في هوليوود والتي تتيح للمخرجين في أميركا إمكانيات هائلة. وكنموذج، فإن الموازنة التي خصصت للفيلم الأميركي «تايتانيك» موازنة مستحيلة بالنسبة للسينما الأوروبية.
 لا يتعلق الأمر فقط بما خُصص من أموال لإنتاج الفيلم، بل يشمل أيضاً الأموال التي خُصصت للصرف على الحملة الدعائية لفيلم «تايتانيك»، والتي بلغت ستين مليون دولار حسبما أُعلن في حينه، وهذا مبلغ يفوق كثيراً الأموال التي يمكن تخصيصها في أوروبا لإنتاج فيلم، حتى لو كان من النوع الضخم الإنتاج. والمبلغ المصروف على الدعاية يُصرف عادة على إنتاج أفلام سينمائية أوروبية ناجحة عدة. وفي أحيان كثيرة تلجأ شركات إنتاج الأفلام الأوروبية إلى صيغة الإنتاج المشترك ما بينها لتأمين الأموال اللازمة.
 تعكس هذه المشكلة التقنية نفسها في جانب آخر، هو أن الإبهار التقني المتوفر في الأفلام الأميركية وما يُصرف عليه من أموال، استثمار مالي ناجح لنه يتسبب في زيادة جماهيريتها عالمياً، وهي جماهيرية واسعة أصلاً، تستفيد من القدرة التوزيعية للشركات الأميركية المهيمنة على معظم صالات وقنوات العرض في أرجاء العالم، بما يؤدي إلى انتشارها وبالتالي هيمنتها على الأسواق السينمائية، بما في ذلك الأسواق السينمائية في الدول الأوروبية، ومنها فرنسا التي انطلقت منها السينما في العالم في أواخر القرن التاسع عشر والتي توجد فيها تقاليد وخبرات سينمائية عالية الجودة.
 فإذا كانت الحال على هذا النحو بالنسبة للسينما الأوربية المتطورة صناعياً، فإنها ستكون أكثر صعوبة وتعقيداً وتأزماً بالنسبة للسينما في العالم العربي، والتي ما تزال تعدّ سينما فقيرة من حيث الإمكانيات الإنتاجية، وشديدة الضعف من حيث الإمكانيات التوزيعية، ليس فقط عالمياً، بل حتى داخل الدول العربية (باستثناء السينما المصرية)، ومتدربة من حيث اكتساب الخبرات التي تسمح لها باستخدام التقنيات اللازمة لصناعة الأفلام التي تزداد تطوراً وبتسارع شديد، يوماً إثر يوم، مما يجعل من إمكانية اللحاق بالإنجازات التقنية الحديثة المرتبطة بحلول عصر الكمبيوتر ودخول السينما في مجاله أمراً في غاية الصعوبة، خصوصاً في ظل غياب الإمكانيات المالية الملائمة.
 تباشير عصر السينما الرقمية تضع صانعي الأفلام العرب أمام إشكالية مزدوجة، ترتبط باستمرار الحاجة إلى التعامل مع التقنيات التقليدية، وبأن التقنيات الرقمية التي ألغت الكثير من وسائل التقنيات القديمة مثل شريط السليلويد وما يترتب عليه من عمليات طبع وتحميض وغيرها، لم تلغِ بالمقابل الحاجة إلى إتقان بقية التقنيات المرتبطة بصناعة الفيلم التقليدية. ومن ناحية ثانية فما تزال ثمة حاجة لاكتساب الخبرة في التعامل مع التقنيات الرقمية، خصوصاً أن شروط العرض الجماهيري التجاري في صالات السينما العامة ما تزال محكومة بتقنيات العرض التقليدية التي تستوجب تحويل الفيلم المصور من حالته الرقمية إلى شريط السليلويد من مقاس 35، أي أن التقنيات الرقمية حلّت جزئياً الكثير من إشكاليات تنفيذ الفيلم، لكنها ما تزال بحاجة إلى مواءمة نفسها مع تقنيات العرض التقليدية.
 السؤال الإضافي المطروح أمام السينما العربية المعاصرة: كيف يتسنى لها أن تبني العلاقة المرجوة مع جمهورها بما يشجعها على النمو والاستمرار في النمو؟ على مستوى صناعة السينما العربية ككل، يمكن القول إن الإجابة عن هذا السؤال تفترض الحاجة إلى حل منظومة من الإشكاليات المرتبطة بتأسيس متين للبنية التحتية لصناعة السينما، بما فيها تأسيس شبكة توزيع وعرض ملائمة. وأما على مستوى صناعة الفيلم بوصفه منتجاً فنياً إبداعياً، فإنه علينا أن نجد الجواب انطلاقاً من خصوصية فن الفيلم من حيث هو يقوم على عناصر عدة، أهمّها رغم كل شيء، فن قص الحكاية، ذلك أنه بالنسبة للغالبية العظمى من مشاهدي الأفلام، فإن أساس ما يجذبهم في الفيلم هو الحكاية المحتوية على عناصر التشويق بكل أنواعه والقدرة على إثارة العواطف والانفعالات، سواء منها المضحكة أو المحزنة، ومن الواضح أن الإبهار التقني وحده والمستند إلى المؤثرات البصرية، لا يدوم تأثيره طويلاً، إذ يصبح مع الزمن أمراً معتاداً ويفقد بريقه وتأثيره في المشاهد، في حين أن القص المشوق يلقى استجابة دائمة من الناس.

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }