د.سليمان الأزرعي - أنهيت دراستي الثانوية وأنا غير محبّ للتاريخ، لكثرة ما تتطلبه تلك المادة من حفظ للتواريخ والأرقام والأسماء والأماكن التي كنت أضيق بها. وظل التاريخ بالنسبة إليّ مادة ثقيلة ضاغطة، إلى أن أصبحتُ طالباً في كلية الآداب بجامعة دمشق.
ورغم أن التاريخ لم يكن بالنسبة لي مادة اختصاص، لكنه متطلب كلية، إلا أن موقفي من التاريخ لم يتغيّر، إلى أن قادتني المصادفة لدراسة هذا المتطلب على يد أستاذ سأظل أذكره بالخير وهو المرحوم د.أنور الرفاعي الذي درّسنا كتابه الموسوم بعنوان «الإنسان العربي والتاريخ» -سأظل أذكر هذا العنوان- الذي قدّم لنا التاريخ على أنه تاريخ إنسان، وتاريخ مجتمع، وتاريخ تحوّلات.
وعلى يد ذلك الأستاذ الكبير، المؤرخ والفيلسوف أحببت التاريخ. لا بل عشقته وتغير موقفي من هذه المادّة منذ ذلك الزمن.. لقد علمني الرفاعي أن التاريخ إنما هو ليس تاريخ معارك وزحوفات واجتياحات وقادة ومقاتلين! كان يشير دائماً إلى القوانين الديالكتيكية الكبرى المتحكمة بمصائر البشر، والتي تحكم ميول وتوجهات الكتل البشرية، بما يحدد الانتصارات والهزائم وظهور الشروط الموضوعية لولادة الظاهرة القومية أو الطبقية أو الشرائحية الاجتماعية، وليس الأمر عائداً للتفكير الاستراتيجي أو المنهجية القتالية لهذا الجنرال أو الطاغية أو ذاك ممن عرفهم تاريخ البشرية القديم والحديث وممن عجت بهم وبأسمائهم وبـ»مآثرهم» كتب التاريخ الكلاسيكي.
منذ ذلك الزمن، بات التاريخ واحداً من مشاغلي، وبتّ عاشقاً لذلك النوع من الكتابة التاريخية. وأصبحت منهجية أستاذي الرفاعي تشكل بالنسبة لي حالة معيارية للتعامل مع كتابة التاريخ وأحبها كلما تقاربت من تلك المنهجية. بات التاريخ بالنسبة لي تاريخ إنسان وتاريخ مجتمع، وتاريخ تحوّلات وتاريخ ولادة الظواهر وتاريخ موتها وتواريها من الوجود، بحكم انتفاء الركائز والأسباب الموضوعية التي تشكل بناءً تحتياً يحمي استمراريتها ويضمن بقاءها.
أمام هذا الفهم النوعي والمختلف للتاريخ، لم تعد الأرقام والأسماء والمواقع بالنسبة لي شاغلاً مزعجاً. حيث باتت كل الكتابات التاريخية التي تذهب في هذا الاتجاه موطن عشق وهوس بالنسبة لي..
وأعترف هنا أنني مع كتابات د.رؤوف أبو جابر «تاريخ شرقي الأردن واقتصاده خلال القرن التاسع عشر ومنتصف العشرين»، ألتقي وجهاً لوجه مع ذلك النوع الذي أحبه وأحترمه في كتابة التاريخ، خصوصاً أنه يتناول حقبة مهمة من تاريخ بلدي، لم تُكتب على هذا النحو من قبل، وبهذا العمق الذي يتوقف عند رصد الحركات الكليّة للإنسان، التي تعبّر عنها الأنماط السلوكية الإيجابية أو السلبية للكتل البشرية..
هنا يُسجَّل لأبي جابر أول ملامح التميّز له في كتابته للتاريخ.. فالعنوان الجريء الذي حمله الكتاب مؤشرٌ صريحٌ وشجاعٌ في آن، يكشف عن فهمه العميق والمتقدم للتاريخ، على أنه تاريخ مجتمع وتاريخ إنسان وتاريخ تحوّلات اجتماعية أساسها اقتصادي.
ولو كنّا أمام دراسة كلاسيكية ويمتلك صاحبها منظوراً تقليدياً، لوجدنا أنفسنا أمام كتابين مستقلين: الأول يتناول تاريخ الأردن السياسي ويتابع النشأة والتطور عبر الوقائع والمحطات التاريخية التقليدية المعروفة، والثاني يدرس التطور الاقتصادي لهذا البلد المؤرَّخ له.. وستكون -بكل بساطة- أمام كتابين كبيرين يتكون كل منهما مما لا يقل عن أربعمائة صفحة. ذلك أن كتاب أبي جابر في ما جاء عليه قد وقع في ما يقارب سبعمائة وخمسين صفحة من القطع الكبير.. وسنكون آنذاك أمام كتابين: الأول تاريخي والثاني اقتصادي، لكنهما ضمن الفهم الكلاسيكي للتاريخ سيكونان مستقلين.
إذن، يُسجَّل هنا للمؤرخ أبي جابر فهمه الديالكتيكي العميق لتلك الترابطية الجدلية القائمة بين الحراك الاجتماعي والاقتصاد، المحرك الأساس في كل تلك العمليات الاجتماعية التي تؤشّر للتحولات الكبرى.
لم تحظَ الحروب بما فيها محطتا الحربين العظميين؛ العالمية الأولى والعالمية الثانية، من الإضاءة والتركيز مثلما حظيت به المحطات التي تشير إلى التحولات الاقتصادية التي تفضي بدورها إلى التحولات الاجتماعية وتحقق بالضرورة، التقدم الاجتماعي.
لقد بدأ أبو جابر مشروعه التاريخي في مراقبة اقتصاديات الديار الأردنية منذ بدية القرن السادس عشر أثناء حكم المماليك. وتابع ذلك ليتوقف عند الملمح الاقتصادي الرئيس في الحقبة التي تلت، وهو قافلة الحج الشامي السنوي التي راحت تنطلق موسمياً منذ العام 1850، ويستدعي انطلاقها -باستمرار- تأمين الاستقرار والأمن وضمان حماية مسيرة القافلة التي تعبر -موسمياً- الديار الأردنية.
مثل ذلك الأمن والاستقرار، خلق مهمات مدنية للقبائل البدوية، جعلها ترتبط مصلحياً بموضوعة الاستقرار، وجعل الأمن بحدّ ذاته -ضمان للاستمرار الموسمي للقافلة- همّاً قبائلياً كفيلاً باستمرار تدفق الموارد والأعطيات التركية لشيوخ القبائل. الأمر الذي أفضى إلى استقرار نسبي يتطور باطراد، ويضمن تطوراً للزراعة والعمران وضمان فرض الهيمنة العثمانية على مختلف مراحل طريق الحج الشامي، بما في ذلك بلاد الكرك.
وقد تحسَّنَ الناتج العام للديار الأردنية بأثر تلك العمليات الاقتصادية الاجتماعية المتبادلة والمترابطة، لتأتي بعد ذلك الخطوة الحاسمة في حياة الشرق أردنيين، وهي بناء سكة حديد الحجاز ما بين 1900-1914، السنة الأولى من الحرب الكونية العظمى، التي امتدت إلى العام 1918، وتداعيات تلك السنوات وما تخللها من تدابير تركت انعكاسها على مختلف مناحي حياة الناس، كإعلان السلطان العثماني النفير العام (السفربرلك)، وغيرها من تدابير -مضادة للعرب وبلادهم- سرّعت في اندلاع أكبر حركة قومية عربية حتى حينه، وهي الثورة العربية الكبرى، التي بدأت بالزحف من الجزيرة شمالاً نحو دمشق، لتقيم عهداً قصيراً من الحكم الفيصلي لا يتعدى السنوات القليلة تلاها بعد ذلك فرض الانتداب الفرنسي على سوريا وإنهاء الحقبة الفيصلية ومجيء الأمير عبدالله بن الحسين العام 1921 إلى شرق الأردن وتأسيس نواة الدولة العصرية الجديدة. حيث شهدت الإمارة ما بين الأعوام 1921-1946 أضخم التحولات الاقتصادية الاجتماعية الناتجة عن استتباب الأمن وسيادة الحكومة المركزية والقوانين، وبسط نفوذ الدولة على سائر أنحاء البلاد.
وفي هذه الأثناء يراقب أبو جابر تلك التحولات الاقتصادية الحاسمة التي شهدها المجتمع الأردني بنتيجة الاستقرار. كما يرصد أثر ما سمي «الكوتا» أو «الكوتاوية» التي تعني الحصة المخصصة من قيادة الحلفاء في القاهرة للأردن من النقد الأجنبي أو البضائع التي كان لا بدّ لها من تجار رسميين مسجلين ووكلاء للاستيراد. وما تتطلبه تلك المهمة من فتح اعتمادات بالبنوك أدى إلى ترسيخ التقاليد التجارية التي ظهرت جلية ابتداءً من العام 1940، حيث ازدهرت التجارة وانتعش الاقتصاد الوطني.
وفي مثل هذه المحطات، يلتفت أبو جابر إلى رؤية مغايرة لبعض القوى الاجتماعية التي كانت تنظر بارتياب لموضوعة الكوتا التي كان شاعر مثل «عرار» المعبّر الصادق عن وجدانها وفهمها الخاص لما يجري.. فيورد أبو جابر مقاطع من شعر عرار الخاص بفهمه المختلف عن فهم الاقتصادي المؤرخ أو المؤرخ الاقتصادي لموضوعة الكوتا، التي لم يكن يستفيد منها سوى تجار عمان وأهلها:
يا بنتَ وادي الشتا صرّت جنادبه
ورجّعت جلهتاه الغرّ ألحاني
فلا عليك إذا أقريتني لبناً
وقلت خبزتنا من قمح حورانِ
وليحيا لدجر والكوتا وطغمتها
في ظل دوحٍ من اللّذات فينانِ.
وأبو جابر يؤكد في كل موقف كهذا نزعته كمؤرخ اجتماعي يقرأ التاريخ من الإنسان ويكشف عن التفاعلات المتبادلة بين الانسان والتاريخ. وهذه ميزة فضلى. وهي النكهة المميزة للمؤرخ الذي ينعتق من أسر التاريخ، فلا يعود عبداً لأرقامه ومروياته، بما يمتحن معطياته في ضوء انعكاسات تلك المعطيات على الأفراد والكتل الاجتماعية واستقبالها لها رفضاً أو موافقة.
ورغم تباين أشكال القراءات الاجتماعية للظاهرة الواحدة، إلا أن «أبا جابر» لا يفقد بوصلته كاقتصادي ومؤرخ، فيظل خط سير التقدم الاجتماعي شاغله الحقيقي بحكم كونه وأسرته العريقة واحداً من أبرز الاقتصاديين الأردنيين الذين أسهموا في النهضة الاقتصادية للديار الأردنية، ليس فقط في عهد إمارة شرقي الأردن، ولا في عهد المملكة الأردنية الهاشمية وحسب، وإنما منذ قرون قبل ذلك التاريخ.
في كتابه، لا ينسى د.رؤوف أبو جابر أن يؤرخ إلى أبرز الظواهر التنظيمية الاقتصادية في الأردن، كغرف التجارة والصناعة التي كان من روادها وقادتها، والمجالس البلدية والنقابات المهنية وغيرها من التنظيمات التي تعدّ مؤشرات واضحة لتقدم مؤسسات المجتمع المدني والمجتمع عموماً. ولا ينسى أبو جابر الإشارة إلى أبرز المواقف القومية المبكرة التي اتسمت بها تلك الصيغ التنظيمية من شعور وطني وقومي مبكر عبّرت عنه -مثلاً- غرفة تجارة عمان التي اتخذت في 25 أيلول 1929 قراراً بـ»مقاطعة مادة الإسمنت - ماركة النسر، كونها من صناعات العدو، وإسناد مهمة تأمين الإسمنت للحاجة المحلية إلى السيد زكي الإدلبي، بشرط أن يتبرع بمصاريف السفر لعدم وجود دراهم بالغرفة تؤمن النفقات لهذه الغاية»! تصوروا هذا القرار. وتصوروا تاريخه المبكر قبل أن يولد فلاسفة مقاومة التطبيع ومنظّروها.
هذه الوقائع التي يؤرخ لها أبو جابر هي التي تعيدني إلى ما بدأت به من حديث عن التاريخ، وعن الإنسان العربي والتاريخ. وبما يذكرني بأستاذي الرفاعي الذي حبب لي هذا النوع من الكتابة التاريخية.
ولأعترف هنا بأن هذا السفر الكبير ليس هو الكتاب الأول الذي يجمعني بأبي جابر. فقد سبق وقرأت له في التاريخ الاجتماعي الأردني كتابين قبل هذا الكتاب، وهما «قصة عائلة» (مطابع الدستور التجارية، عمان، 2004)، و»آل البشارات» (دار ورد، عمان، 2008). رغم أن الكتابين يحملان اسمي عائلتين (الجوابرة والبشارات)، إلا أنهما ليسا كتابين في الأنساب كما يوحي به العنوانان.. إنهما قصتا كفاح عشيرتين أردنيتين أسهمتا وبشكل رياديّ مبكر في النهضة الاقتصادية الوطنية وفي بناء الدولة العصرية الحديثة.. إنهما قصتا شعب ووطن، وملحمتا تقدُّم وكفاح نبيل من أجل الازدهار ورفعة الوطن والشعب..
الفصل التاسع من كتاب أبي جابر الذي نحن بصدده، والذي ركز فيه على موضوع النهضة الاقتصادية في الخمسينيات وعهد الملك طلال والملك الحسين، هو من أغنى الفصول ومن أكثرها اعترافاً بالفضل وحفظاً لأهله..
ففي هذا الفصل يستذكر أبو جابر روّاد النهضة الاقتصادية الحقيقيين الذين شكلوا في مجموعهم مدرسة أردنية ما تزال إلى اليوم مضرب مثل في الوفاء والوطنية والفكر والريادة ونظافة اليد والجيب والطويّة.
في هذا الفصل يشير أبو جابر إلى مجموعة من الشبان الأردنيين من حمَلة الشهادات المبكرين، ومن ذوي المواقف الوطنية النظيفة الذين أتيح لهم أن يشغلوا مناصب مؤثرة في إدارات الدولة، ويعكسوا أمانتهم وإخلاصهم على مؤسساتهم إضافة إلى مهنيتهم وبُعْد نظرهم القومي.. وهم الذين استطاعوا أن يحلّوا محل الخبراء البريطانيين، وأثبتوا أن الإنسان الأردني قادرٌ على البناء وعلى العطاء وتحقيق التقدم بمعزل عن الوصاية الأجنبية.
ترد في هذا الفصل أسماء: سليمان السكر، هاني غنما، صلاح أبو زيد، زكي القسوس، جميل المعشر، غالب الصناع، سعد التل، زياد عناب، يعقوب عويس، وصفي التل، حمد الفرحان، خليل السالم، عبدالوهاب المجالي، توفيق البطارسة، مريود التل، وليد الدرة وغيرهم.. وأخيراً «علي الخصاونة» الذي أصدر كتاباً مرّاً أسماه «غرباء في بلادهم» أعرب فيه عن التجربة المرّة لهذا الفريق وهذا الجيل الرائد الذي كتب قصة النجاح الأردنية بعرقه وخبرته ووفائه ومهنيته وتخطيطه ومتابعته الوفية.
ولا ينسى أبو جابر أن يتوقف عند كل الظواهر والمرافق الأردنية التي شكلت القسمات البارزة للدولة العصرية الأردنية، كالمقاهي والصحف والمعامل والمصانع ودور السينما والشركات وفروعها ونشاطاتها وإنجازاتها. حيث تتم كل هذه الإنجازات في مناخ من الجرأة وشجاعة القيادة والثقة بالنفس وبسلامة المسيرة، وبالتواصل الشجاع ما بين الأردني وقيادته.
ويلتفت المؤلف إلى عبارة ثبتت في أول دليل هواتف أردني صدر العام 1946 نصها: «من يود التشرف بمحادثة حضرة صاحب الجلالة الملك المعظم عليه أن يطلب أحد أرقام المقسم الملكي العالي وهي: 1، 2، 143، 306، 314»!..
إن كتاب أبي جابر -بحق- هو كتاب تاريخ وطن وتاريخ إنسان وتاريخ مجتمع، وقصة نجاح ساهم بها الأردنيون الرواد كلٌّ من موقعه، وأعترف ثانية أنني أحب هذا النوع من الكتابات التاريخية، متمنياً لصاحبها الاستمرار والمزيد من التقدم، ومتمنياً على الجهات الثقافية الأهلية والرسمية إشاعة هذا النوع الرائع من كتابة التاريخ الأردني..