ترجمة رديئة لرواية جيدة .. «رباعية الإسكندرية» و«سمكة من ذهب» نموذجين

ترجمة رديئة لرواية جيدة .. «رباعية الإسكندرية» و«سمكة من ذهب» نموذجين

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 8-1-2010
No Image
ترجمة رديئة لرواية جيدة .. «رباعية الإسكندرية» و«سمكة من ذهب» نموذجين

صبحي فحماوي - تطرق الحديث في جلسة أدبية إلى التنسيق العربي في ترجمة الكتب، كي لا تتم ترجمة كتاب في الأردن، يكون نفسه مترجما في سورية أو مصر أو تونس مثلا، بل يستفاد من هذا الجهد في ترجمة كتاب جيد آخر.. فأدليت بدلوي قائلا: لكن، لا تعفي ترجمة كتاب في دولة من أن يترجم مرة أخرى، إذا كانت الترجمة السابقة غير مستوفية الشروط، أو ترجمة سيئة، وعندها فإن إعادة الترجمة تصبح ضرورية، بهدف تصحيح خطيئة سابقة .
وضربت مثالا على ذلك ترجمة د.فخري لبيب لرواية لورانس داريل رباعية الإسكندرية ، التي تقع في أربعة أجزاء منفصلة، قرأت جزأين منها -صادرين عن دار سعاد الصباح- كانا من أسوأ ما قرأت من تراجم. وللتدليل على ذلك، أورد بعض الأخطاء الواردة في صفحة 22 وما بعدها، من الجزء الثاني من الرواية، والمعنون: بلتازار :
- ليلقى بشيء ما في المياه، والصحيح ليلقي ..
- إعطها للطفلة والصحيح أعطها للطفلة..
- في القائمة التي عنوتها، والصحيح عنونتها ..
- كانت مجبرة على إستخدامك ، والصحيح استخدامك ..
- كيف يمكنني أن خلص نفسي من هذه البغي بين المدن، بحرها صحراؤها مآذنها، رمالها وبحرها؟ والصحيح أخلص نفسي.. صحرائها.. وهنا يكرر كلمة بحرها مرتين في الجملة نفسها.
وهكذا، تستمر عملية تحطيم القواعد العربية وجماليات اللغة، تحت مسمى ترجمة ، بشكل لا يمكن وصف الأمر معه سوى أنه مهزلة ، ذلك لأن المهزلة تضحك، وأما هذه الترجمة الرخيصة فتشعرك بالغثيان!.
وأضفت قائلا في ذلك الحوار: بالمقابل، فإن ترجمة د.سلمى الخضراء الجيوسي للجزأين نفسيهما الصادرين من سورية، ترقى إلى مستوى الترجمة الممتازة.. لهذا، نحن القراء الكتاب -إذا جازت التسمية- ندعو لرقابة دقيقة على بلاغة لغة التراجم، ودقة قواعدها العربية، وأمانتها في عدم حذف جمل أو فقرات من الكتاب لأهداف غير معينة، في الوقت نفسه الذي نطالب بعدم ازدواجية الترجمة في الدول العربية.
الذي دفعني لكتابة هذه المقالة، شعوري أن هذه المأساة اللغوية متفشية في كثير من الروايات والآداب المترجمة إلى العربية، خصوصا بعد أن انتهيت مؤخرا من قراءة ترجمة رواية سمكة من ذهب ل جان لوكليزيو، الحائز على جائزة نوبل للآداب العام 2008، والتي ترجمها عماد موعد، وصدرت عن وزارة الثقافة العربية السورية. وفي هذه الترجمة تقرأ العجب العجاب، وتستغرب كيف قبلت وزارة الثقافة أن تضع اسمها وشعارها على مثل هذه الترجمة الرخيصة، لتلك الرواية الجميلة.
وكي لا أصيب القارئ بالغثيان الذي أصابني، أوجز قصة الرواية الرائعة، التي تعلمت منها أن أكتب ببساطة كتابة لوكليزيو، الذي لا يتفلسف ولا يعرض عضلاته الأدبية لإبراز أساليب السرد المتشظي والحداثي وما بعد الحداثي ، والحديث يطول، لكنه يسرد قصة رواية بسيطة، ويقدمها متسلسلة بالترتيب الزمني كما هي، من دون أقنعة، فلا تخف ولا غموض لشخصيات الرواية. ولا يبدأ معك من حدث درامي أو من نهاية الحدث، كي يشدك، ثم يسرد الرواية من بدايتها، إلى أن توصلك إلى النهاية، كما عودتنا الأفلام الأميركية التي نشاهدها وهي تبدأ من حدث مفاجئ في منتصف الرواية، أو في نهايتها، ثم تبدأ تسرد لك الأحداث من البداية، أو من جوانب متعددة.
تتلخص رواية لوكليزيو سمكة من ذهب ، في قصة طفلة مغربية لا يعرف اسمها، يختطفها اللصوص من جنوب المغرب، ويبيعونها لامرأة يهودية عجوز اسمها لالا سلمى ، في شمال المغرب، حيث تعمل الطفلة خادمة لها، وتسميها ليلى . ولكن ليلى تتعرض لتعذيب وحشي من زهرة ابنة العجور واعتداء اغتصاب من عبل ، زوج ابنة لالا سلمى، فتضطر الطفلة للهرب إلى السوق، حيث لا يستقبلها سوى ماخور لنساء ساقطات، فيشفقن عليها ويؤوينها، ثم تهرب مع إحداهن وهي الحامل حورية إلى إسبانيا ثم فرنسا في ظروف قاسية ومرعبة، فيسرن ليلا مسافات في الغابات على الثلوج. وفي فرنسا تناضل كل منهما للبقاء، ولو في سراديب تحت الأرض.
تضطر ليلى لمرافقة السود والعرب والغجر المشردين من شرطة فرنسا.. وبظروف عجيبة تحصل على جواز سفر فرنسي، يهديها إياه عجوز إفريقي مسلم، تموت حفيدته مريم ، فتصير ليلى -التي تشبه مريم في سوادها، وكلهن متشابهات- بجواز مريم الميتة ، هي مريم العائشة ، وبهذا الجواز تسافر مريم إلى أميركا ببرنامج التبادل الثقافي، ومن هناك تعود لتشارك في حفل موسيقي في جنوب فرنسا، لتقرر العودة بجواز سفرها الفرنسي من هناك إلى جنوب المغرب، حيث تتعرف على أمها العجوز الساذجة، القاعدة في العراء على الدرب بلا مبالاة، تنتظر الريح وغبار الصحراء المتعفر، الذي يحمل لها مع ما يحمل، ابنتها المسروقة.
تنتهي الرواية، لكن الموضوع لا ينتهي، إذ إن المترجم قدم لنا سمكة من ذهب ، لكنه شوه الذهب في مشغل الصائغ، إذ مزجه بأنواع من المعادن الصدئة المغشوشة الرخيصة.
وإليك بعض هذه الخطايا وليست الأخطاء:
- في صفحة 53 وما بعدها يكتب: حتى أنها كنت تقدم لي المزيد من الطعام ، كنت أفاجىء بنظراته إلى ساقي ، ارتسمت حول عيونها دوائر زرقاء ، كان بعيون خضراء، عيناه مثل عينا الرجل ، كان يبدو لي أكثر أقصرا ، لم أكن أستطع التعود ، كان طويلا ببشرة داكنة وبحواجب سوداء ، لم يكون يدعوه نونو ، أطفال يملأون بيدونات بلاستيكية ، ارتديت ثوبا أسودا .. هذه نماذج من الأخطاء القواعدية التي تشوه الصفحات أينما ذهبت!.
أما عن جماليات اللغة، وبلاغة العبارات، وتراكيب الجمل، فنقرأ في صفحة 61 وما بعدها: هنا في تبريكة كان هناك جوع طوال الوقت ، جعلاني أنتظر لساعة طويلة (بدل قوله: لساعات طوال، أو: جعلاني أنتظر طويلا)، إذ لا توجد ساعة طويلة وساعة قصيرة! ثم قوله: أكد لك بالتأكيد ليس لدي وقت ، بدل أن يقول: أؤكد لك أنه ليس لدي وقت ، واللون القرمزي يملىء كل الصالة ... ناهيك عن خطئه القواعدي يملىء ، فالذي يملأ الصالة قد يكون ماء أو هواء أو حشدا من الحضور، وليست ألوان الجدران هي التي تملأ الصالة. وبعدها يقول: سمعتهم وهم يتكلمان عني . ثم تقرأ: هؤلاء الذي كنت التقيت بهم.. .
لولا جمالية نص الرواية الأصلي، ورغبتي بمتابعة قصة الرواية التي تصور عالما مغربيا مدهشا من الفقر والبؤس والضياع والتشرد وسرقات كل شيء، حتى الأطفال من أحضان أمهاتهم، والعنف والعهر الاجتماعي، الذي يضطر النساء قبل الرجال إلى الهجرة القسرية، وركوب موج البحر القاتل في كثير من الأحيان مع المهربين بالقوارب غير القانونية، وغير الآمنة، إلى أوروبا وبئس المصير، لما استطعت أن أستمر في متابعة هذه السباحة في مياه ملوثة!.
الأسوأ في ترجمة هذه الرواية، هو ترك الكلمات الأجنبية -وهي هنا إنجليزية- كما هي، بكلماتها وعباراتها وحروفها الأجنبية، وهذه الكلمات ليست واحدة أو اثنتين، بل تستطيع أن تقرأ سطورا عدة كعبارة واحدة باللغة الإنجليزية، مدونة كما هي، رغم أن لغتنا العربية الجميلة تستطيع استيعاب ترجمة اللغات الأجنبية، حتى لو كتبت كلمة كمبيوتر بحروف عربية هكذا كما أكتبها، فقد يقبل ذلك، لكن الاستهتار بالترجمة لا يوصل المرء إلى إلصاقها كما هي بحروف إنجليزية، وإلى أن تطرز أسطر إنجليزية عدة في فقرة واحدة من هذا النوع!.
إذا قبلت وزارة الثقافة هذه الترجمة من الإنجليزية إلى الإنجليزية، فأين هي الترجمة إذن؟ وهل يترجم الإنجليز أو الألمان رواياتنا العربية بحروف عربية؟ هذا إذا ترجموا!.
المصيبة أن الأخطاء في هذه الرواية أصابت حتى الأسماء العربية، فاسم لالا أسمى ، كان يتكرر كثيرا، مرة على شكل أسمى ، ومرات على شكل أسما .. فما هي هذه الأسما التي سميتها أيها المترجم العتيد؟.
يبقى القول إن الروائي الفرنسي جان لوكليزيو، الذي عدته الأوساط الصهيونية مشبوها على غرار جان جينيه، بعد نشره جزءا من روايته نجمة تائهة في مجلة دراسات فلسطينية ، متناولا فيها المراحل الأولى من تشكل المخيم الفلسطيني، هو الروائي الذي أصدر مع زوجته جيما ذات الأصل الصحراوي المغربي، كتاب أناس الغمام ليرويا فيه حكاية رحلتهما في الصحراء الغربية. يقول لوكليزيو حسب ما هو مدون في مقدمة هذه الرواية: كنت أذهب نحو المجهول، فيما كانت جيما تعود نحو ماضيها .
المحزن أننا لا نجد الكثير من الكتب المترجمة مثل بقية خلق الله من الأجانب، الذين يؤلفون ويترجمون معظم الكتب الأجنبية القيمة، لكننا حينما نقع على كتاب مترجم، أو رواية فائقة الجمال والإدهاش مثل سمكة من ذهب ، فإننا نكتشف أن صدأ الترجمة قد أتى عليها وأكلها!.
[email protected]

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }