يفترض مفهوم «الأزمة» نفسه التسليم بأن ثمة مسيرة ما عرفت اطرادا في حركتها الايجابية الفاعلة وألوانا من النجاح الملموس، وانها اعتراها، بعد ذلك، وهن، او اصابها ضعف ينتظر منها تجاوزه.
واذا نحن بسطنا هذا الافتراض الضمني على واقع العمل الاسلامي، سواء أكان تربويا ثقافيا ام خيريا اجتماعيا، ام سياسيا حزبيا، فإن مما يقتضيه ذلك تقرير ان هناك انجازات حققها العمل الاسلامي في هذه المضامير كلها، وأن المسلمين كانوا قد استجابوا بقدر ملحوظ من التوفيق لتحديات واقعهم الثقافي، والاجتماعي، والسياسي، وانهم الان امام واقع متغير سريع الايقاع، يتطلب جهودا أبعد مدى، وأعمق اثرا، واكثر نجاعة في مواجهة الوقائع المتجددة والاخطار المحدقة، وان امام نخبهم المفكرة مهمات صعبة حقا، وجهادا متصلا، وضروبا مختلفة من التخطيط، آنيا كان او بعيد المدى، وان من طبائع الاشياء ان يكون مع ذلك كله - وازاء ذلك كله - التلدد، والحيرة، و«الازمة» التي ينظر في كيفيات دفعها الناظرون.
ثم اننا نتناول «الأزمة» هنا بصفتها حالة يمكن تجاوزها، ولعل ذلك ان يكون هو مسوغ البحث فيها، وفي اسبابها الموضوعية وسبل الخروج منها، وما يتصل بذلك جملة من انظار.
ولقد يحسن منا التنبه ابتداء الى تعدد مناحي العمل الاسلامي، والى تكثر ساحاته واشكاله وجوانبه، والى انتشاره الواسع في أرجاء الارض، الأمر الذي يصعب معه وجود «إدارة» موحدة له، أو إدارة مركزية ترسم له اهدافه، وتحدد له مناهج تحقيقها.
كما لا بد من التنبه ايضا الى ان الكثرة الكاثرة من الناشطين في العمل الاسلامي في اوروبا واميركا وشرق اسيا انما يبتعثهم الى ذلك ايمانهم الذاتي وحماستهم الفردية، دون ان يكونوا قد انضووا الى جمعيات او احزاب او هيئات، ودون ان تكون لهم قيادة تعنى بادارة اعمالهم او بتوجيهها على نحو أو اخر. فاذا زدنا على ما تقدم ذكره ان العمل الاسلامي لا يسلك بحر عالمنا المعاصر رهوا، وان الرياح لا تأتيه رخاء حيث اصاب، وانه يتحرك في المسموح به من الشعاب، وفي أطر تتيحها قوانين الدول التي يعيش المسلمون بين ظهرانيها، فإن بنا ان نقول ان الحديث عن ادارة مركزية ناجحة اقرب شيء الى الحديث عن تجربة امبريقية (مختبرية) في قلب إعصار شديد. اي انه - باختصار - حديث خرافة، وأن علينا ان نستبدل به الحديث عما يمكن تسميته «تكثر الادارات» في مشارق الارض ومغاربها، حيث يكون المسلمون ادرى بشؤون دنياهم التي يعيشون والاحوال التي يواجهون، واعلم بما يبدئون ويعيدون من هذه الشؤون.
ان قصارى ما يمكن ابتغاؤه من هذه الادارات المتكثرة (المتزايدة باستمرار) هو التنسيق الامثل فيما بينها، وان تتوافق على خدمة مقاصد الاسلام، فإن يكن شيء وراء ذلك، مما يوجبه الدين من نصرة في الملمات، وتداع في الجائحات، واصطفاف في الايام الحاسمات، فإن السبيل اليه هو حسن التأتي، وان يؤخذ باحكام الولاية، وبقاعدة ان «لا ضرر ولا ضرار»، وان لا يدفع المسلمون الى المعاطب في عالم تأتمر قواه المتسلطة بهم، ولا تريد ان ترى على ظهر البسيطة من الموحدين ديارا.
ان ازمة الادارة في العمل الاسلامي هي - فيما ننتهي اليه - انعكاس طبيعي لأزمة الوجود الاسلامي في دنيا يقلق جلاوزتها المستعمرين ان يخرج الناس من الظلمات الى النور، ومن عبودية العباد الى حرية الايمان وكرامة الانسان، كما انها دليل حياة وحضور لا موات ودثور، وباعث عزيمة حذاء لا تقاعس فيها ولا استخذاء، وليس يتم لذلك تمامه الا بأن يكون «العقل» هو مفتتحه وختامه، وهو أساسه الراسخ والعميق..