فصول من رواية «العتبات..» للكاتب مفلح العدوان الحلقة (7)

فصول من رواية «العتبات..» للكاتب مفلح العدوان الحلقة (7)

الرسوم للفنان حسين دعسة


اشارة لكل عتبة حياتها السرية، مثلما لكل فكرة ارض تناجيها وتنبت عليها.. هذه حكاية من حكايات ''بوح القرى'' السامقه.
جاءت بعد حراك أزال لبس توثيق الحياة الاجتماعية في القرية الاردنية والعربية عموما، وهو المناخ الذي تتيحه محاولات البوح المتتالية التي يترصدها الكاتب مفلح العدوان، بذهول وصدمة وجدل لا ينتهي ومن أرض البوح.. كان لهذه الفصول لحظة ميلاد ربما تعود الى ثلاث سنوات خلت.. فكانت الرواية وتلك الرؤى الجمالية التي تؤثث صمت النيام رغم الصهللة على عتبات البوح!
ثمة قصص، وحكايات، وأساطير، وموروث شعبي ثري يسكن القرى، ويواطنها كجزء أساسي من بنيتها، مشكلا حالة تتوحد مع ذاكرة الإنسان والمكان هناك.
وقد كان لـ''بوح القرى'' اجتهاد في محاولة تتبع مسار التصريح بما ظهر، وما خفي، من موروث تلك القرى، في سبيل تدوينه، وتوثيقه، وتهيئته ليكون جزء من ''موسوعة القرية الأردنية''.
والآن.. وبعد ثلاث سنوات على ميلاد هذا المشروع، تتهيأ مادة مهمة، فيها نسيج معلوماتي ومعرفي، يشكل مدونة يمكن أن تعبر عن جوانب من التحولات التي طرأت على القرى، في كل الجوانب السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية فيها، كان يصرح بها على ألسنة أهل تلك القرى على هيئة سرديات مختلفة، بحسب واقع حال كل قرية، غير أنها في مساحة كبيرة منها، هناك قواسم مشتركة تتداخل فيها مفاهيم البادية، مع أنماط معيشة الريف، بموازاة الزحف الهادئ نحو ملامح المدينة.
وهكذا فقد توافرت لدى ''بوح القرى'' مادة لكتابة مخطوط رواية تمزج الواقع بالمتخيل، وترصد ما تيسر من تلك التحولات انطلاقا من هاجس الترحال وضرورة الاستقرار لأهل تلك القرى الذين تتوزع ذاكرتهم بين ثلاث عتبات هي؛ عتبة الخيمة، وعتبة الكهف، وعتبة بيت الحجر.
وهذه المدونة الروائية (....) ستكون الفاتحة للتفاعل بين ''بوح القرى'' وبين القارئ/المتلقي، لاستقبال أية مداخلات حول التحولات الاجتماعية الشعبية والانسانية في القرى الأردنية، إضافة إلى ما يتراكم حولها من تغيرات ثقافية، واقتصادية، وسياسية، في سبيل ترسيخ إضافة نوعية جديدة تتزامن مع الانفتاح المعرفي الذي انطلقت من اجله ''موسوعة القرية الأردنية''.
هنا مخطوط يقرأ بثلاث دروب، وأزمنة ثلاثة، وبعناوين موسومة بثلاثة ترقيمات مختلفة، هي العربية، والهندية، واللاتينية، لكنها، أحيانا، تتوازى أحداثها، وقد تتداخل، ولسوف تلتقي كلها عند نقطة واحدة، كي يلتئم شمل السرد.. ويستقر بوح العتبات..





الدواج يكمل المسيرة

كان يختبر القصة في عيونهم، وأكمل بوحه كأنه كان غائبا في تلك الكهوف وعاد فجأة اليهم: أنتم لا تعرفون الجدة نجمة، ولا تتخيلون كم هي نورانية الحضور، كأنها من بقايا الأنبياء الذين حبانا ببعض أثرهم الله، وكانت تجد حلا لأية مشكلة تواجهنا..
كانت تقول دائما: النقاء الذي في قلوبنا هو الذي يبقينا على الحياة، وكلما قل هذا النور الداخلي اقتربنا من نهايتنا.
وكنا دائما نحاول ملامسة عمق الصمت كي يتوهج النور أكثر، كي تبرق الحياة في داخلنا، ولذا فالصمت كان غالبا على مزاج قريتي، و''أم العرقان'' كلها صمت، وحديث الناس فيها كان بأقل الكلمات.
الجدة انتبهت الينا عندما وجدتنا حائرين، وكنا نتشاور قريبا من نبع الماء.
اقتربت فاستبشرنا حلا..
تقوقعت أمام المجرى الذي تخرج منه المياه لنستقي ونسقي اغنامنا..
قالت:الحيرة تدمي الروح..وأنتم تتلعثمون بالدماء الآن.
التزمنا الصمت، بعد أن صدمتنا كلماتها:ماذا يعني ان نتلعثم بالدماء؟
كل واحد منا صار يتخيل نفسه بأنه لو تلفظ حرفا واحدا سينزف، وسينثر قطرات من دمه مع كل كلمة ينطق بها، واذا ثرثرنا أكثر سوف تتحول مياه النبع الى لون أحمر من كثرة الدماء التي نثرثرها.
أكملت الجدة: عندما تحتارون الجأوا لنقاء أرواحكم، واصمتوا، كي يزداد نور يقينكم..لا تتحدثوا..واعتزلوا بعضكم..
لم تتوقف عن الكلام، وقد كانت غابت عنا اياما بعد أن وضع الوراق شرطه، عقبة امام العزيز:اقتدوا بنبع القرية، فماءه ليس من هنا، لكنه منا ولنا.
تأملنا الماء..
وكنا كأننا نراه أول مرة..
كأننا نتعارف عليه بعد غربة طويلة، رغم أنه بيننا قبل أن تبدأ ''أم العرقان'' دورتها معنا، وكان وعينا به يحجب عنا تفكرنا بمصدره وبمنتهاه.
قبل أن تبتعد قالت كلمتها الفصل:انقلوا حجارتكم من منبع مائكم!! ومضت..
وأشرق الجواب على وجوهنا..
مشينا في ذات اللحظة الى ''سامتا''..هناك مصدر النبع.
***
عندما حكى الدواج قصته لأهل ''سامتا'' بقوا مشدودين لتفاصيلها الى أن بدأ سرد لحظة قدوم اهل ''ام العرقان'' اليهم لينقلوا الحجارة من القرية..
ما ان وصل عند هذه النقطة بالذات حتى صار أهل القرية يروون الحكاية بدقة وتفاصيل أكثر من الدواج : في البدء كان الاعتراض هو الرد على طلب يعد أغرب من الخيال..
كيف لعاقل أن يصدق أن تأتي قرية بأكملها لتستعير حجرا، بينما هي بكل تفاصيلها وبمعنى اسمها صخرية المعالم، وكثيرة الحجارة؟!
أحس أهل ''سامتا'' أن جيرانهم في ''أم العرقان'' يهزأون بهم..
شعروا بنوع من الفتنة، يقترب منهم، فأغلقوا أبوابهم بوجه القادمين اليهم، ولم تحل المعضلة الا عندما كتب الوراق لهم رسالة مررها مع احد الثقاة احتوت تفاصيل القصة ومحتوى عقد الزواج الذي كان شرطه أن يبنى العزيز بيت الله، وحجرة العروسين، من حجارة غير تلك التي لوثتها ذاكرة الناس في ''ام العرقان''.
وقال في رسالته أيضا ان الغرض من هذا مبارك، مقدس، فيه تقرب من الله، وجمع لارواح اثنين تحت مظلة حجارة ''سامتا''.
قرئت الرسالة على القرية..
استبشر أهلها خيرا..
وبعثوا مرسالا لا يحمل رسالة بل حجرا، ألقاها أمام أهل ''ام العرقان''، وعاد الى قريته، فقامت الأفراح، وغنى الشباب، وزغردت النساء، وحمل كل اهل ''ام العرقان'' معاولهم متجهين الى ''سامتا'' كي يحضروا الحجارة، متباركين بها، ليضعوها بأيديهم في أساسات بيت الله وحجرة العروسين.
***
يكمل الدواج الحكاية: كان فرحا شارك فيه أهل القريتين.
وكان كرنفالا لم تشهد القرى مثله أبدا..
وألفت عليه الأغاني، وصارت لهذه المناسبة أناشيد تحكى في الأعراس.
آنذاك..كان لا يرى في الدرب المنحدر من سامتا الى ام العرقان الا بعيرا يحمل حجارة، أو دابة تسير ببطء وصخرة على ظهرها، وبعض من الرجال كان يحمل الحجارة على كتفه ويسير بها، بينما الأطفال كانوا فرحين بهذه اللعبة الجديدة؛ يختارون الحجارة الصغيرة ويحملونها، الى أن يصلوا الى أعلى المرتفع، ثم يدحرجونها، ويتسابقون معها، وهم مبتهجين..
بعد أول مشوار لنقل الحجارة شكر الوراق أهل القريتين..
تكلم كأنه يعتذر منهم لهذا التغيير الذي اضطرهم للخوض فيه انصياعا لشرطه..
تكلم بعد ذلك مقترحا عليهم أن يتقاسموا العمل بينهم..
فسر أكثر كلامه هذا موضحا بأنه سيكون أجدى وأكثر سهولة وراحة؛ لو أن بعضهم يوصل الحجارة الى منتصف المسافة بين القريتين، والبعض الآخر يكمل نقل تلك الحجارة، ثم تبدأ جماعة قليلة منهم ببناء البيت اختصارا للوقت والجهد.
رحبوا جميعا بمشورته..
أكبروا فيه هذا الاقتراح، ومن كثرة اعجابهم برأيه قال بعضهم أنه لولا تلك الأوراق التي عكف كل عمره وهو يقلبها ما توصل الى هذا الخيار.
وفق هذا النظام الجديد تابعوا عملهم..
استمر نقل الحجارة عشرة أيام..وبعد شهر كان بيت الله وحجرة العروسين تغلفهما مهابة وفرحا تحت مظلة الزغاريد احتفالا بزفاف شفق والعزيز.
وحدها سعدى من كانت ترقص وتفكر في حالها بعد أن ينتهي العرس..ترقص.. تهز خصرها أمام الحاضرين، وكلما وصلت الى الجهة التي توازي كهف أبيها كانت تجتاها غصة تنتقص فرحها.
لكل عتبة حياتها السرية، مثلما لكل فكرة ارض تناجيها وتنبت عليها.. هذه حكاية من حكايات ''بوح القرى'' السامقه.
جاءت بعد حراك أزال لبس توثيق الحياة الاجتماعية في القرية الاردنية والعربية عموما، وهو المناخ الذي تتيحه محاولات البوح المتتالية التي يترصدها الكاتب مفلح العدوان، بذهول وصدمة وجدل لا ينتهي ومن أرض البوح.. كان لهذه الفصول لحظة ميلاد ربما تعود الى ثلاث سنوات خلت.. فكانت الرواية وتلك الرؤى الجمالية التي تؤثث صمت النيام رغم الصهللة على عتبات البوح! حسين دعسة
هنا مخطوط يقرأ بثلاث دروب، وأزمنة ثلاثة، وبعناوين موسومة بثلاثة ترقيمات مختلفة، هي العربية، والهندية، واللاتينية، لكنها، أحيانا، تتوازى أحداثها، وقد تتداخل، ولسوف تلتقي كلها عند نقطة واحدة، كي يلتئم شمل السرد.. ويستقر بوح العتبات..

الخيال الغائب

بدأت تظهر ملامح البيوت من بعيد..
المنحدر وبرغم صعوبته الا أن مواطىء القدم صارت واضحة، وراسخة، ، كأنه مرصوف بالحجارة في درب ضيق يؤدي الى البيوت البعيدة أسفل تجمع الكهوف التي بقيت تحاذي الجهة اليسرى من مسيري، وانتبهت الى أنني لم أصادف أحدا منذ نزولي باتجاه ام العرقان..
راودتني هذه الملاحظة عندما لمحت أمام احد الكهوف رجلا يجلس بملابس بيضاء أمام البوابة، وأمامه رحى يحركها بعزم من دون أن يلقمها حبوبا، وكأنه يطحن الهواء، تمعنت مخمنا أن يكون امرأة لا رجلا من يمارس عملية الطحن هذه، لكنه كان بالفعل رجلا مقرفصا يضع على رأسه غطاء أبيضا مكملا به هيئته البيضاء..
اقتربت منه..
بادرته التحية:السلام عليك يا عم.
التفت الي، وأكمل دورة الرحى..
صرك الحجر في دورانه على القطب الآخر، وكان واضحا على وجهه العزم الذي يبذله في طحن الفراغ، حتى أن العروق اتضحت متضخمة بالدماء المحتقنة من كثرة تركيزه في الطحن.
سمعته يرد التحية:وعليك سلام الغرباء.
قلت:أنا زائر، ولست غريبا.
رد الرجل: الغربة تبدأ بالزيارة، والرحيل هو أولى اشارات الاغتراب.
الفضول شدني للاستراحة قريبا منه، فجلست على حجر بجانبه، وبادرني بسؤال:ذاهب أنت الى ''أم العرقان''.
- نعم..هناك صاحبي خالد.
- أنت لا تعرفها، فلماذا تأتيها؟
- قلت لك، لزيارة خالد.
- هوأيضا لا يعرفها.
- هل تعرف خالد؟! - القرية تعرف بعضها، لكن ليس كل أهلها يعرفونها.
- وأنت..هل أنت من أهل القرية؟ - أنا من سكان كهوفها.
- وتطحن الهواء.
- وأتغذى على الذكريات، هل تدخل الى الكهف لترى؟ خفت من طلب الرجل، وتذكرت وصايا خالد..
وقفت بسرعة ، ثم نظرت الى الدرب الضيق نحو القرية، وبعدها التفت باتجاهه مرة ثانية لأعتذر له بدعوى أن صديقي ينتظرني، فلم أجده..
اختفى فجأة، ولم أر الرحى، ولا أي دليل على جلسته في هذا المكان.
تلمست الأرض التي كان يجلس عليها منذ لحظات، علني أجد أثرا، فلم ألمح شيئا، وكان الكهف وراءه يفتح فمه، كأنه يريد أن يلتهم القادم اليه، ولاحظت بأن موقعه يأتي بعد تعرج حاد بحيث أن أول رؤية يراها القادم بعد هذا التعرج تكون فم الكهف.
خفت أن أدخله ملبيا دعوة الخيال الغائب..
أرهفت السمع علني ألتقط صوت رحى تطحن الهواء من داخل الكهف..
وقفت للحظات، فلم أسمع شيئا، واسترجعت نصيحة خالد:لا تدخل أي كهف حتى تصلني، وبعدها أريك ما تريد.
تابعت المسير، متتبعا الدرب الى البيوت التي صارت تلوح لي كأنها تريد الاقتراب مني..

9

عتبة الحجر

أنهى الغرباء حديثهم..
كانوا يراوحون بين سماء عالية، وسطح لا يقترب من على وجه الأرض، وهم يرتبون الكلام من نور ونار، فهم قد سمعوا كل أسرار القرية من أفواه تلك الكهوف التي تثرثر ليلا وتبقى صامتة نهارا..
كانت لياليهم ، كما تحدثوا عنها أمام بيت المؤذن، مكتظة بالحكايات التي تفتح صفحات طويلة من سير الناس والحجر والصخر هنا..
وكان الشيخ حمدان كلما مروا على ذكر أحد من أهل القرية، يقاطعهم قائلا:استروا على ما سمعتم ايها الغرباء..
وتؤكد ذلك الجدة نجمة بعد ابتسامة تجبرهم جميعا على الصمت والاستماع لها:لم يترك الناس كهوفهم من قلة، فقد ازدحمت المغائر بذاكرتهم، تزايدت حتى لم تستطع تلك المساحات المحدودة أن تجمع داخلها الناس وقصصهم في ذات الوقت، كان صراعا مبطنا، مخفيا، وكل منهم كان يحتشد لهذه المعركة غير المعلنة، وكانت أقوى الحجج في تلك المعركة تمسك الناس بذكرياتهم هنا، وتمسك الذكريات بمادتها البشرية في المكان..
هذا كان في الظاهر، بينما كان مسار ما يحدث يبوح بغير ذلك..فاحذروا ايها الغرباء..احذروا أن تكونوا أدواتا في هذه المعركة، وتتبعوا جيش الذاكرة، فتكسروا مهابة المنهزمين من كهوفهم..يكفيهم خروجهم منها، فلا ترهقوهم بأن تفشوا ما وشوشتكم اياه الكهوف.
قال التركي:إذن جدوا لنا البديل.
وقال الحجازي:لا خيمة تأوينا، ولا كهف يألفنا، فماذا نفعل.
تكلم الصوفي:كأننا نتبع سيرة الترحال الأول بين الكهف والخيمة..فلنجرب عتبة أخرى، ولندخل في حضرة الحجر.
تنبه لكلامه الجميع..
والتقط هذه الإشارة التركي، وكأنه كان ينتظرها، فهب واقفا وهو يصرخ: لا حل الا البناء.. ابنوا لنا مستقرا هنا، حيث كان لقاؤنا الأول، هنا في المكان الذي كنتم تريدون نصب الخيام لنا فيه..
هنا قريبا من الكهوف الذي طردتنا..