حميد سعيد - لأن بداياتنا الشعرية، كانت متقاربة، وكانت مجلة ''الآداب'' البيروتية أيامذاك، البقعة المضاءة بجديد الكتابة العربية، حيث كان الوصول إلى صفحاتها، يعني الوصول إلى القارئ، وعلى صفحات ''الآداب'' في ستينيات القرن الماضي، بدأت علاقتي بالشاعر ممدوح السكاف.
إنها علاقة قراءة، غير أنها ما كانت قراءة عابرة، إذ وجدت في ما يكتب من شعر شيئا مما كنت أكتبه أو أحاول كتابته، وبدأت الحوار معه قبل أن نلتقي، وحين التقينا بدمشق في العام 1971، وجدته معنيا بما نشرت من شعر، وإنه هو الآخر كان قد التقى بي في قراءة حوار، بل تجاوزها إلى الكتابة عن إحدى مجموعاتي الشعرية المبكرة.
تمر الأعوام، وتغدو تجارب البدايات، أكثر انتماء إلى مبدعيها، حيث تتراجع الملامح المشتركة، لتحل محلها الخصوصية الذاتية المؤسسة على الموهبة والمثابرة ووعي التجريب، وما عاد من العسير إدراك تبلور الخصوصية الإبداعية في النص الإبداعي، في حال هو أقرب إلى الجمال، الذي لا يكتمل إلا بشيء من إشعاع داخلي، قد لا يرى، فيدرك حدسا، وهذا ما آلت إليه تجربة ممدوح السكاف الشعرية.
وإذا كانت مكونات بداياته، قد ظلت حاضرة في نصه، حيث خصب اللغة وثراء المخيلة، فإن هذه المكونات، تكرست في نص أكثر نضجا وأوفر جمالا، وإن ما كان صاخبا، توزعت مفردات صخبه، في مسارات جمال هادئ ورزين.
إن ما منح خصوصية إبداع ممدوح السكاف، خصوصية مضافة، هو اشتغال ذاكرته التي تزداد سطوعا، بمرور الأيام، حيث يظهر فعلها في نصه الشعري، وفي نصه النثري ، بصفحتيه، بحثا وإبداعا، وهي ذاكرة العاشق التي تستجيب لمؤثرين: الوفاء والحب.
وإذا كنت ممن يرون أن الوفاء أعظم من الحب، لأن الحب حاجة، والوفاء موقف، فإن قراءاتي في ما يحيل من كتاباته إلى الوفاء والحب، تدفع بي إلى التفكير أحيانا، بنحت مفردة توحدهما، لأن النص السكافي، لا يمنح مجالا للفصل بين حال الحب وحال الوفاء، في الزمن والمعنى.
على صعيد الكتابة غير الشعرية، قرأت له كتابين، الأول: ''عبد الباسط الصوفي.. الشاعر الرومانسي''، والثاني: ''في تأمل الشعر''. وفي الكتابين، تتألق ذاكرة العاشق، وتبدو في كثير من العناوين، حيث حال الوفاء وحال الحب، لأمته ووطنه، لمدينته حمص التي ولد وعاش فيها، ولم يفارقها، ولمن جاء قبله من مبدعيها، ولمجايليه، ومن جاء إلى عالم الإبداع بعده، ولأسرته والأصدقاء.
إن كتابه عن صديقه وابن مدينته، الشاعر عبد الباسط الصوفي، الذي فارق الحياة منتحرا، في غربته الإفريقية، في العاصمة الغينية ''كوناكري''، بقدر ما يفصح عن الحب والوفاء، فإنه يتسم بالدقة والموضوعية، حيث رصانة البحث ووعي الناقد الجاد، وما يزال يحتفظ بمخطوطتي كتابين له، عن الشاعرين وصفي قرنفلي وعبد السلام عيون السود، وهو في كتابه عن الصوفي، يكاد يكتب سيرة الحياة الأدبية في مدينة حمص، التي قدمت للأدب العربي، قديما وحديثا، إضمامة عطرة من الشعراء الموهوبين.
ويتجلى اشتغال ذاكرة العاشق، على صفحات كتابه ''في تأمل الشعر''، حيث حاول فيه الاقتراب من أسئلة الشعر، عبر قراءتين، موضوعية واستذكارية، وفي الثانية، ظهر حال الوفاء وحال الحب، ليس في ما كتبه عن أصدقائه ومجايليه، عبد الكريم الناعم وعلي كنعان، والراحلين ممدوح عدوان ومحمد عمران وموريس قبق حسب، بل في ما كتبه عن غيرهم من الشعراء العرب، إذ لم يتخل عن البوصلة التي كثيرا ما وجهتها ذاكرة العاشق.