د. محمد تركي بني سلامه - يمكن تعريف التحول الديمقراطي بأنه عملية الانتقال من حكم الفرد، أو الحزب، أو النخبة، إلى الحكم الديمقراطي، حيث الأغلبية تمارس الحكم عبر المجالس النيابية .
شهد العالم، في السبعينات والثمانينات مرورا بالتسعينات، وحتى نهاية القرن الماضي وبداية الألفية الثالثة، واحدة من الظواهر السياسية ذات الأهمية البالغة، والتي لم يتوقعها، أو يتنبأ بها أساتذة السياسة والمفكرون، أو دارسو الديمقراطية، وهي انتقال عدد كبير من دول العالم من أنظمة حكم استبدادية وشمولية إلى أنظمة ديمقراطية أو شبه ديمقراطية.
وقد أطلق أستاذ السياسة الأمريكي الشهير (صموئيل هنتنجتون) على هذه الظاهرة اسم الموجة الثالثة للديمقراطية، مشيرا إلى أن تاريخ الديمقراطية في العالم ليس عبارة عن حركة تقدم بطيئة مستمرة، وإنما موجات متلاحقة من التقدم والانطلاق، أو التراجع والانكفاء. وقد بدأت أولى هذه الموجات في أعقاب الثورة الأمريكية 1776م، والثورة الفرنسية 1789م، واستمرت حتى نهاية الحرب العالمية الثانية. وقد وصل عدد الدول الديمقراطية في تلك الفترة إلى 29 دولة، ثم بدأت المسيرة الديمقراطية بالتراجع، ولا سيما بعد وصول (موسوليني وهتلر) إلى السلطة في كل من إيطاليا وألمانيا على التوالي، حتى أنه بنهاية الحرب العالمية الثانية لم يكن عدد الأنظمة الديمقراطية في العالم يزيد عن 12 نظاما. أما الموجة الثانية فقد بدأت مع نهاية الحرب العالمية الثانية وعودة الحكم الديمقراطي إلى ألمانيا وإيطاليا واليابان، حيث وصل عدد الدول الديمقراطية في العالم في أوائل الستينات إلى 36 دولة. ثم بدأت المسيرة الديمقراطية بالتراجع أمام سلسلة من الانقلابات العسكرية في إفريقيا، وأمريكا اللاتينية، وآسيا، إذ تراجع عدد الدول الديمقراطية في أوائل السبعينات إلى أقل من 30 دولة. أما الموجة الثالثة فقد بدأت في منتصف السبعينات في جنوب أوروبا إذ قادت عملية التحول البرتغال بإنهاء حكم العسكر عام 1974م، ثم تبعتها اليونان بعد ذلك بأشهر قليلة، ثم إسبانيا عام 1976م بزوال حكم (فرانكو)، واستمرت التحولات الديمقراطية في الثمانينات والتسعينات حتى الوقت الحاضر في كافة دول العالم: في الشمال والجنوب على نحو متفاوت، لدرجة أنه يمكن القول إن عدد الدول التي لم تهب عليها رياح الديمقراطية والتغيير في العالم لا يزيد عن عدد أصابع اليدين، ويتركز معظمها في العالم العربي.
وفي هذا السياق تثور قضايا عديدة تتعلق بمستقبل الموجه الثالثة للديمقراطية، وما إذا كانت ستنكفئ وتتراجع، كما حدث في السابق، أم إنها ستستقر وتتطور نحو مزيد من التحول الديمقراطي في المستقبل؟ كما إنه لا يوجد تفسير نظري شامل ومتكامل لهذه الظاهرة التي لم يستطع أحد التنبؤ بها، فالتحول الديمقراطي مسيرة تحول طويلة ومستمرة ومعقدة، وهي عمليات متنوعة ومتعددة في مناطق مختلفة من العالم، وذات دوافع وأبعاد مختلفة، وتتم وقف آليات ومسالك ومؤسسات متنوعة، وبالتالي فإن (هنتنجتون) لم يقدم نظرية موحدة أو نموذجا واحدا في التحول نحو الديمقراطية، فعلى سبيل المثال فإن دوافع التحول وآلياته في دول أمريكا اللاتينية تختلف عنها كليا في دول أوروبا الشرقية.
وإذا كانت الأسباب التي أدت إلى التحول الديمقراطي متعددة، وتختلف من مجتمع إلى آخر، فإن الثقافة السياسة تعد من أبرز العوامل المؤثرة في هذا الصدد( خصوصا أن كافة البدائل للحكم الديمقراطي قد أثبتت فشلها، وفقدت مصداقيتها أو جاذبيتها، فقد أصبحت الديمقراطية نظام الحكم الوحيد المقبول لدى شعوب الأرض.
فالصراع بين الأفكار والأيدولوجيات لتنظيم المجتمع وبناء الدولة انتهى بانتصار الديمقراطية، ولا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وإفلاس الفكر الشيوعي. فالديمقراطية، وما تشتمل عليه من قيم ومبادئ ومؤسسات، هي المفتاح الأساسي للحكم الرشيد .
وهنا لا بد من الإشارة إلى أنه على الرغم من جسامة التغيرات التي حدثت في نهاية العقود الماضية، إلا أنه من المبالغ فيه أن نعدها نهاية للتاريخ، مثلما اعتقد (Fukuyama)، لا بل أن مقولة نهاية التاريخ قد قيلت أكثر من مرة في القرن الماضي. وإذا كان العالم قد شهد تحولات كبرى نحو الديمقراطية في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، فإنه شهد حركة في الاتجاه المضاد في العشرينات والثلاثينات، وكذلك الخمسينات والستينات من القرن الماضي، إذ سقطت الأنظمة الديمقراطية في عدد غير قليل من دول العالم، في كل من أوروبا، وأمريكا اللاتينية، وأفريقيا، وآسيا. وبالتالي فإنه من غير الحكمة الاعتقاد بأن رياح الديمقراطية سوف تستمر في المستقبل، وأن حركة التاريخ قد توقفت عند هذا الخيار الديمقراطي.
وإذا كان (هنتنجتون) قد عرف الموجة الديمقراطية بأنها: مجموعة من حركات الانتقال من النظام غير الديمقراطي إلى النظام الديمقراطي تحدث في فترة زمنية محددة وتفوق في عددها حركات الانتقال في الاتجاه المضاد خلال نفس الفترة الزمنية فإن التحول الديمقراطي، ببساطة، هو عملية انتقال النظام السياسي من نظام غير ديمقراطي، سواء كان نظاما ملكيا أو جمهوريا مطلقا أو نظاما عسكريا سلطويا أو نظاما ثيوقراطيا شموليا أو نظام حكم الحزب الواحد، إلى نظام ديمقراطي يتميز بالانفتاح والتعددية، والمشاركة السياسية، واحترام حقوق الإنسان، وغيرها من المبادئ والقيم الديمقراطية.
نماذج وآليات التحول الديمقراطي : قد يأخذ التحول الديمقراطي عدة أشكال، أو نماذج منها: ظهور نظام ديمقراطي جديد، ينشأ لأول مرة، بعد سنوات أو عقود من الحكم غير الديمقراطي The Emergence of Democracy، مثل: التحولات الديمقراطية في دول أوروبا الشرقية، وجنوب إفريقيا، والفلبين، والهند.
استعادة النظام الديمقراطي، بعد فترة من الحكم غير الديمقراطيRestoration of Democracy، مثل: عودة الحكم الديمقراطي إلى ألمانيا وإيطاليا بعد الحرب العالمية الثانية، أو تركيا واليونان بعد فترة من حكم العسكر في السبعينات من القرن الماضي.
الانتقال من نظام شبه ديمقراطي أو ديمقراطي مقيد إلى نظام ديمقراطي كامل لا رجعة عنه The Consolidation of Democracy، مثل: كوريا الجنوبية، والمكسيك.
أما بخصوص الآلية التي تتم وفقها عملية التحول فتختلف من دولة إلى أخرى، لأسباب متعددة ومتشابكة: محليا وإقليميا ودوليا، إلا أنه يمكن تلخيصها بالآليات الآتية : مبادرة النظام السياسي من تلقاء نفسه، بتبني النهج الديمقراطي، وفتح المجال أمام المواطنين للمشاركة السياسية واحترام حقوقهم وحرياتهم، وذلك مثل ما حدث في السودان في عهد سوار الذهب عام 1986م، أو المغرب في عهد الملك محمد السادس، وإلى حد ما تأتي التجربة الديمقراطية في عمان ضمن هذه الرؤية.
استجابة النظام السياسي للضغوط الشعبية المحلية المطالبة بالحرية والإصلاح، ولا سيما في ظل تأزم الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في النظام السياسي، فيأتي التحول الديمقراطي لامتصاص الغضب الشعبي والاحتقان الداخلي، كإحدى الاستراتيجيات لمواجهة هذه الأزمات، وذلك مثل ما حدث في الأردن، والجزائر، واليمن في أواخر القرن الماضي.
ممارسة ضغوط خارجية دولية على النظام السياسي لتبني الخيار الديمقراطي، مثل الضغوط التي مارسها المجتمع الدولي على نظام التمييز العنصري في جنوب إفريقيا، أو الضغوط التي تمارس على عدد غير قليل من الدول العربية في الوقت الحاضر، مثل: مصر، والسعودية، وبقية دول الخليج.
فرض النظام الديمقراطي بالقوة، وذلك بإزالة النظام غير الديمقراطي وإيجاد نظام ديمقراطي جديد، مثل ما حدث في اليابان، وألمانيا، وإيطاليا، بعد الحرب العالمية الثانية، والعراق وأفغانستان في الوقت الحاضر.
تضافر أو اجتماع العوامل الداخلية، والضغوط الشعبية، مع الضغوط الدولية والعوامل الخارجية لتبني الخيار الديمقراطي، ولعل ما وصف ب الثورة البرتقالية التي حدثت مؤخرا في عدد غير قليل من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقا، مثال: أوكرانيا، وبيلاروسيا، وجورجيا مثالا آخر على هذه الآلية.
وفي الختام، فإنه يمكن القول إن النظام السياسي الذي يبادر من تلقاء نفسه باتخاذ قرار بتبني النهج الديمقراطي، هو النظام الذي يجنب نفسه الضغوط والتدخلات الخارجية، ويحقق لشعبة الاستقرار والحرية، إذ إنه لا يتصور لأنظمة الحكم غير الديمقراطية أن تتمكن من البقاء في الحكم لفترة طويلة، دون أن تطور نفسها أو تستوعب ضرورة التغيير باتجاه أنماط جديدة من الديمقراطية، والمشاركة السياسية، وحقوق الإنسان، وذلك بما يتلاءم ومستلزمات العصر وتطلعات الشعوب. فالديمقراطية لم تعد خيارا، بل ضرورة استراتيجية لضمان استقرار النظام السياسي، ومن أجل الحفاظ على مستقبله
* أستاذ العلوم السياسية في جامعة اليرموك