هيا صالح - يعد الحلاج من أبرز علماء المتصوفة في عصره، إذ امتلك رؤية تنويرية مفتوحة الأفق، بعيدا عن التعصب والتشدد، وتبنى خطا سياسيا ناجعا لإصلاح الضرائب التي كانت تثقل على الناس، لذا لقيت آراؤه من المتشددين ومن السياسيين المتعصبين رفضا مطلقا، فكيدت له المكائد التي انتهت بالحكم عليه ب المروق عن الدين من المحكمة الفقهية التي فسرت قوله: أنا الحق على أنه يدعي الألوهية، وأنه ساحر ينبغي التخلص منه، فأعدم في بغداد سنة 922 م - 309 ه.
كان الحلاج مصلحا قام مذهبه على تغليب الجانب الروحي في الدين على الجانب المادي/ الجسد، بتمرين النفس من أجل شحنها بطاقة الروح التي تشع داخل نفس المؤمن. وقد رأى أن لكل إنسان الحق في اختيار الطريق التي توصله إلى الله. وقد أسيء فهم الكثير من طروحاته وأفكاره، ولم تبدأ إعادة الاعتبار إليه إلا مع موجة الاستشراق في العصر الحديث، إذ أعيدت قراءة نصوصه وتفسيرها والتأمل فيها، بما كشف عن شخصية متصوف مجدد يستحق التوقف عند تجربته والثناء عليها.
في هذا السياق، يقدم كتاب الحلاج.. الأعمال الكاملة من تحقيق وتقديم قاسم محمد عباس (منشورات رياض الريس، لندن)، مشروعا جادا لقراءة الحلاج وترجمة بعض نصوصه ومراجعتها، يبين فداحة الالتباس الذي ترتب على القراءات الرئيسية لتصوف الحلاج، ويعرض بشكل واف لفكر الحلاج وأبعاد عقيدته، ومن ثم الاهتمام بفكره كما هو بوصفه حلقة لا تنفصل بحال من الأحوال عن حلقات الروحانية الإسلامية، وتلمس نظرة جديدة إلى الفكر الصوفي تأخذ في الحسبان محور تصوف الحلاج من وجهة نظر المستشرقين.
ينطلق المحقق من نقد جهود الاستشراق الذي توجه مباشرة إلى النص الصوفي، وتحديدا جهود لويس ماسينيون ، ومن دار في فلك أطروحته التي أثرت إلى حد بعيد في تفاصيل تلقي الإسلام وروحانيته في الفكر الغربي.
وقد توفر الخط النقدي التحليلي الذي انتهجه عباس مجالا يسمح بالتعدد والاتساع، فهو يصوب جملة من التصورات الشائعة والمستقرة حول تصوف الحلاج، ومنها تعدد الإحالة إلى مصادر دخيلة على هذا التصوف، واختلاف هذه المصادر أيضا، ومعضلة نشأة الفكر الصوفي بوصفه ممثلا لقطاع واسع ومؤثر في الفكر الإسلامي، وكذلك تقسيم هذه النشأة إلى مراحل متعددة، ومثل هذه التصورات لا تخلو من تعارضات منطقية من الوجهة الدوغمائية التي ينحدر عنها تصوف الحلاج، كما يرى المحقق.
من جملة الأسئلة التي تواجه هذا التعارض المنطقي، لماذا تم تكريس مقولة: إن المعرفي الديني لا يخضع لمفهوم التطور ، للوصول إلى عزل المعرفي الديني عن غيره، والأمر في حقيقته إلغاء تطور المعرفي الإنساني برمته. لذا سعى عباس إلى تحليل الاعتراضات الجوهرية على هذا التوجه لصوغ شروط ومحددات للتعامل مع الحقيقة الصوفية من خلال كشف العلاقة بين محورين متداخلين: إصرار الأطروحة الاستشراقية على الأصل الدخيل لتصوف الحلاج، وجعل الأصل الإسلامي نسبي النزعة بوصفه الموقف الرسمي.
في سياق متصل، يعد عباس دراسة ماسنيون من أهم المحاولات التي تعرضت لتصوف الحلاج وهيمنت على مجمل الدراسات اللاحقة، حيث تلخص أبحاث هذا المستشرق الكيفية التي تم بها فهم التصوف الإسلامي من جانب التلقي الغربي للإسلام. ويؤكد عباس أن أية محاولة لتوثيق حياة الحلاج تعني القيام بتوثيق فكري لتاريخ الولاية الصوفية، وتلمس الجذر الأول للفكر الصوفي الإسلامي، بسبب أن المراجعة التاريخية لحياة الحلاج إنما تعني استحضار ما هو عقائدي وتاريخي وسياسي متعلق بمحاكمة الولاية الصوفية، والأهم من ذلك هو أن منعطفات هذه الحياة ما تزال مطروحة أمام ما يمكن دعوته موقع التناقض في الفكر الإسلامي، وإلا كيف يحدث أن لا تندثر حياة هذا الصوفي كما حدث للكثير من نظرائه لنصطدم بظاهرة تاريخية غير متوقعة أبدا، ظاهرة البقاء الثابت والملح في الذاكرة الشخصية أخلاقية حادة لم يكن من المجدي الالتفاف عليها، ومن ثم تشويه صورتها من الساسة وبعض رجال الدين والقضاة كما يقول عباس، متلمسا هذا البقاء الملح عبر الظهور العفوي للواقعة الحلاجية في ضمائر متعددة وفي فترات متفاوتة، كانت تعيد قضية الحلاج من جديد أمام مراكز العدل الإسلامي، سواء أكانت دينية أم سياسية، وكان من الصعب في كل مرة إثبات صحة الإدانة، كما لم تكن تلك الاتهامات المبتكرة والمحتملة التي جمعت ضده ذات أهمية عقائدية أو قانونية، فضلا عن ضعف سبب الاتهام الذي أنتج الفاجعة.
لقد بدا الموت بالنسبة للحلاج، وكما تشير الأبيات التالية من كتابه الديوان الذي حققه عباس، وكأنه يمتح من الحياة معناها:
اقتلوني يا ثقاتي
إن في قتلي حياتي
ومماتي في حياتي
وحياتي في مماتي
أنا عندي محو ذاتي
من أجل المكرمات
وبقائي في صفاتي
من قبيح السيئات.
وهو هنا لا يحاول قلب طرفي الموت والحياة كما قد يظهر، فالأمر أبعد من ذلك، إذ هناك إشارة إلى فكرة مدهشة ترى أن الموت تتويج للحياة، وكل مجد أو نصر في الحياة الحقيقية هو موت. كما تبدو هذه الحياة بالنسبة للحلاج سجنا يتوسل الله أن يخرجه منه:
بيني وبينك إني ينازعني
فارفع بلطفك إني من البين.
إن الأمر، في حقيقته، يرتبط بمفهوم التحرر:
أقلب في سواك فلا أرى
سوى وحشتي منه وأنت به أنسي
فها أنا في حبس الحياة ممنع
من الأنس فاقبضني إليك من الحبس .
روحانية الحلاج لا تقوم على الهروب من الجسد، وإنما يؤدي الجسد فيها دورا مهما يتوجب عليه أن يلج فيه:
أنت بين الشغاف والقلب تجري
مثل جري الدموع من أجفاني
وتحل الضمير جوف فؤادي
كحلول الأرواح في الأبدان.
إن عقيدة بعث الجسد عند الحلاج، كما يرى عباس، تفند الآراء التي روجت فكرة أن الذي قطع جسده ليس الحلاج، بل جسد شخص آخر استبدل به، وهو موقف حاول أن يسلب المغامرة الحلاجية دلالاتها، بل يمكن من خلال أشعار الحلاج وأقواله، رؤية هذا المتصوف يتقدم نحو موته بصورة تتماهى مع الشهداء الأوائل للإسلام المبكر، تلخص اندفاعه وتحديه محاربيه:
نديمي غير منسوب
إلى شيء من الحيف
سقاني مثل ما يشرب
فعل الضيف بالضيف
فلما دارت الكأس
دعا بالنطع والسيف
كذا من يشرب الراح
مع التنين في الصيف .
لقد تيقن الحلاج، كما تشي قصائده ونصوصه، أن الموت أقصى أنواع الشهادة إذا ما أعطى للحياة حقيقيتها، يقول:
تاه الخلائق في عمياء مظلمة
قصدا ولم يعرفوا غير الإشارات
بالظن والوهم نحو الحق مطلبهم
نحو الهواء يناجون السماوات
والرب بينهم في كل منقلب
لمحل حالاتهم في كل ساعات
وما خلوا منه طرف العين إن عقلوا
وما خلا منها في كل أوقات .
يضم الكتاب أعمال الحلاج التي حققها عباس كاملة: التفسير ، الطواسين ، بستان المعرفة ، نصوص الولاية ، المرويات ، الديوان . وتضمن التفسير الذي تركه الحلاج مجمل مواقفه المتناثرة في الطواسين ، ويشكل حلقة مهمة في تاريخ التفسير الباطني، وهو سابق على تفسير القشيري ومن تبعه في هذا الاتجاه، ويسلط الضوء على جانب مهم من فكر الحلاج وعقيدته الصوفية.
أما المرويات فهي نصوص نادرة في التصوف الإسلامي، وهي مجموعة أحاديث قدسية كتبها الحلاج لتلامذته وهو في السجن، وهي أحاديث تفارق الحديث النبوي في الإسناد، حيث الإسناد فيها إلى مجموعة من الظواهر الطبيعية والأماكن المقدسة والمفاهيم وأسماء الملائكة والظواهر الجغرافية.. ومثال ذلك: حدثنا العقل الوجيه عن سدرة المنتهى، عن الحياة الدائمة، عن الروح المكنون قال: إن الله معروف بآياته، مذكور بصنائعه، موجود بأنواره، معبود بكلماته، لا تدركه الأبصار، وهو الأزلي المحيط .
أما الجزء الأكبر فهو الشذرات التي تعد من أجمل ما كتب في تاريخ الأدبيات الصوفية. وقد جاء الطواسين بطبعة جديدة أضاف المحقق لها شرحا نادرا وجد في كتاب شرح الشطحيات لروزبهان البقلي الشيرازي (ت. 606 ه). وفي ما يخص الديوان فقد استخلص الباحث منه القصائد والمقطعات التي حسمت نسبتها إلى الحلاج مبعدا تلك التي يشتبه في نسبتها إلى آخرين.