د. هايل خليفة دهيسات
لفظ الشيعة كان يطلق في بداية ظهور التشيع السياسي في صدر الإسلام حسب دلالته اللغوية على من شايع وسار مع الخليفة علي بن أبي طالب ثم تطور هذا المدلول إلى أن صار علما على مجموعة من الناس لها معتقد فكري يقوم على مبدأ الإمامة.
ثم تفرقت مشارب هذا المصطلح إلى عدة فرق دينية كالزيدية والاثنى عشرية. ففي الإطار العام جعلوا الشيعة الإمامة ركنا من أركان الدين؛ وأن الرسول صلى الله عليه وسلم أوصى بها لعلي بن أبي طالب يوم حادثة غدير خم، وانقسموا فرقا عديدة بسبب اختلافهم في مسألة الخلافة ولمن تكون. فمنها المعتدل ومنها غير ذلك. وقد انقرضت هذه الفرق ولم يبق منها إلا الزيدية و الأثنى عشرية والإسماعيلية. وهكذا فالشيعة على اختلاف مذاهبهم يثبتون ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم يوم الغدير ، ويعتبرونه عيدا لهم لايزالون يحتفلون به إلى يومنا هذا، وهو الأساس الأول لعقيدتهم زمن علي بن أبي طالب، وبذلك يتبرأون من الشيخين أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب.
وينتسب التيار الزيدي إلى زيد بن علي بن أبي طالب ت 122هـ/ 740م ، الذي خرج ثائرا ضد الأمويين، فبويع له بالخلافة في الكوفة من قبل أنصاره، وكان ذلك بداية ظهور الفرقة الزيدية على المشهد السياسي في التاريخ الإسلامي.
ويعد التيار الزيدي اتجاها مذهبيا يعتمد على مبدأ الخروج للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، كلما تحققت في أحد من أبناء الإمام علي بن أبي طالب شروط الإمامة التي تنص على أن يكون الإمام من أبناء الحسنين، عالما ورعا، زاهدا، خرج داعيا إلى الله، مجردا سيفه، خائضا للحتوف، منابذا للطاغين، مقيما لحدود الله، رؤوفا رحيما على المؤمنين، شديدا على الكافرين الفاسقين، شجاعا سخيا.
الزيديون لا يعترفون بعصمة الأئمة ونظرية المهدي كما هو عند الشيعة الاثنى عشرية الذين يؤمنون بعقيدة الغيبة التي تنص على استمرار وجود الإمام الثاني عشر ( محمد بن الحسن العسكري ) الذي اختفى في سرداب في مدينة سامراء عام 260هـ كما يعتقدون، والذي سيظهر في آخر الزمان كمهدي ليملأ الدنيا عدلا كما ملئت جورا .
والزيدية أعدل فرق الشيعة في تعاليمها، ومذهبهم أقرب المذاهب إلى فقه أهل السنة والجماعة، وسبب اعتدال هذا المذهب هو اعتدال إمامه زيد بن علي الذي صحح خلافة أبي بكر وعمر، ولم يبح لنفسه الطعن فيهما، ونبذ كثيرا من آراء الفرق الشيعية المتطرفة، وفتح باب الاختيار من الجماعة الإسلامية خاصة أهل السنة. من ناحية أخرى انقسمت الزيدية خلال القرن الثاني للهجرة عقائديا إلى فريقين البترية والجارودية.
دعيت الأولى فرقة البترية نسبة لكثير النوى الأبتر وسارت على خطى النجاح المعتدل من شيعة الكوفة الأوائل وظلت مثلهم تعتقد أن عليا أفضل الخلق بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك آمنت بصحة إمامة أبي بكر وعمر وعثمان خلال السنوات الست الأولى من خلافته، وبالتالي أجازوا إمامة المفضول مع وجود الأفضل، وعللوا صحة إمامة المفضولين، رغم وجود علي بمصلحة المسلمين العامة. أما فرقة الجارودية فهم أتباع أبي الجارود، وقد تطرفوا إلى الحد الذي خالفوا فيه إمامهم الأصيل زيد بن علي بن الحسين واقتربوا بذلك من الإمامية.
كان المذهب الزيدي قد انتشر في عدة أماكن مختلفة متنائية الأطراف، لأنه لما توفي الأمام زيد بن علي رحل تلاميذه فمنهم من ذهب إلى بلاد الديلم والري وإلى الحجاز وغيرها، ومنهم من ذهب إلى اليمن، والزيديون يشكلون اليوم نحو 30-35% من سكان اليمن الموحد. ولكن بالرغم من تميز الاتجاه الشيعي العام بعنوان واحد هو التشيع إلا أنه مختلف في حقيقته متباعد فيما بين أطرافه ولذا سنجد : اتجاها شيعيا زيديا ظهر منذ بداية القرن الثالث الهجري ثم يختفي ليظهر في الربع الأخير منه ليكون له الصولة والجولة في اليمن حتى قيام الثورة اليمنية عام 1962م على أنقاض المملكة المتوكلية اليمنية، وهي فترة حكم طويلة استمرت أحد عشر قرنا من الزمان. مقابل ذلك نجد اتجاها شيعيا اثنا عشريا، وكان هذا الاتجاه أساسا أو رصيدا لاتجاهات شيعية أخرى كان لها دورها في زعزعة البلاد العربية والإسلامية لفترة طويلة من الزمن. وهكذا ظلت الزيدية لسنوات طويلة زيدية صرفة، حتى ظهور الفكر الإمامي الشيعي الذي استعاده الخميني وأتباعه وطبقوه على المجال السياسي (قيام الثورة الإيرانية سنة 1979 ) الذي شكل بارقة أمل لقادة العمل في المذهب الزيدي في اليمن، خاصة وأن إيران مدت يدها لهؤلاء في خطتها لتصدير الثورة ونشر التشيع الإمامي ودعمه في العالم الإسلامي بوجه عام وفي العالم العربي بشكل خاص حيث ينتشر الشيعة الاثنا عشرية بشكل أساسي في إيران والعراق ولبنان ودول الخليج والهند وباكستان وأفغانستان، ويطلق عليهم أيضا الإمامية الجعفرية، نسبة إلى الأمام جعفر بن محمد، الملقب بالصادق، الذي التف حوله عدد كبير من الشيعة، واعتبر في نظر الشيعة الإمامية أنه المؤسس الحقيقي لدعوتهم، وواضع أصول عقيدة الشيعة الإمامية، على الرغم أن الإمام جعفر لم يناد بنفسه إماما للشيعة، ولم يقم بثورة يطالب فيها بالحكم. ومما يلاحظ أن أبناء جعفر هذا وحفدته من بعده لم يستطيعوا أن يبلغوا ما بلغه الصادق في نفوس الشيعة، ولم يرث أحدهم صفاته العالية حتى هذا التاريخ من ورع وتدين بل عاشوا على تراثه الروحي، ولهذا نرى شيعة العراق وإيران ولبنان وغيرهم في الوقت الحاضر يطلقون على أنفسهم أصحاب المذهب الجعفري، أي أنهم أتباع جعفر بن محمد الصادق.
ولمناكفة المملكة العربية السعودية على حدودها سعى الفكر الشيعي الإمامي الإيراني منذ قيام الثورة الإيرانية إلى التقرب من أنصار المذهب الزيدي في معقلهم في صعدة شمال اليمن، وما رافقها من ظروف عصيبة على الصعيد الاقتصادي وما تبع ذلك من معاناة أهل اليمن من تدني مستوى التنمية السياسية التي تركت آثارها الاجتماعية والفكرية على النشء الجديد من أنصار الزيدية بوجه خاص. يضاف إلى ذلك تنامي الصحوة السنية في اليمن التي أنتجت -فيما أنتجته - جماعات العمل السياسي السني، كالإخوان المسلمين والسلفية الجهادية، عدا عن تذمر وتنامي تحالف الحراك الجنوبي الذي يضم في صفوفه اليوم الاشتراكيين والقوميين والسلفيين والصوفية والمتذمرين من الأوضاع المعيشية السيئة.
وسرعان ما تأثر المجتمع الزيدي بالأفكار والفلسفات الاثني عشرية واستطاعت إيران أن تستقطب أنصار المذهب، وهم الذين ظلت الأطراف القبلية المتحالفة مع الحكومة اليمنية تعتبرهم من أنصار الإمامة البائدة. كل ذلك دفع نحو عجلة التغيير في المجتمع الزيدي في اليمن حيث أصبحت الهيئات والمؤسسات (مثل الجامع الكبير، ودار العلوم العليا، ومركز بدر العلمي، ومركز ومسجد النهرين في صنعاء، ومركز الإمام القاسم بن محمد في مدينة عمران، ومركز الهادي في صعدة ) تنحو سياسيا وفكريا منحى إماميا اثنى عشريا، إلا انهم لا يقولون بالأئمة الإثني عشر، ولا يعتبرون الإمامة ـ وإن استهووها ـ من أركان الدين.
على ان النزعة الانشقاقية التي حدثت في المذهب الزيدي في اليمن الحديث تقع في قلب ظاهرة الصحوة الزيدية التي ظهرت عند الحوثيين تجاه بنية المذهب الزيدي المعتدل التقليدي، وتجاه الحكومة اليمنية، ونتيجة لتزايد الإدراك العام بالمد الشيعي الإيراني باعتبارهم قوة سياسية نافذة مع غزو العراق بقيادة أميركا في عام 2003، ظلت تطلعات حركة الصحوة الحوثية للانقضاض على الحكومة اليمنية أمنية تراودهم بين الفينة والفينة إلى أن حانت الفرصة لرفع شعارات معادية لإسرائيل وأميركا في مظاهرات قامت بعد صلاة الجمعة في الجامع الكبير وسط مدينة صنعاء القديمة، وعلى إثر ذلك اعتقلت الحكومة اليمنية بعض المتظاهرين في 18 حزيران 2004.
علما أن التمرد الذي قاده الحوثيون، كان بقيادة حسين بن بدر الدين الحوثي مؤسس جماعة الشباب المؤمن الذي كان قد رفض وساطات الحوار مع الحكومة للعدول عن تشدده المذهبي، وكانت حركته قد استقطبت العديد من نخب المذهب الشيعي الزيدي. ونتيجة لذلك سعى الجيش اليمني للقبض على قائد التمرد حسين بن بدر الدين الحوثي مهما كلف الثمن . وكان حسين هذا الذي انتخب نائبا في البرلمان عام 1993 قد قتلته قوات الأمن اليمني في أيلول 2004. ويرجح أن هذا أدى للتسريع بوقوع الصدامات بين الجيش والحوثيين حيث اندلع القتال المسلح بين المتمردين الحوثيين والقوات اليمنية في الجبال المحيطة بمدينة صعدة من خلال اشتباكات عسكرية جاءت على ست مراحل بين عامي 2004 و2009.
سياسيا نجحت إيران من خلال العزف على وتر التشيع في إثارة القلاقل، ونشر الاضطرابات في المنطقة من خلال تجنيد مجموعات من الأقليات الشيعية الموجودة بالعالم العربي، أو التواصل مع الحركات الإسلامية السنية المعارضة للأنظمتها. والهدف من وراء ذلك نشر مناطق النفوذ، والمساومة والضغط بواسطة ذلك عربيا وأقليميا ودوليا، وغطت إيران على ذلك بحمل راية تحرير فلسطين، ومعاداة إسرائيل والغرب من خلال دعم الحركات المساندة لها، وهي يدها الطولى في العالم العربي مثل حركة حماس وحزب الله اللبناني وجعفرية العراق و الحوثيون الأمر الذي سعت إيران لتحقيقه من خلال تعزيز الانقسام الداخلي، في المشهد الفلسطيني واللبناني والعراقي واليمني والحبل على الجرار.
فالحوثيون نسبة إلى زعيمهم الراحل حسين الحوثي، وخليفته شقيقه قائد التمرد الحالي عبد الملك ينادون بصوت عال عن عدل مفقود وعسف اجتماعي، ترى الحكومة اليمنية في ذلك ما قد ينطبق عليه قول اللائمين كلمة حق يراد بها باطل.
باحث متخصص فـي الفكر الإسماعيلي
hayel66@yahoo.com