هزاع البراري - كانت المنطقة العربية شرق المتوسط، قد خاضت معركة التحرر وتحقيق المصير، ودفعت في سبيل ذلك ثمنا باهظا، غير أن المشروع العربي الوحدوي، أصيب في الصميم، وتم إجهاض هذا الحلم الذي بدا واقعا مع اندلاع الثورة العربية الكبرى عام 1916م، تمكنها من تحقيق انتصارات باهرة، فاقت توقعات العالم، فسارعت الدول الكبرى آنذاك، بريطانيا وفرنسا، بتقاسم المنطقة العربية سرا، ومن ثم حركت جيوشها، لفرض سيطرتها بالقوة، بحجة الانتداب، فوقعت كل من الأردن وفلسطين، تحت الانتداب البريطاني التي أصدرت وعد بلفور المشؤوم، وضعت المنطقة في دوامة من الصراع الذي ما زال يعصف بمقدرات الأمة، حتى اللحظة.
كان قاسم الريماوي شاهد عيان على كل ذلك، منذ فتح عينه على الدنيا، فلقد ولد في بؤرة مفصل تاريخي حاسم، فلقد كانت ولادته عام 1918م، حيث كانت (بيت ريما) الفلسطينية بلدته ومسقط رأسه، مما جعله من جيل النضال بامتياز، متحملا أعباء مرحلة دامية، قامت بطولاتها على أكتاف الرجال الشرفاء، فلقد كانت فلسطين ومركزها مدينة القدس الشريف، جوهر الصراع، وبؤرة القضية الحضارية والقومية، وبذلك نشأ في بيئة يتناول الناس فيها النضال مع كل وجبة، ومع كل رمشة عين، وهذا ما صبغ طفولته، منذ نثر خطواته على ثرى الأرض الطهور، وهو يتوجه كل صباح إلى المدرسة الابتدائية، ورغم الظروف غير المواتية، إلا أنه تمكن من التلاميذ المتميزين في التحصيل الدراسي، مؤكدا نبوغه منذ الخطوة الأولى، مما جعله يتجاوز أحلام الطفولة البريئة، مستعدا لمقارعة مصاعب الحياة القادمة.
تلقى قاسم الريماوي دراسته الابتدائية والإعدادية والثانوية في كلية الرشيدية، والكلية العربية بالقدس، التي كانت تشهد تحولات كبيرة، تنبئ بما آلت إليه الأوضاع بعد ذلك، شاهدا ومشاركا بالمظاهرات التي نددت بالهجرة اليهودية، وممارسات البريطانيين الانحيازية، والثورة الفلسطينية، وبعد أن أنهى دراسته حائزا على الثانوية العامة، بكر نحو العمل، حيث عمل محاسبا في حكومة الانتداب بفلسطين منذ العام 1944م، وكان خلال هذه الفترة أيضا محررا لجريدة الوحدة المقدسية بين عامي 1945- 1947م، مما أضافه خبرة صحفية مبكرة، أسهمت في منحه ثقافة واسعة وسعة إطلاع، وقد أسهم ذلك في أن يكون على تماس مع ما يجري على الساحة الفلسطينية والعربية.
توجه قاسم الريماوي للاضطلاع بدوره وواجبه الوطني والقومي، فاندفع للصفوف المناضلين، حتى أصبح من أبرز قادة النضال الفلسطيني، حيث عمل مع المجاهد عبد القادر الحسيني، على تأسيس قوات الجهاد المقدس، التي كان لها دور بارز في الدفاع عن فلسطين، ونظرا لما تميز به الريماوي من حس قيادي ومعرفة واسعة، فقد عين أمين السر العام لقوات الجهاد المقدس، بعد ذلك بفترة أصبح قائد منطقة القدس ورام الله، خلفا للقائد عبد القادر الحسيني، الذي أستشهد في ساحة المعركة، ولم يكن الريماوي مجرد قائد تخطيطي، بل مشارك بفعالية في المعارك الطاحنة التي خاضها الفلسطينيون والقوات العربية، حيث سجل بطولات واضحة في معارك، رأس العين، ومعركة باب الواد الكبرى، ومعركة قلندية والنبي يعقوب والقسطل، فكان مقداما لا يخشى سوى ضياع فلسطين، وعندما وضعت الحرب أوزارها عام 1948م، غادر إلى دمشق لفترة من الزمن، قبل أن ينتقل إلى مصر للدراسة، وقد عين عام 1949م سكرتيرا عاما لحكومة عموم فلسطين.
في القاهرة التحق بالجامعة الأمريكية، وبدأ بدراسة علم الاجتماع، وتخرج حاصلا على درجة البكالوريوس في الاجتماع، عام 1952م، وفي العام نفسه أصبح الناطق الرسمي لحكومة عموم فلسطين، في هيئة الأمم المتحدة، وقد كان محبا للعلم والمعرفة، ولم يضع أي فرصة مهما كانت صغيرة، من أجل التعلم في أفضل جامعات العالم، فلقد استغل وجوده في الولايات المتحدة الأمريكية، فالتحق بجامعة كولومبيا في نيويورك، وتمكن من الحصول على درجة الماجستير في العلوم الإدارية، عام 1952م، وأصبح أستاذا في الجامعة ذاتها، محققا فرصة نادرة، لاكتساب خبرات عملية ومعرفية كبيرة، وقد أنتسب خلال ذلك لبرنامج الدكتوراه، وحصل عليها عام 1956م، وكان قبل ذلك قد حاز على الشهادة المتوسطة في الحقوق من جامعة لندن، وتكشف هذه السيرة العلمية شغفه بالدراسة، ورغبة التي ترجمها عمليا، في الحصول على العلم ما أمكنه ذلك، حتى نال أعلى الدرجات العلمية.
بعد هذه الرحلة الطويلة في رحاب العلم والعمل الدولي، عاد قاسم الريماوي إلى الأردن، عام 1957م، حيث تم تعيينه مديرا عاما لمناجم الفوسفات الأردنية حتى العام 1960م، وقد خاض غمار الانتخابات البرلمانية الأردنية عن منطقة رام الله، وبذلك أصبح نائبا عن هذه المنطقة حتى العام 1967م، وقد أختير عضوا في أول لجنة تنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وأصبح المدير العام للدائرة العربية فيها، وخلال عضوية البرلمان ترأس الوفد البرلماني الأردني لدى الإتحاد البرلماني الدولي عام 1964م، وقد شارك في مؤتمرات دولية عديدة، كان يشرح خلالها القضية الفلسطينية للعالم.
تسلم قاسم الريماوي مناصب وزارية عديدة، أولها عام 1962م عندما أصبح وزيرا للزراعة والإنشاء والتعمير، وفي العام التالي وزيرا للزراعة، وتسلم حقيبة الداخلية للشؤون البلدية والقروية عام 1965م، وكذلك في العام الذي يليه، وعام 1970 زير داخلية للشؤون البلدية والقروية ووزير للزراعة، و آخر منصب وزاري تسلمه، وزير للزراعة عام 1979 .
وعرف خلال تسلمه لمهامه كوزير لحقيبة أو أكثر خلال الحكومات المتعاقبة، انه كان ينهض بمسؤولياته، بكل إخلاص حاملا أمانة التكليف، ومدركا ما عليه من واجب وطني، لم يتوانى عن أدائه لحظة واحدة.
وقد تشرف بالثقة الملكية الغالية، بتكليفه تشكيل الحكومة عام 1980 ، حيث أصبح رئيسا للوزراء ووزيرا للدفاع، ولم تعمر حكومته طويلا، قدم استقالته بعد فترة قصيرة، وكانت صحته على غير ما يجب، وكان خلال حياته قد حاز على التقدير والثناء، محليا وعربيا وعالميا، فقد حاز على جائزة استريت العلمية الدولية من جامعة كولومبيا، ومن الأردن أنعم علية المغفور له الملك الحسين بن طلال بوسام الكوكب الأردني من الدرجة الأولى، لقد قضى الريماوي حياته بالنضال الوطني، وتحصيل العلم والمعرفة، وخدمة بلده الأردن بتفان وإتقان، وحظي باحترام الجميع، وكان فلسطين بالنسبة له جوهر الفكر، مركز النضال القومي، بتحريرها، تنهض الحرية والتنمية في الوطن العربي الكبير.