صاحب مشروع الكتابة الساخرة

صاحب مشروع الكتابة الساخرة

تاريخ النشر : الجمعة 12:00 16-10-2009
No Image
صاحب مشروع الكتابة الساخرة

نزيه أبو نضال - لأن بعض الكتابات الساخرة كفت أن تكون موقفا، ورؤية، وأداة تحريض باتجاه التغيير، فقد صارت السخرية، كما رآها محمد طمليه، مجرد مسخرة وتهريج لمحاولة الإضحاك، وأحيانا نوعا من الهجاء الذميم لتصفية حسابات صغيرة أو مدائح بائسة من أجل مكاسب كبيرة، ولهذا فإنه يتبرأ من أن يكون كاتبا ساخرا، ويقول مجيبا عن سؤال للكاتب إبراهيم جابر حول إن كانت الكتابة الساخرة فرضت نفسها كنمط كتابي رائج في ساحتنا الصحافية: المسخرة فرضت نفسها أكثر! بالمناسبة أنا لست ساخرا، أنا جاد وملتزم، ومن أصول ماركسية ما أزال وفيا لها. هناك فرق بين أن تكون ذكيا أو أن تكون مهرجا، صدقني أسمع كلاما مخجلا عن زملاء لي يكتبون ما يعتقدون أنه ساخر (العرب اليوم، 20081014).
ويرفض طمليه في حديث آخر تسميته كاتبا ساخرا، ويوضح: على العكس من ذلك، يقال إني مؤلم وجاد (هكذا وصفه الكاتب طلعت شناعة ذات مقالة)، لكن بصرف النظر عن المسميات، أنا كاتب فقط (الدستور، 311/ 2007).
وبمعزل عما قال طمليه وأسباب ذلك، فعند التأريخ للكتابة الساخرة في الأردن، يبدو طمليه، وبشهادة المعنيين والكتاب الساخرين الحقيقيين، مؤسس الكتابة الساخرة اليومية والمتواصلة في البلد. يقول الكاتب يوسف غيشان: طمليه لم يقدم إضافات للكتابة الأردنية الساخرة فقط، بل قام بتأسيس تلك الكتابة، فمنذ زاويته (شاهد عيان) في (الدستور) العام 1983 ظهر مصطلح (كاتب ساخر)، وحمله طمليه وحيدا حتى بداية التسعينيات لحين السماح ببعض الديمقراطية ونشوء كتاب ساخرين من تحت عباءته .
ويتفق الكاتب أحمد أبو خليل مع يوسف غيشان، بأن طمليه أول من أسس الأدب الساخر، يقول: طمليه حالة خاصة من الإبداع، فهو لم يضف إلى الأدب الساخر بقدر ما أسس هذا النوع من الكتابة .
لا تقتصر ريادة طمليه على مجرد أولوية زمنية سبق بها الآخرين، بل تتعدى ذلك إلى امتلاكه أسلوبا فنيا متميزا يدخل كتاباته على الفور إلى عوالم الإبداع، حيث تجليات الشعر أو قصيدة النثر، وربما كنص خارق أو قصة قصيرة جدا شديدة الإدهاش.. ذلك أن كتاباته الساخرة، السهل الممتنع بجدارة وامتياز. فالفكرة بسيطة، والتناول بسيط، ولكن ثمة بين السطور فكرة جهنمية تطل برأسها وتختفي، أو لعلها التقاطة بالغة الرهافة والحساسية لمفارقة ما توجع القلب وتدفع للصراخ.. طمليه لا ينفعل ولا يصرخ ولا يشذ، لهذا فهو لا يقترب من المفردات البذيئة والشتائم اللاذعة والسوقي من المفردات.
الكتابة الساخرة حتى تستحق صفة الأدب الساخر، لا بد أن تستوفي شرط الإبداع الأدبي، بسماته وخصائصه المعروفة، ولعل الأكثر حرصا على ذلك بين الكتاب الساخرين هو طمليه الذي حول نصه الساخر عموما إلى ما يشبه النص الإبداعي، بانزياحاته اللغوية، وكمائنه الفنية المدهشة، وصياغاته الأسلوبية، وبكثافته الشعرية المحتشدة بالإيحاءات والصور والترميزات.
يرى غيشان أن طمليه ابتكر أسلوبا عبقريا في التلاعب بالكلمات والجمل، لم يستطع أي منا تقليده أو الاقتراب منه، وهذا ما أجبرنا على ابتكار قاموس خاص بكل واحد منا، ربما لأننا عجزنا عن نسخ لغة طمليه، فصار كل كاتب أردني ساخر يحمل بصمته الخاصة، ويعود الفضل إلى لغة طمليه التي يصعب تقليدها .
ويرى الكاتب أحمد الزعبي أن طمليه شق طريقه الخاصة به والمختلفة عن بقية الطرق التي اتبعها الكتاب الساخرون، فقد امتلك لغة ساحرة ساخرة، وأضاف الكثير إلى الكتابة الساخرة العربية، وامتلك أسلوبا خاصا في دخول الحكايات والمواقف بفلسفة خاصة به، لا يستطيع أحد أن يجاريه فيها .
إضافة إلى ذلك، لم يكن طمليه الأول فقط، بل الساخر الوحيد صاحب مشروع إصدار مطبوعة خاصة للكتابة الساخرة في الأردن، وذلك حين أصدر العدد الأول من الرصيف في 6 حزيران 1991، وكان رئيس تحريرها الفعلي، لكن لأسباب قانونية، كانت محاسن الإمام هي رئيسة التحرير. وأمام حالة الإفلاس التي أصابت الصحيفة، فقد اضطرت الرصيف بعد تعثرات وانقطاعات، للتوقف نهائيا منتصف العام 1996.
وفجأة، حين بدا أن مثل هذا المشروع يحتاج إلى إمكانات متعددة غير متوفرة، تقدم إسماعيل طمليه، شقيق محمد، بدعم استثنائي يتيم (7000 دينار)، فأصدر محمد طمليه مطبوعته الساخرة الثانية قف! ، في العام 1996، ورأس تحريرها، لكنها ما لبثت أن توقفت.
حرص طمليه على إصدار مطبوعة ساخرة خاصة به، كان نابعا من رغبته بالابتعاد عن قرارات الرقابة والمنع التي تمارس عليه من الصحف والمجلات التي كتب فيها، لقد أراد أن يكون حرا ومستقلا، لأنه صاحب موقف ورؤيا، ولديه خطاب يريد أن يوصله إلى الناس من أجل تغيير الواقع.. كان يعتقد بعمق أن الكتابة الساخرة وسيلة فعالة في التحريض والتغيير.
مشروع طمليه ومطبوعاته الساخرة كان يراد منه، حسب وصف شناعة، أن ينتقد الواقع بشدة وبطريقة لاذعة وقاسية جدا، إذ يكاد أحيانا يحمل المطرقة بين يديه ويدق رأس هذا الواقع . ومن خلال هذا المشروع، كما يرى أبو خليل يقبل الناس على قراءة كتاباته، كونها تعالج شؤون الفرد الشخصية وفي حياته الاجتماعية اليومية .
ويرى الكاتب جهاد المحيسن، أن طمليه يكتب باتجاه هدف واحد: تغيير الواقع عن طريق السخرية منه، لأن الكتابة الساخرة هي الوسيلة الوحيدة لتوصيل رسالة التغيير للناس .
في أعداد قف! ، وعلى طريقة الكاريكاتير الساخر في تجسيم المفارقات ولفت الانتباه إلى نقاط وجوانب محددة يلزم معاينتها، تتجادل عناوين وموضوعات تطال الهموم الداخلية، حيث استشراء الجوع والفساد والقمع وغياب الحريات العامة، مع الهموم الوطنية والقومية حيث جراح الأمة تنزف في فلسطين والعراق، فيما نفط العرب ومالهم يتدفق في شرايين الغزاة، وفيما يشتد اللهاث للتطبيع معهم، رغم نفق المسجد الأقصى ومذبحة الخميس الأسود في القدس وسقوط عشرات الشهداء.. فتصدر قف! في 28 أيلول 1996، ملفعة بالسواد وبأسماء الشهداء وهي تتساءل:.
 - ما الذي يحدث هناك؟.
- لا شيء، مجرد شهداء.. وجرحى.. وما شابه .
وفي اليوم التالي كل شيء عادي: أعراس.. وحوادث سير.. ومطاعم.. و(يسعد صباحك).. وكأن شيئا لم يحدث.
فهل ثمة ما يدعو للاستغراب بأننا بعد كل مجزرة تزداد علاقتنا بهم متانة؟! .
هذا الوضع الكارثي الذي تعيشه الأمة دفع طمليه، في ذكرى رحيل جمال عبد الناصر، إلى نوع من الكوميديا السوداء التي تحفر عميقا لإيلام حتى الجرح الميت، حيث نجد صورة عبد الناصر تحتل غلاف العدد الصادر في 12 تشرين الأول 1996، لا ليشهده على زمن الأقزام وباعة الأوطان، ولا ليرثيه، ولكن، كما يقول طمليه: كي لا نكتب شيئا عن جمال عبد الناصر في ذكرى وفاته، ليس إهمالا، بل إننا فعلنا ذلك عن عمد، نريد أن نشعر أننا نخون.. نخون من أجل المتعة.. كي نكون منسجمين مع أنفسنا بوصفنا عربا.. إنها خيانة صغيرة من مجمل حصتنا في الانحطاط الوطني ، ثم يتساءل مع عنوان فرعي على غلاف قف! : ما الذي جلط جمال عبد الناصر؟! ، ولأن صدور العدد ترافق مع ذكرى حرب تشرين، وحيث لا يجد حوله سوى ركوع ذليل أمام الأعداء، فإنه يفرد المانشيت الرئيسي كما يلي: تمشيا مع الانتصار المبين.. فيفي عبده: هز الخصر يحلو في تشرين . ثم يكتب طمليه مقالة بعنوان: تشرين الانتصار كما تراه فيفي عبده . وتنشر قف! صورة لجندي إسرائيلي أمام دبابته يصلي فوق جثث الفلسطينيين، فيتساءل طمليه: هل تقبل السماء صلاة الجنود؟.. لماذا تكون المسابح بين أصابعنا مجرد أجهزة لإحصاء الجثث بعد المجزرة ؟.
ولا تتوقف قف! عند الهم الوطني والقومي، فتروح تطارد القمع والعتمة في كل مكان، فتفرد على غلاف عددها الثالث عشر: حركة طالبان الأفغانية: إبادة النساء فرض عين على كل مسلم . ولكن الطبوعة لا تنسى بالمقابل أن تشيد بالموقف العادل من الفرنسي شيراك بشأن قضية فلسطين.
في متابعة الهم الداخلي بكل منوعاته من قمع ورشوة وفساد وحوادث مؤلمة تابعت قف! بالصورة، وأحيانا بالكاريكاتير، أداء الوزراء ومؤسسات الدولة المختلفة، لتكشف من خلال ذلك حجم الخراب العميم الذي يلف حياتنا السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتكاد العناوين التي تؤرق المواطن تحتل مساحة الصحيفة وموضوعاتها المختلفة، إما على شكل خبر أو تعليق أو مقالة مطولة، لا تخلو من مفارقة أو سخرية، لكنها تحاول أن تحفر في وعي القارئ محفزات جديدة لتغيير الواقع، من نوع المقالة التي نشرت في العدد الخامس عشر في مواجهة حكومة الكباريتي تحت عنوان: انهيار حقوق الإنسان في الأردن .
ولا تسلم المعارضة من لسان قف! ، فتتساءل: هل يوجد في الأردن معارضة؟ يوجد إذا رغبت الحكومة، ولا يوجد إذا رغبت. المعارضة إشاعة أطلقتها الحكومة.. إنها مجرد فقاعات صابون .
استطاع طمليه وبعض فريقه الساخر تحويل مجرد حوادث بسيطة إلى سلسلة من المفارقات الكاشفة لحياتنا العامة. لنتأمل مثلا كيف عالجت قف! خبر القبض على شابين حاولا سرقة بنك في الزرقاء:.
بداية مانشيت كبير: مبعوث من المافيا يزور الأردن ، والسبب الاحتجاج على تشويه الأردن لسمعة المافيا ومن قدرتها على سرقة البنوك، فالشابان الأردنيان استخدما في عملية السطو الشبرية والشماغ الأحمر، وهذان يصلحان في الجاهات أو العطوات لا في سرقة بنك. وعنوان آخر: 100% سذاجة أردنية .. ف قف! تعذر فشل الشابين الساذجين في السرقة وافتقادهما أبجديات السطو على البنوك، ذلك أنهما ينتميان إلى شعب اعتاد أن يكون مسروقا لا سارقا .

.alrai-epaper-widget{margin-top: 20px; max-width:250px}
Tweets by alrai
.alrai-facebook-embed{margin-top: 70px;}
.container .row .col-md-12:has(.alrai-section-last-widget) { flex-direction: column; } .alrai-section-last-widget { margin: 0 auto; position: relative; padding-top: 35px; width: 100%; } #widget_2097 .alrai-section-last-widget { padding-top: 35px; margin-top: 0; } .alrai-section-last-widget::after { position: absolute; content: url("https://alrai.com/alraijordan/uploads/global_files/section-page-faded-line.svg?v=1"); top: 0; transform: translateX(0); } .alrai-section-last-widget .full-col { overflow-x: auto; overflow-y: hidden; -webkit-overflow-scrolling: touch; width: 100%; } .alrai-section-last-widget .row-element { width: 100%; } .alrai-section-last-widget .content-wrapper { display: flex; flex-direction: row; flex-wrap: nowrap; align-items: stretch; width: max-content; min-width: 100%; gap: 30px; justify-content: center; padding-top: 30px; } .alrai-section-last-widget .item-row { flex: 0 0 auto; width: 200px; margin-right: 7px; display: flex; flex-direction: column; height: 195px; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio { padding-bottom: 100%; display: flex; } .alrai-section-last-widget .row-element .item-row .img-ratio img { border-radius: 50%; border: 2px solid #00a0e5; padding: 3px; } .alrai-section-last-widget .article-title { white-space: nowrap; overflow: hidden; text-overflow: ellipsis; display: block; } .alrai-section-last-widget .item-row .item-info a { color: #000; color: color(display-p3 0 0 0); text-align: center; font-size: 14px; font-style: normal; font-weight: 800; line-height: 20px; text-decoration: none; display: -webkit-box; -webkit-line-clamp: 3; -webkit-box-orient: vertical; overflow: hidden; white-space: normal; } .alrai-section-last-widget .full-col::-webkit-scrollbar { display: none; } @media screen and (min-width: 1200px) { .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(0); } } @media screen and (max-width: 768px) { .alrai-section-last-widget .row-element .content-wrapper { flex-direction: row !important; } .alrai-section-last-widget::after { transform: translateX(100%); right: 0; left: 0; } }
.death-statistics-marquee .article-title a, .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { text-align: right; font-family: Cairo; font-style: normal; font-weight: 700; line-height: 25px; text-decoration: none; } .death-statistics-marquee .breaking-news-wrapper { width: 100%; display: flex; } .death-statistics-marquee .breaking-news { background-color: #7c0000; padding: 22px 17px 24px 18px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; } .death-statistics-marquee .breaking-news-content { background-color: #b90000; padding: 22px 18px 24px 21px; color: #fff; text-align: right; font-family: Cairo; font-size: 22px; font-weight: 700; line-height: 25px; width: 100%; position: relative; } .full-container .marquee-container-widget:not(.relative-widget) .wrapper-row { position: fixed; width: 100%; right: 0; bottom: 0; z-index: 100000; } .death-statistics-marquee .marquee-container-widget .title-widget-2 { width: 75px; background-color: #757575; color: #fff; height: 60px; display: flex; align-items: center; justify-content: center; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 15px; padding: 16px 18px 16px 15px; display: block; } .death-statistics-marquee .content-row:not(.content-row-full) { width: calc(100% - 100px); background-color: #000; } .death-statistics-marquee .content-row marquee { direction: ltr; } .death-statistics-marquee .content-row .img-item { display: inline-flex; height: 60px; align-items: center; vertical-align: top; } .death-statistics-marquee .content-row .article-title { height: 60px; display: inline-flex; align-items: center; color: #fff; padding: 0 15px; direction: rtl; } .death-statistics-marquee .article-title a { color: #fff; color: color(display-p3 1 1 1); font-size: 17px; } .death-statistics-marquee .title-widget-2 { width: 100px; } #widget_1932 { position: static; bottom: 0; width: 100%; z-index: 1; } @media scren and (max-width:768px){ .death-statistics-marquee .breaking-news-content{ font-family: 'Cairo', sans-serif; } }