كتابة وتصوير مفلح العدوان
وحيدا كنت هناك..
أوشكت أن أترك ورائي القلعة، وبوابتها، وأمضي إلى غير مكان، بعيدا عن عنيزة، إلا أن التفاتة مني نحو الجبل القابع غرب القلعة جعلتني أنتظر قليلا، وأتأمل مهابته، مستمعا إلى بوح يريد أن يسر به إلي..
قلت أنتظر قليلا، وكانت لحظات صمت، فهمت منها أن الجبل كان شاهدا على كثير من الأحداث التي كانت ساحتها أمام عينيه على مر العصور الماضية.
وحيدا كنت هناك..
وكانت تحديقة الجبل تدفعني باتجاه المضي إلى محطة القطار التي لا يفصلها عنه، وعن موقع القلعة إلا الطريق الصحراوي، ففهمت الرسالة، ويممت شطر المحطة، لأستمع منها شهادة أخرى على ذاكرة المكان، والحكايات والتفاصيل التي سكنت فيها، وهذا ما كان، إذ أن المحطة لم تستقبلني كأي عابر سبيل، بل هشت نحوي، وكأنها تنتظرني منذ زمن بعيد، وكانت حيرتها في استقبالي؛ مرة بصمت أبنيتها، ومرة بضجيج الذاكرة المزدحمة فيها، فعزمت النية على أن أستوعب كل ما قد أواجهه في محطة عنيزة التي هي واحدة من محطات سكة حديد الحجاز.
السيرة الحديدية
ها أنا وحيدا هناك
وأسمع رجع صدى سنابك، بلا خيل..وليس إلا نشيج الصافرة، وحزن ارتداد الضجيج .. هنا كان الحديد يخاطب الحديد، يحاوره، يحادثه، يبوح بأبجديته التي نحتها من صرير العجلات، وهي تمارس فعل اجتياحها اليومي للسكة، حيث تتمرغ بها، وتنساب معها، ثم تتوحد وإياها جسدا لا يقبل انفصاما، بل يزيد بأن يتمادى قربا، ووجدا، والتحاما، كأنه يعيد ذاكرة اليوم الأول، كأنه يفتح ألبوم الصور العتيقة، أو أنه يتصفح كتاب السيرة الحديدية، حين ذاب البشر، عشقا، وهم يطوعون إرادتهم، عن طيب خاطر، لاظمين بنبض حلمهم الحروفية البكر للتوق الذي حلق بأجنحة الرغبة، والقداسة، فتجسد لهاثا، وترابا، وصوانا، ومجاميع نابضة، وأخاديد أعمار على جبهات الناس، وعرق، وأغبرة، وجبالا تسوى، وسهولا تنشق، وغابات تتبرع بأشجارها، وآلاف الأمتار التي تطوى على هيئة مدرج واحد يسير عليه القطار، قبل أن يصل إلى محطة عنيزة التي تقع على الكيلو 423 في الخط الحجازي، وهي تعد من أقوى المحطات من الناحية العسكرية نظرا لاستنادها على قلعة قوية إلى الغرب منها على مسافة 250م، والى الغرب من القلعة جبل عنيزة ذو القمم العشرين المتفرقة والتي حفر فيها الأتراك خنادق اتصال قوية، وأقاموا مرابض رشاشات ومدفعية ومعسكرا في قلب الجبل وبين الشعاب المؤدية للقمم . هذا الاقتباس أستعيره، وأنا أواجه المحطة، من الكتاب المهم الذي ألفه الدكتور بكر خازر المجالي حول المسارات العسكرية للثورة العربية الكبرى في الأرض الأردنية ، ونظرا لارتباط سكة الحديد الحجازي، ومحطاته، بأحداث ومعارك الثورة في الأردن، سيكون البوح بالنسبة للمحطة، هو حديث مواز عن تلك البطولات والمعارك التي دارت حولها، وفي إطارها.
طريق الحج
يكمل الدكتور بكر خازر المجالي حول المحطة بقوله عنيزة محطة من محطات الصنف الثالث على سكة الحديد، لكنها بالواقع تصنف ضمن المراتب الأولى من حيث التنظيم والتحصين العسكري.. وعنيزة المحطة على طريق الحج الشامي لا زالت عاملة ليومنا هذا خدمة لقطارات الفوسفات، وهي تضم بنايتين منفصلتين من الطين والحجارة وبجانبها بركة ماء محاذية تماما للمحطة بعرض 15*15م تقريبا، وتعتمد على جمع مياه الأمطار، أو إفراغ صهاريج مياه تجرها القطارات لتبقى بركة المياه مملوءة كاحتياط عام وقت الحاجة، ولا زالت آثار السياج والتحصينات حول المحطة موجودة لمنع اقتراب المشاة المتسللين إليها .
وبالفعل فقد كان هذا الوصف هو على أرض الواقع حين كانت الزيارة للمحطة التي كان يوجد فيها بعض العمال، وأفادوا بأن المحطة هي تابعة الآن لسكة حديد العقبة، وهي مستأجرة من سكة الحديد الحجازي، وكانت بعض السكك الحديدية مكتوب عليها سنة الصنع بعضها 1903م وبعضها 1901م، ومنها ما هو مهمل، وهناك قاطرة بجانب المدخل، وبعض الأبنية القديمة كانت بيوت للعمال والموظفين في السكة، كما أن البركة ما زالت موجودة، وفي الزاوية القريبة من الطريق الصحراوي هناك عدة درجات تفضي إلى داخل البركة.
تحصينات قوية
ولكون هذه المحطة كان حضورها استراتيجيا وعسكريا في مرحلة سابقة، أيام العثمانيين، والثورة العربية الكبرى، كما أن هذا الحضور يعزز من القيمة العسكرية للموقع بشكل عام خاصة جبل عنيزة الذي استفاض الدكتور بكر المجالي في وصفه، بحيث أنه وثق كل ما فيه من مواقع على أرض الواقع، ومن خلال البحث الميداني، حيث رصد كشفا بالمواقع داخل الجبل وحوله، حيث أوضح بأنه تقع فيها خنادق الاتصال، ومواقع المدفعية، ومواقع التخييم، ومصدر المياه، ومرابض الخيل، والخنادق الفردية، والمنطقة الإدارية، وبعد ذلك يجيب على تساؤل مهم حول عنيزة، وحضورها كموقع عسكري مهم، وصمودها بيد الاتراك، وكيف أن كثيرا من العمليات الموجهة ضدها فشلت، كما أنه لم يخلها الأتراك إلا بعد انسحابهم من معان، وهذا يعود، بحسب الدكتور المجالي، الى قوة التحصينات التركية فيها، وتجنب العرب التعامل مع الحصون القوية لأنها تلحق الخسائر الكبيرة بهم، إضافة الى أن القوات غير النظامية ومن التجارب العديدة تحجم عن القيام بأي عمل عسكري ضد مواقع محصنة .
محاولة طريفة
والنقطة الأخرى في أنه لم يخل الأتراك المحطة الا في فترة متأخرة هي أنه قد أعطى العرب الأولوية الأولى ضد معان ومحطة الجردون، خاصة خلال ربيع عام 1918م، ولم تتوجه أية قوات كبيرة تستهدف احتلال عنيزة الا تلك المحاولة الطريفة والتي انتهت بمفاجأة مضحكة فعلا حين تقدمت القوات العربية ليلا، وبحركة سرية باتجاه جبل عنيزة، ولكن ما إن اقتربت القوات من الجبل حتى أخذ أحد الحمير الذي يحمل فناطيس الماء بالنهيق وتبعه بقية الحمير، فانتبه الأتراك في الجبل للهجوم، فوجهوا رشاشاتهم ومدفعيتهم وأسلحتهم لاتجاه الهجوم، مما اضطرها للتراجع وإلغاء العملية، وقد كتب جعفر العسكري عن هذه العملية في مجلة عسكرية عراقية وهي المرجع الوحيد الذي يتحدث عن هذه العملية .
الأمير زيد بن الحسين
ويشير كتاب المسارات العسكرية للثورة العربية الكبرى في الأرض الأردنية أيضا الى أن منطقة عنيزة كانت في أيام الثورة العربية الكبرى ضمن اهتمام الأمير زيد بن الحسين، فقد ركزت القوات العربية على خط عنيزة الشوبك واستطاع العرب الحصول على موطئ قدم في المنطقة بدليل ما ورد في رسالة من الأمير زيد الى الأمير فيصل في 22/1/1918م يقول فيها: .. وحسب الإخباريات الواردة تثبت في موقع الحديد الممدود بين الشوبك وعنيزة.. ، وخربة الدوشك، وهي في منتصف المسافة بين الشوبك وعنيزة على مساحة 17كم تقريبا، وقد نفذ العرب عدة عمليات تخريب وتدمير للسكة الحديدية شمال عنيزة وجنوبها، إضافة الى الاشتباك مع الأتراك في مواقع عديدة حولها .
ويذكر العماد مصطفى طلاس في كتابه الثورة العربية الكبرى، حول العمليات العسكرية ضد عنيزة بأنه (تولى الأمير زيد قيادة القوات التي أخذت على عاتقها الاستيلاء على المحطات الواقعة الى الشمال من معان، من أجل منع وصول التعزيزات الى حاميتها، وقامت قواته بهجمات عديدة على محطات الجردونة وعنيزة وجرف الدراويش والحسا وفريفرة والقطرانة..).
كما أن الدكتور بكر خازر المجالي يشير الى أنه في رسالة من جعفر العسكري الى الأمير زيد مؤرخة في 17 شباط 1918م ورد فيها: (.. من الوهيدة يهاجم مولود (مخلص) مع مدفعية صحراء وأربعة أرهاط من المشاة والمواليد والحجزة على معان وقوة الهيشة مع الشريف عبد المعين على عنيزة، ولكن هذا سيكون للاشغال، ونلاحظ أن هجوم عنيزه هدفه (الاشغال) أي مشاغلة العدو دون الدخول باشتباك حاسم يهدف الى احتلال المحطة أو القلعة).
ما زالت الذاكرة
تلك بعض جوانب بوح عنيزة، أستحضرها وأنا أقف أمام المحطة، وعلى مرمى التفاتة مني القلعة وجبل عنيزة، ويبقى صدى عجلات القطار تتداخل في ذهني مع أصوات الجنود، والمعارك التي وقعت قريبا من هذا المكان، كل ما حدث هنا كان واقعا نتذكره الآن، لكنه جسد نهضة وثورة امتدت لتكون راية نصر نشرت ظلالها على كل الأرض العربية، وما زالت.
عنيزة
تقع قرية عنيزة في جنوب الأردن، وهي من قرى لواء الحسينية من محافظة معان، تقع على خط الطول 35 درجة و8,4 ثانية شرقا، ودائرة العرض 30 درجة و30 ثانية شمالا، وهي على بعد 45كم إلى الجنوب من الحسا، وعلى مسافة 163كم من عمان العاصمة، على الطريق الصحراوي جنوبا.
ترتفع عن مستوى سطح البحر 1000م، وهي منطقة خالية من السكان، وأهم المعالم الموجودة فيها هي قلعة عنيزة، ومحطة قطار عنيزة، والبركة، وجبل عنيزة.
هذه الصفحة تؤسس لكتابة متكاملة حول القرى الأردنية، وتطمح لتأسيس موسوعة جادة شاملة. ولن يتأتى هذا بجهد من طرف واحد، فما يكتب قد يحتاج إلى معلومات للإكتمال، أو قصص أخرى لم يلتقطها الكاتب في زيارة واحدة، وهي مفتوحة للإضافة والتعديل قبل أن ترتسم بشكلها النهائي لتكون وثيقة لكل قرية، والأمل بأن تأتي أية إضافات أو تصويبات أو معلومات أخرى من أهل القرى والمهتمين مع اقتراحاتهم، وعلى هذا العنوان:
بوح القرى
ص. ب - 6710 - عمان -11118 - فاكس- 5600814