أحمد طوقان.. العلم والعمل في مواجهة المستحيل

أحمد طوقان.. العلم والعمل في مواجهة المستحيل

هزاع البراري - شكلت مدينة نابلس، منذ منتصف القرن التاسع عشر، بؤرة حضارية في المنطقة، التي كانت ترزح تحت ثقل الإهمال الطويل، لكنها باعتبارها مركزا اداريا هاما أبان الحقبة العثمانية، ومدينة تجارية ناهضة، حققت مكانتها الخاصة، حتى تحولت إلى مساحة جاذبة لطلبة العلم، والراغبين في تجارة الزاهرة، وتعتبر نابلس بحق بوابة التواصل الاجتماعي والتجاري والعلمي، بين ضفتي نهر الأردن، حيث وصلت شراكتها مع مدينة السلط، إلى مستوى التوأمة الحقيقية، وكأن النهر المقدس مرآة صادقة التعبير، وقد تبادلت المدينتان التجارة وطلبة العلم، والحراك العائلي، حيث رحلت بعض العائلات بين المدينة إلى الأخرى، ومشكلتين نموذجا من النسيج الاجتماعي الأردني والفلسطيني الغني بالتواصل والتأصيل الحي.
ضمن هذا المناخ الرحب، الذي تعبق فيه روح العروبة، في أول تفتحها الحديث، ولد أحمد طوقان في مدينة نابلس، مكللا بالتاريخ، وجماليات المدينة المتشبثة بقمم الجبال، وقد أطل على هذا العالم مع بزوغ القرن العشرين، الذي غيرت أحداثه الكبيرة والمتسارعة، وجه المنطقة والعالم، حيث كانت ولادته سنة 1903م، وتحديدا في الخامس عشر من شهر آب، وهو ينتمي لعائلة طوقان إحدى عائلات نابلس العريقة، والتي عرفت بالجاه والعلم، حيث قدمت رجالات كبار كان لهم شأن في الحياة العامة على ضفتي النهر، وقد نشأ أحمد طوقان في كنف أسرته، ودار في صباه في حارات نابلس وأزقتها، في فترة كان الناس فيها يعيشون في ظروف يستوي فيها الغني والفقير، وقد شجعته عائلته على العلم، فبعد مرحلة بسيطة في الكتاب، الذي يقدم معارف أولية في القراءة والكتابة، والحساب وحفظ أجزاء من القرآن الكريم.
التحق أحمد طوقان بمدارس مدينة نابلس، لدراسة المرحلة الابتدائية، حيث كانت الدراسة تقسم إلى مرحلتين ابتدائية وثانوية، وكان من الطلبة المبرزين، حيث لفت بنباهته وتحصيله الدراسي نظر معلميه، فشجعوه على مواصلة الدراسة، والمحافظة على مستواه التحصيلي، وقد أنهى المرحلة الابتدائية بتميز، وواصل دراسته الثانوية في نابلس، حيث أكد تفوقه فكان من الطلبة الأوائل في الثانوية العامة، مما مكنه بمساندة أسرته من التوجه إلى مرحلة الدراسة الجامعية، وكان عليه السفر خارج فلسطين، لأن لم تكن الجامعات قد انتشرت في فلسطين والأردن، في تلك الفترة المبكرة من القرن العشرين، فقد وصل إلى لبنان والتحق بالجامعة الأمريكية، التي كانت تستقطب الشباب العربي من مختلف مناطق شرق المتوسط، وشكلت مكانا للقاء الشباب المتعلم، وبالتالي نمو بواعث القومية العربية، والحاجة للوحدة كسبيل للتحرر والتنمية.
حصل أحمد طوقان على الشهادة الجامعية، البكالوريوس في العلوم الهندسية، عام 1925م، وهو تخصص نادر في تلك الفترة، التي عانت فيها المنطقة من قلة المدارس الثانوية وندرة الجامعات، ودل على حبه للعلم والمعرفة، في ظل ظروف غاية في الصعوبة، فكان من بين رواد العلم في العالم العربي، ومما يؤكد على رغبته بالعلم، هو سعيه الحصول على مزيد من المعرفة، بالرغم من أن ما حصله كان كفيلا لدخوله الحياة العملية بيسر كبير، إلا أنه فضل مواصلة مسيرة تلقي العلم، واقتناص الفرص السانحة، فشد الرحال إلى مدينة الضباب، القابعة خلف أعالي البحار، فوصل إلى لندن عاصمة الإمبراطورية البريطانية الحديثة، حيث التحق بجامعتها الأشهر أكسفورد، وتفرغ للدراسة الجامعية العليا، وقد تخصص في الفيزياء، فحصل على درجة الماجستير في هذا التخصص الذي كانت البلاد بأمس الحاجة له ولغيره من التخصصات العلمية، في مرحلة التأسيس العصري.
عاد أحمد طوقان إلى المنطقة مسلحا بالعلم والمعرفة، من أرقى جامعات العالم، مما فتح له مجال العمل واسعا، لكنه فضل أن يبدأ بأقدس مهنة عرفها التاريخ ولا زالت تحتفظ بالقها يوما بعد يوم، فقد عمل معلما في الكلية العربية بالقدس، حيث نهض بهذه المهمة منذ العام 1929م وحتى العام 1934م، فلقد أنتقل بعد هذا التاريخ للعمل مديرا لمركز تدريب المعلمين الريفيين في طولكرم، ولم تدم خدمه في هذا الموقع كثيرا، فبعد سنة واحدة أنتقل إلى أمارة شرق الأردن، أي في العام 1935م، حيث أسندت إليه مهمة مدير المعارف، وبقي يضطلع بأعمال هذا المنصب بكل تميز حتى عام 1937م، عندما انتهت إعارته، فعاد إلى فلسطين، ليتم تعيينه في دائرة المعارف المركزية التابعة لحكومة فلسطين، حيث أصبح مفتشا للعلوم والرياضيات، مدة سبع سنوات.
أنتقل أحمد طوقان للإدارة التربوية، عندما عين في عام 1944م مديرا لمدرسة خضوري الزراعية، وبعد ثلاث سنوات أصبح رئيس مفتشين برتبة مساعد مدير دائرة المعارف، لكن الأحداث السياسية والعسكرية بالمنطقة، خاصة بعد النكبة واحتلال جزء كبير من فلسطين، وقيام ما يسمى بدولة إسرائيل، وقد انضمت الضفة الغربية للأردن، لحمايتها من الأطماع الإسرائيلية، فعين طوقان مديرا للمعارف في الضفة الغربية، وخلال هذه الفترة، شهد أحمد طوقان انتقاله واضحة في حياته العملية، عام 1950م عندما أصبح وزير الأشغال العامة والإنشاء والتعمير، وبعد أشهر قليلة تسلم حقيبة وزارة المعارف - وزارة التربية والتعليم - وقد كان حضوره في الحكومات المتعاقبة مميزا، يعمل بإخلاص وتفان منقطع النظير، مما جعله يتنقل من حكومة إلى أخرى، بنجاح لا يمكن إنكاره.
في العام 1951م أصبح وزيرا للخارجية ووزيرا للمعارف، وفي هذا التكليف إشارة لما تمتع به من بعد دبلوماسي، ويضاف إلى مقدرته العلمية وخبرته التربوية الكبيرة، وهذه قدرات لا يتوفر عليها إلا قلة من أبناء الأمة في مرحلة البناء الصعبة، وقد توفر على معارف وثقافة واسعة، مكنته من رئاسة الجانب الأردني في لجنة الهدنة المشتركة، التي تشكلت عام 1952م، وفي العام 1954م عاد وتسلم حقيبة وزارة المعارف، ومن ثم اختير خبيرا في التربية والتعليم في منظمة اليونسكو ومعارا إلى وكالة الغوث الدولية، وفي العام 1966م، أعير إلى البنك الدولي للإنشاء والتعمير كخبير في التربية والتعليم، مما منحه صفة الخبير العالمي في هذا المجال.
عاد أحمد طوقان إلى استلام حقائب وزارية في الحكومات المتعاقبة، منذ العام 1967م، حيث شغل منصب وزير الخارجية، ومن ثم نائبا لرئيس الوزراء ووزير دولة، ففي العام 1969م كان نائبا لرئيس الوزراء ووزيرا للدفاع، بعد ذلك نائب الرئيس ووزير الخارجية، ثم أضيفت له حقيبة وزارة السياحة والآثار، وقد استمر في استلام هذه المناصب الوزارية، حتى العام 1970م، عندما حظي بالثقة الملكية، بتعيينه رئيسا للديوان الملكي العامر، وقد توج أحمد طوقان عمله العام المتميز بأن تم تكليفه بتشكيل الحكومة، فأصبح رئيسا للوزراء ووزيرا للخارجية، بعد ذلك بفترة قصيرة أصبح رئيسا للوزراء والحاكم العسكري العام، وفي العام 1972م عين وزيرا للبلاط الملكي، وعضوا في مجلس أمناء الجامعة الأردنية، تسلم منصب رئيس الديوان الملكي للمرة الثانية عام 1972م، أتبع ذلك وفي نفس العام برئاسة مجلس أمناء الجامعة الأردنية.
حاز على مجموعة كبيرة من الأوسمة الملكية، دلت على التقدير الكبير الذي حظي به طوال حياته الحافلة بالعطاء، منها وسام الاستقلال من الدرجة الأولى، ووسام الكوكب من الدرجة الأولى، و وسام النهضة من الدرجة الأولى، وقد عرف عنه حبه للسفر والتجوال، وإتقانه للغتين الفرنسية والإنجليزية، وقد كان بعلمه وعمله المتفرد، وانتمائه الراسخ، مثال الإنسان الأردني المؤمن بالذات والقادر على مواجهة المصاعب، وتحقيق الإنجازات التي تستحق القدير والإشادة على مدى الأيام.