عربي حجازي- قال تعالى : ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (36)الإسراء
أي لا تتبع ما لم تعلمه علم اليقين وما لم تتثبت منه . اليقيـن: العلم وزوال الشك استعرضنا في المقدمة الأولى العقيدة الإسلامية وأدلتها ومصادر التشريع وأدلتها وقلنا إن هذه الأصول لا يصلح الاستدلال عليها إلا بالأدلة القطعية - والآن لننظر معا في معنى الأدلة القطعية .
الأدلة القطعية هي الأدلة التي تفيد اليقين الذي لا يقبل التشكيك والنظر عند من آمن ، فقد مر النظر والتفكر وحصل الإيمان وانتهى الأمر . ويلاحظ في الأدلة القطعية إفادتها العلم الضروري الذي لا يمكن رده فأنت حين ترى بيتا قائما توقن بأن هذا البيت لم يكن ليقوم من ذاته وتوقن بأن له صانعا أقامه وهذا اليقين الذي قد حصل عندك لا يمكن رده ولو حاولت أنت وجاءك المشككون وحاولوا واستمروا في المحاولة لن تتردد لحظة واحدة بإخراجهم من دائرة العقلاء . هذا من حيث الحكم على الواقع المحسوس وأثره وكذلك الأمر بالنسبة للأخبار فأنت تؤمن بحصول حرب عالمية أولى وثانية للخبر دون المعاينة وهذا النوع من الأخبار وهو التواتر يفيد اليقين أيضا ، ولكنا كثيرا ما نسمع قولهم إنا نؤمن بكذا وكذا وعند التثبت والنظر يظهر مخالفة الواقع لما يزعمونه إيمانا ، وهذا الإشكال موجود عند كثير من الناس وعند التدقيق نلاحظ أن ما كانوا يقولون عنه إيمانا ليس فيه من الإيمان إلا قولة (نؤمن) فنراهم اليوم يؤمنون بشيء وغدا يغيرون إيمانهم ليؤمنوا بما يناقض الإيمان الأول وهذا التغيير دليل واضح على أنهم لم يكونوا مؤمنين ابتداء فالإيمان هو التصديق ، ومطابقته للواقع هي التي تثبته أو تنفيه قال تعالى : قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم الحجرات وقال : وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين - لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين - فمكث غير بعيد فقال أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين - إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم 26 وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون - ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون - الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم - قال سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين 27النمل .
والمعرفة الخبرية تقوم على ركنين هما المخبر والخبرأما المخبر فإن كان المخبر معصوما أي لا يخطئ حصل الإيمان بمجرد خبره إن كان ذا دلالة قطعية وهذا الإيمان يكون في نسبة الخبر ومطابقته لواقعه . قال تعالى :«حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب وأن تستقسموا بالأزلام» المائدة
فهذه الآية جاءتنا عن طريق الرسول المعصوم صلى الله عليه وآله وسلم بالخبر المتواتر فنسبتها إلى الله قطعية وهذا معنى قطعي الثبوت و مطابقتها للواقع أي دلالة المفردات والتركيب على المعنى قطعية فهي نص في تحريم الميتة والدم ولحم الخنزير وهذا معنى قطعي الدلالة فالآية قطعية الثبوت والدلالة. فإن كان ذا دلالة ظنية حصل الإيمان بالنسبة دون الدلالة كقوله تعالى : الم؟؟؟ غلبت الروم ؟؟؟ في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون ؟؟؟ في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد؟ويومئذ يفرح المؤمنون ؟؟؟ بنصر الله؟ ينصر من يشاء الروم هذه الآية ثبت أنها من عند الله بالخبر المتواتر - وهذا شأن القرآن الكريم كله - ولكن دلالة المفردات والتراكيب فيها ظنية على معانيها فالخلاف في الحروف المقطعة معروف والبضع يطلق على الثلاث إلى التسع وفرح المؤمنين أهو في بدر أم لانتصار أهل الكتاب على الفرس و غيرها من أقوال في معاني الآية الكريمة هذا ما يجعلنا نؤمن بنسبتها إلى الله ولكل مجتهد أن يغلب على ظنه معنى من المعاني التي تتحملها الآية وللمصيب أجران وللمخطئ أجر إن شاء الله ، هذا في المخبر المعصوم عقلا وشرعا بالأدلة القطعية وهو خبر الرسول صلوات الله وسلامه عليه . قال تعالى : وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4) النجم وأما المخبر المعصوم عقلا فهو الجمع الذي يستحيل عقلا تواطؤه على الكذب وهو التواتر ، مثل وجود مكان لم تأته من قبل مثل وجود كولومبيا لمن لم يأتها يؤمن بوجودها لتواتر الأخبار دون المشاهدة.
أما من حيث الخبر فإما أن يكون مما يجوز وقوعه أو مما لا يجوز والجواز إما أن يكون عقليا أو شرعيا فإن كان جائزا عقلا وشرعا وكان المخبر مقطوعا بصدقه أفاد اليقين ، وإن كان مما لا يجوز وقوعه عقلا مثل اجتماع الأضداد كوجود الشيء وعدمه في زمن واحد أو شرعا مثل سكوت الصحابة مجتمعين على المنكر فلا يجوز للمعصوم نقله . هذا من حيث نوع الدليل و تحقق اليقين .
الإيمــان المـــقبول : ولكن هذا الإيمان بعد ثبوته عقلا وحصول الطمأنينة في القلب لا بد له من انعكاس على الأفعال فلا عبرة لإيمان في القلب تناقضه الأفعال وهذا الإيمان مثل إيمان إبليس وأتباعه من الكفرة قال تعالى:إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون البقرة وقال : قال رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين فنرى الثناء في الآية الأولى لمن آمن وأتبع إيمانه بأفعال موافقة لهذا الإيمان وفي الآية الثانية نرى إبليس قد أقر لربنا بالربوبية ومع هذا الإقرار يأخذ على نفسه العهد بإغواء بني آدم استكبارا وهذا هو الكفر بعينه ، وهذه الأفعال أيضا يجب أن تكون نابعة من المحبة والتسليم يقول تعالى : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ويقول : فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما والمحبة والتسليم يجب أن يكونا موافقين للسنة لقوله تعالى: قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم وارتباط الإيمان بالأفعال ليس ارتباطا آليا لا ينفك عنها وإنما هو ارتباط معنوي يضعف بالغفلة ويقوى بالتفكر وهذا الضعف هو مدخل الشيطان والنفس الأمارة بالسوء على الإنسان وهنا تحصل المعصية أي في حالة الضعف ولا يخرجه ذلك من دائرة الإيمان قال تعالى : وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله . واتقوا الله ويعلمكم الله والحمد لله رب العالمين.
[email protected]