محمود الزواوي - يقدم مسلسل ''أنا قلبي دليلي'' الذي يصور حياة المغنية ليلى مراد وصعودها في عالمي الغناء والسينما مثالا جيدا على المسلسلات التلفزيونية العربية المتعلقة بالسيرة الذاتية والمشاكل الفنية والقانونية التي تتعرض لها، بما في ذلك القضية التي رفعها زكي فطين عبد الوهاب ابن ليلى مراد ضد منتجي المسلسل.
ولعل أضعف عنصرين في هذا المسلسل هو الاختيار غير الموفق لبطلي المسلسل، الممثلة السورية صفاء سلطان التي جسدت شخصية الفنانة ليلى مراد، والممثل المصري أحمد فلوكس الذي جسد شخصية الفنان أنور وجدي، سواء من حيث عدم وجود شبه بينهما وبين بطلي المسلسل أو أسلوب تجسيدهما لشخصيتيهما. وفي المقابل تفوق الممثل المخضرم عزت أبو عوف في أداء دور المغني والملحن زكي مراد والد المغنية ليلى مراد والممثلة هند عاكف في دور والدتها.
من المشاكل التقليدية التي تتعرض لها أفلام ومسلسلات السيرة الذاتية العربية بشكل عام هي أن مخرجيها وكتاب سيناريوهاتها ينسون أو يتناسون أن الشخصيات الراحلة التي يتعاملون معها في هذه الأعمال الفنية غير بعيدة عن ذاكرة المشاهدين، وأن كثيرين من المشاهدين عاصروا هذه الشخصيات ويعرفون الكثير عنها ويلمون بمظاهرها، من الملك فاروق إلى أم كلثوم، ومن عبد الحليم حافظ إلى أسمهان، ومن ليلى مراد إلى اسماعيل ياسين.
لنتذكر - مثلا - أن الممثل فاروق الفيشاوي المعتدل القامة جسد شخصية الملك فاروق المفرط بالبدانة في فيلم ''امرأة هزت عرش مصر'' دون أن يفكر مخرج الفيلم نادر جلال في إدخال أي تغيير على شكل ذلك الممثل، ما بدا غير مقنع على الإطلاق في أداء دوره لشخصية الملك فاروق. ولنقارن ذلك بما يفعله كبار نجوم هوليوود في زيادة أوزانهم لكي تتناسب أشكالهم مع الشخصيات التي يجسدونها على الشاشة، وهو ما نجح فيه مسلسلا ''العندليب'' و''أسمهان'' - على سبيل المثال - في إسناد دوري البطولة فيهما لممثلين يشبهان عبد الحليم حافظ وأسمهان.
من العوامل الأخرى التي تفقد مصداقية بعض مسلسلات السيرة الذاتية العربية التي تتعلق بحياة مطربين مشهورين عدم تقديم أغاني المسلسلات بأصوات المغنين الأصليين، ويرجع ذلك على ما يبدو إلى مشاكل قانونية تتعلق بحقوق الملكية، كما حصل في مسلسلي ''أنا قلبي دليلي'' و''أسمهان''.
وبصرف النظر عن المقومات الفنية لمسلسل ''أنا قلبي دليلي'' ووقائعه التاريخية المقنعة بالنسبة لنشأة ليلى مراد في طفولتها وصعودها الفني والضغوط التي تعرضت لها بسبب الافتراءات التي شككت في اعتناقها الدين الإسلامي واتهامها زورا بالتبرع للجيش الإسرائيلي وللدور الإيجابي لأغلبية اليهود المصريين في المجتمع المصري خلال النصف الأول من القرن العشرين، وتمسك زكي مراد والد الفنانة ليلى مراد وأسرته المتحدرة من أصول مغربية بولائهم لمصر، فإن اختيار الممثلة صفاء سلطان لأداء دور ليلى مراد يثير الاستغراب بالنظر لأنها لا تشبه ليلى مراد التي تربت ونشأت أجيال على أغانيها وأفلامها ولا زالت صورتها ماثلة في أذهان أجيال عربية متعددة، وذلك خلافا للممثلة هند عاكف التي قامت بدور والدة ليلى مراد والتي تشبهها بالفعل.
كما أن أسلوب الأداء الذي استخدمته صفاء سلطان في تقمص شخصية ليلى مراد لم يكن واقعيا، إذ حولتها إلى ''دلوعة'' أشبه بالفنانة شادية في أدوارها السينمائية - كما أشار إلى ذلك كثيرون - علما بأن ليلى مراد كانت طفلة وشابة وامرأة خجولة، حتى أنها تجنبت الظهور في الحفلات الغنائية العامة على مدى سنين طويلة بسبب ما عرف عن حيائها وخجلها، واعتزلت العمل الفني في سن السابعة والثلاثين، وهي سن مبكرة في حياة الفنانين.
أما الممثل أحمد فلوكس فقد حول الفنان أنور وجدي بحركاته المبالغ فيها إلى شخصية كاريكاتورية لا تمت للواقع بصلة. ويتحمل مخرج المسلسل محمد زهير رجب جزءا من المسؤولية عن أداء بطلي الفيلم غير المتناسب مع شخصيتي القصة.
يضاف إلى ذلك أن كاتب القصة صالح مرسي وكاتب سيناريو المسلسل مجدي صابر قدما أنور وجدي كشخصية ذات بعد واحد لا يهمها سوى المال. ومع أن الجانب المادي لأنور وجدي واستغلاله للفنانين الآخرين، وفي مقدمتهم زوجته ليلى مراد، من الحقائق المثبتة لشخصيته، فليس من الممكن تجنب حقائق هامة أخرى في حياته كواحد من أشهر ممثلي عصره في السينما العربية، إن لم يكن أشهرهم على الإطلاق في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وكفنان ناجح جدا متعدد المواهب كمخرج ومنتج وكاتب سينمائي بمعايير وعرف الأيام التي ظهر فيها. ومن أفلامه التي لا تنسى فيلم ''غزل البنات'' الذي قام بإخراجه وإنتاجه وتقاسم بطولته مع ليلى مراد ونجيب الريحاني ويوسف وهبي وقدم فيه موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب أغنيته الشهيرة ''عاشق الروح''.
من المشاهد التي تدخل في نطاق الاستهتار بعقلية المشاهد في مسلسل ''أنا قلبي دليلي'' مشهد تظهر فيه المغنية ليلى مراد وهي ترفض طلب القصر للغناء للملك فاروق، بحجة أنها مشغولة في أفلامها وتسجيلاتها وحفلاتها الغنائية. يبدو أن كاتبي قصة وسيناريو المسلسل يعتقدان بأن المشاهدين متخلفون عقليا لتصديق رفض ليلى مراد طلبا للملك فاروق، ولو فعلت ذلك حقا لاختفت وراء الشمس. وفي حقيقة الأمر أن ليلى مراد كانت على علاقة ودية مع الملك فاروق.
يذكرنا هذا المشهد بمشهد آخر في نطاق الاستهتار بعقلية المشاهد في المسلسل التلفزيوني ''العندليب'' حين استدعى المشير عبد الحكيم عامر المغني عبد الحليم حافظ إلى مكتبه وطلب منه الاعتذار لسيدة الغناء العربي أم كلثوم بعد أن كان عبد الحليم انتقد كوكب الشرق بعبارات جارحة بسبب تأخرها في الوصول إلى حفلة غنائية عامة اشترك فيها عبد الحليم بعد أم كلثوم. فما كان من عبد الحليم - وفق كاتب سيناريو مسلسل ''العندليب'' مدحت العدل - إلا أن صرخ في سيادة المشير ورفض الاعتذار لأم كلثوم وغادر مكتب عبد الحكيم عامر بغضب شديد. والأدهى من ذلك أن من المفروض أن يكون عبد الحليم قد فعل ذلك حين كان في بداية صعوده الغنائي. ولو حدث ذلك بالفعل لاختفى عبد الحليم حافظ أيضا وراء الشمس. بالله عليكم أن ترحمونا وترأفوا بنا وتحترموا ذكاءنا يا كتاب سيناريوهات المسلسلات التلفزيونية العربية.
كلمة أخيرة .. حول المسلسل الرمضاني «انا قلبي دليلي»
12:00 7-10-2009
آخر تعديل :
الأربعاء