مجدولين أبو الرب نبوءةتلك اليدان، كانتا الأجمل بين أيدي الرجال جميعاً. كنت أغتنم الفرصة للجلوس إلى جانبه، أشبع نظري وإحساسي بحنطة يديه، فيما هو يراقب شاشة التلفاز. أجلس قربه، وأمسك يده. أتأمل أصابعه، حنطته المجعدة قليلاً.كفّه أكبر من كفي. أتحسس باطنها وظاهرها. يواصل متابعة التلفاز ويده مطواعة في يدي.أشم رائحةً فيما أقبّل يده. أواصل شم كفه. في ظاهر يده، أبحث عن الرائحة، أحبها. أجدها تسكن بين السبابة والوسطى. أغمض عيني وأشمها بعمق. لا أجمل من رائحة التبغ بين أصابع أبي، وحتى لون أصابعه الداكن المائل إلى الصفرة يعجبني.تلك الحنطة التي أحببت كانت إشارة، مثل نبوءة عرّافة. تنبئني بأني في القادم سأبحث، وأوغل في المسير، أهيم في حنطة أخرى. وبأني سأسير على درب لا أرى آخره، تجذبني حنطته. أتبعه، وأرمي من يدي، كل بضع خطوات، حبةَ قمح.وعندما أريد أن أعود، أضلّ الطريق، فأتذكر حبات الحنطة التي نثرتها خلفي، لترسم لي طريق العودة، فلا أجدها. نقرتها الطيور. ومن يومها، لا أعود، لا أعود.لربما كانت المسافة إلى باب دارك أطول بكثير من المسافة بيني وبين زحل.المركبة الفضائية احتاجت سبع سنوات كي تصل إلى زحل، وأنا أسير منذ عشرين عاماً، ولا أصل إليك. بترأخبرني صديق أن إصبع رجله المبتورة ترعاه، تحكّهأخبرته أن حبيبي يوخز إحساسي، يلسع أعصابي.أخبرني الصديق أن إصبع رجله المبتورة تؤلمهأخبرته: لا عجب، فأنا يؤلمني حبيبي حبيبي الذي بينه وبيني مئات السنوات الضوئية يؤلمني يوجعني.ولم أقل حبيبي المبتور عني.أخبرني أن قدمه توارت في تراب الموتى.أخبرته أن حبيبي توارى في هدير الأحياءلم يعد يراني ولو كنت على مرمى ظله. تحادقتُ محاوِلة أن أخفف عنه وربما عني: «هل تكترث إصبع قدمك، أو حتى القدم المبتورة، هل تكترث بك؟».أجاب وهو يداري وجعه: «لكنها ترعاني. وأحياناً أشعر ضغطاً يؤلمني تحت الإظفر في الساق المبتورة». انبعاثاعتدتُ العطرَ الذي تُحبّه. كنت أضع قليلاً منه، فتجعلني الرائحة أستحضرك في غيابك، فيملأ حضورك المكان، ويحلّ في رذاذ الزمن المنهمر.خذلتني طقوس العطر تلك، فعندما كنت أقلّب زجاجة العطر، قبل أن أخرجك من قمقمها وأبعثك مع الرائحة، فطنتُ فجأة: أنت لا تعرف هذا العطر.. كيف حدث وعدَدْتُه عطرك الذي تحب، وأشتريه دائماً؟كيف أحضرك مع تلك الرائحة؟!هل فعلاً كنت تحب عطري هذا، أم هو أمر اخترعه خيالي؟لا أدري!كل ما أدريه أن هذه الرائحة تنجح باستحضاركنفسي المثقلة لا ترغب بالتفسير.وكي لا أثقل عليها أكثر، رميت كل أواني العطر.لون الحنين نفسه أماكن تسكن ذاكرتي، وأحنّ لها.نوافذ ينبعث منها ضوء أصفر في بيوت وحيدة على تلال بعيدة. بوابات، أسوار، لا أذكر أنني شاهدتها من قبل. طرق لا أذكر أنني مررت بها، لكنها تظل ماثلة في عقلي. لهذه الأماكن سطوة غريبة عليّ. أهي في المتخيل فقط، أم إنني عشتها؟!أحنّ لها، وأحنُ إلى الحجارة الكبيرة، والسناسل، والأبواب الخشبية القديمة، وجذع الزيتون الروماني! وأنت؟! ما الذي يقحمك فيها لتتخذ لون الحنين نفسه؟! لهفة الصدىما كنتُ سوى رجعٍ لإيقاعات الماضي. لهفتي عليك لهفة الصدى على صوته.لهفة الصدى للصوت. وما هذا إلا مجاز.هذا الخواء يجعلني أسلم دفتي للريح للمجهول.أستمطر غيمة من حروف انحبست في حنجرتي، فلا يهتز أيّ من أوتار صوتي ولا تنهمر الكلمات.أضرب البحر بعصاي، ترفض حبات الماء أن تتحجّر، يبقى الماء هو الماء، وتعتذر العصا.أذرو التراب الأحمر، فلا تتلون الريح إلا بلونها، وتبقى الريح هي الريح.أمسك بعقارب الساعة المكشوفة، أعبث بها للأمام والخلف، لكن الزمن يبقى هو هو. وما من لحظة يلتقي فيها الصدى مع الصوت.
هذيان التيه
12:00 25-11-2011
آخر تعديل :
الجمعة