في وعينا السياسي، شعارات وأسئلة مزمنة، ظلت مفتوحة وبلا أجوبة، لأننا ببساطة استبدلنا جسارة الموقف بابتكار المهارب وتنصلنا من مسؤولياتنا بنفخها إلى السماء.
قوة لبنان في ضعفه، شعار لبناني عتيق، غير مهم، رأيناه غريبا، حكيما، أم جدليا. ففي صفه من يقول أنه أعفى لبنان من مسؤوليات الحروب المرتجلة وجولات التنافس على دور محوري، فاشل أو مفقود! كأني بلبنان وصل قبل غيره إلى مقولة الإمام الفيلسوف علي (كرم الله وجهه).. السياسة هي الاختباء بين شرين.
ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة. شعار أخر طرحه عبد الناصر وكسره السادات حين أعاد سيناء بالسياسة.
لا حرب بدون مصر ولا سلام بدون سوريا، شعار أبطلت الحرب السادسة نصفه الأول وتركت نصفه الثاني للتطورات.
هذا هو شرقنا الأوسط، التسويات فيه لا تعني السلام، والمستحقات فيه لا تتصل بالمسؤولية، والأدوار منفصلة عن الإمكانات.
بشيء من كل هذا خسر لبنان جزءا من أرضه، واستضاف نصف مليون فلسطيني. المفارقة أن المضيف تحول إلى ضيف.. فقد رحبت المخيمات الفلسطينية بنازحي الجنوب.
لقد نجحت الديمقراطية التوافقية في احتواء التناقضات الطائفية وتأمين الاستقرار، ضمن إطار دولة مدنية نموذج للعيش المشترك والحريات دون إدعاء. الأمر الذي جعل لبنان ملاذا لكل حلم مقموع أو قلم مردوع.
كما أن مثلث الدين والوطنية والعروبة، الذي فرخ معظم الصراعات العربية الداخلية ولا يزال، كان اضعف مما تحت الجلد اللبناني من وعي مثقف وزع نفسه على أضلاع المثلث بعدالة.. ليكون السؤال: أي مرحلة من مراحل الاحتراب الداخلي انطلقت دون يد تسللت من خارج الحدود ؟!.
إذ نجحت الديمقراطية التوافقية في ضبط الداخل، فإنها حين اصطدمت بإشكالية الهوية تشطرت شظايا. هذا لم يحدث لأن الهوية حاجة داخلية ملحة، فهناك العديد من الدول تتعايش مع هوية مهددة أو غير محسومة، بل بسبب ما يترتب أو يرتب على هذه الهوية من مستحقات.
عربيا، كان اختيار آليات التمثيل النيابي ولا يزال، يستند إلى أهليتها على إقصاء الايدولوجيا، فتنفتح الدروب لقرار سياسي دستوري، وبالتالي شرعي. لكن الانكشاف يبرز عند أول امتحان، حين يتضح أن الأغلبية البرلمانية لا تمثل شرعية شعبية، وأن الأغلبية الصامتة امتنعت عن المشاركة دفاعا عن ذكائها. حدث هذا في العراق وفلسطين وغيرهما، لكنه في لبنان تجسم بحده عبر الحشودات المليونية المتناقضة، التي شهدتها ساحاته قبل شهور.
رغم تقدير الكثيرين بأن الحوار الداخلي حول سلاح حزب الله ودوره سيفشل، إلا أن القلق من احتمال اقتتال جديد كان يلغيه إعلان الأطراف كلها، وأولهم سماحة السيد حسن نصر الله بأن لا قدرة لأحد، ولا رغبة عند أحد في إلغاء الآخر أو تجاهله أو فرض خياراته عليه. لكن حين انطلقت صواريخه مع غياب الإجماع، اتضح أن كلمات السيد كانت تواضعا ليس أكثر.
بعض الطرح، أن حزب الله صادر الدولة ونصف اللبنانيين مستندا إلى قداسة فكرة المقاومة وإلى بشاعة التطابق بين مطالب قوى 14 آذار والمطالب الإسرائيلية المعلنة، من جهة نزع سلاح الحزب وبسط سلطة الدولة على كل الأرض اللبنانية وأولها الجنوب.
حسن نصر الله، أيا كان، وطنيا لبنانيا، مجاهدا، بطلا قوميا، ثوريا، زعيما مذهبيا. نجح في توقيع الممكنات (حولها إلى واقع). فصواريخه التي دفعت بنصف الإسرائيليين إلى الملاجىء، ألقت على طاولة القرار الإسرائيلي الفرضيات التالية:
1- وصول 12 ألف صاروخ إلى حزب الله فشل استخباري لإسرائيل والولايات المتحدة.
2- الجدار العازل ليس آلية أمنيه كافية، فالصواريخ تجتازه وهو مثل هبل، لا يقوى حتى على الدهشة.
3- هيبة الجيش تحجمت، وتفوق القوة التدميريه لا يعني القدرة على السيطرة.
4 - مقولة شارون «إن ما لم يؤخذ بالقوة يؤخذ بالمزيد منها» غير واقعية، لأن هذا المزيد بعد شهر منه، أنتج مزيدا من العجز ومزيدا من الانكشاف.
5- كل ربح معنوي للمقاومة، يضيف شعبية للايدولوجيا على حساب الواقعية السياسية.
6- زلزال حزب الله، كبر علامات الاستفهام الحائمة فوق سقف الموقف العربي الرسمي من فلسطين. وهي علامات، نجحت في تحصين الحاجز النفسي ضد التطبيع، وتغذية اتفاقات السلام بالفتور.
7- ربما نجح التدمير والقتل والتهجير في تآكل شعبية حزب الله لبنانيا، لكن شعبية السيد حسن نصر الله، اقتربت في الشارع العربي والإسلامي من الزعامة.
8- فرص إنجاز اتفاقات سلام جديدة مع العرب ضعفت، وعامل الزمن ليس بالضرورة لصالح إسرائيل، بل أن فرصا حقيقية ضاعت وقد لا تتكرر.
لكن هذا كله، بما يستحق من قيمة، لا يفسر أو يجيب على:
1- يقول حزب الله أنه وظف علاقاته الخارجية لخدمة مصالح لبنان وفلسطين وهذا يحتاج إلى أن تكون تلك المواقف من القضايا العربية خارج الشكوك،
2- يوم 26/7/2006 قال السيد حسن نصر الله «أن التحديات التي تواجه مشروع الشرق الأوسط الجديد هي المقاومة في لبنان وفلسطين». لم يكن عدم ذكر المقاومة العراقية سهوا، بل تجنبا للتناقض.
3- اتساءل عن الدافع الذي منع من زود حزب الله بصواريخ ارض - ارض من تزويده بصواريخ ارض - جو وهو يدرك ان رد الفعل الاسرائيلي سيكون مرتكزا على سلاح الجو.
4 - حين يعلن العرب عبر أرفع مرجعياتهم الرسمية (مؤتمرات القمة) ودون تحفظات فلسطينية. إن السلام مع إسرائيل هو خيارهم الاستراتيجي، ثم تنطلق دعوات إزالة إسرائيل، يصبح سهلا على إسرائيل أن توهم العالم بأنها تخوض حربا ضد الإرهاب.
بتقديري ان الحرب ستنتهي بالنتائج التالية:
1- سيهدي حزب الله نصره للبنانيين، نصفهم سيحوله لفكرة المقاومة، ونصفهم الآخر سيتبرع به إلى الحسابات الخاطئة!
2- سيتم توفير البيئة المناسبة لبناء الدولة اللبنانية على أسس تضمن عدم تكرار ما حدث، وذلك بآليات دولية وداخلية.
3- ستتاح الفرصة للنظام السوري للعب دور إيجابي جديد يخدم استقرار لبنان على حساب التحالف غير المقنع مع إيران. وهي فرصة سورية نتمنى أن يتم استثمارها للإفلات من الضغوط.
4- ستتكثف جهود الإدارة الأميركية لإنجاز تسويات على المسارين السوري والفلسطيني مع إسرائيل.
5- سيدور حوار أمريكي - اسرائيلي سري وجاد حول واقعية مشروع كاديما وقدرته على إنهاء هاجس الأمن الإسرائيلي المزمن، وحول جدوى الحديث مع شركاء عرب معتدلين كبديل لسياسة الإذعان وابتزاز التنازلات بواسطة القوة.
6- ستضيف الأنظمة العربية إلى أجندات أمنها الوطني، أن الحياد أو التهرب من المسؤولية العربية تهديدا.. وقد يكون مباشرا.
بالعديد من المعاني، سيخرج حزب الله من الحرب منتصرا، وستضيف إسرائيل إلى سجلها الإجرامي البشع فصلا جديدا، لكن هذا النصر مثقوب بالأصابع الإيرانية. فلو انطلق حزب الله من إجماع لبناني وتنسيق عربي، لما شهدنا كل هذا التراشق بالفتاوى بين نصرته وتخطيئه.
الحرب ستنتهي.. والكلفة التي دفعها اللبنانيون من تضحيات وضحايا، لن يعوضها شيء، سوى أن تشكل أساسات لبناء لبنان الدولة، والجمال، والتميز. أما الدور فهو كما أسلفنا، إشكالية عربية كبيرة، ليس عدلا أن يتحمل لبنان الصغير كلفتها.
قال لي أحد اللبنانيين، «إن الحالة الوحيدة التي أقبل فيها أن تصادر إرادتي، هي صوت وديع الصافي حين يقرر عني أن أسمع الغناء صلاة»... !
لبنان... سلام لك وعليك.