يوسف ضمرة - ربما تقدم رواية الحبيب السالمي هذه (دار الآداب، 2008) وجبة دسمة للمتلهفين على البحث في العلاقة بين الشرق والغرب روائيا. ويكفي هنا أن يكون البطل العربي موجودا في أي مكان أوروبي، وأن يقيم علاقة أيا كان شكلها وجوهرها، لكي يركز هؤلاء الضوء كله على هذه العلاقة، والنفاذ من خلالها إلى الفوارق بين ثقافتين وهويتين وما إلى ذلك.
هذه الرواية التي كانت في القائمة الصغرى لجائزة البوكر العربية 2009، تغري بذلك، حيث تتوافر فيها حقا مقومات التشابك، بسلبياته وإيجابياته بين ثقافتين. لكن لا بد من الإشارة إلى أن مثل هذه القراءات أصبحت قراءات نقدية نمطية، تكتفي باتباع مسار واحد في النص، من دون محاولة لرؤية أي مسارات أخرى. فللنص مستويات عدة، وينبغي استنطاق هذه المستويات كلها، أو معظمها في الأقل. فإذا كانت الذات الكاتبة موزعة ومتشعبة إلى أكثر من ذات، فإن النص سوف يكون بالضرورة موازيا لتعدد هذه الذوات ومستوياتها المتباينة.
تطفو على سطح هذه الرواية أولا حكاية حب عادية، تشبه الكثير من العلاقات بين الرجال والنساء على هذه الأرض. وفي هذا السياق لا يبدو في الرواية ما يلفت الانتباه أو يضيف جديدا إلى الكتابة الروائية. فثمة رجل تونسي -عربي- يحب فتاة فرنسية، ويعيش معها بضع سنوات ثم ينفصلان.
مثل هذه القراءة الخارجية للنص كما هو، تدفع القارئ المتمرس إلى ارتياد آفاق أبعد، والغوص قليلا إلى ما هو تحت السطح الخارجي. وهنا تبرز العلاقة بين الشرق والغرب. فما دام الرجل عربيا والمرأة فرنسية، فإن من البديهي أن نبحث عن طبيعة هذه العلاقة، ومساءلة النص للخروج بتبريرات في السياق نفسه -سياق الصراع بين الشرق والغرب- تقنعنا بمسار العلاقة منذ بدايتها حتى الانفصال الأخير.
هنا سوف يركز القارئ على خلفية الرجل العربي أولا، بوصف خلفية المرأة أكثر انسجاما مع شخصيتها حين نشوء العلاقة، الأمر الذي ربما لا ينطبق على الرجل العربي القادم من الصحراء التونسية، مثقلا بتقاليد ومفاهيم وأفكار تطال مفردات الحياة كلها، بما في ذلك المرأة، والعلاقة بينه وبينها. ويمكن العثور بسهولة على الفروقات بين الخلفيتين الثقافيتين لكل من طرفي العلاقة.
قد يبدو هذا مقنعا في مرحلة معينة من القراءة. أي أن تكون هذه الفوارق الثقافية هي التي صاغت العلاقة بين الاثنين على ما بدت عليه، وأدت إلى ما حددته الرواية من انفصال كأنه حتمي، إذا ما حصر القارئ نفسه في هذه الفوارق. لكن القراءة اللاحقة سوف تحمل أسئلة جديدة جديرة بالإجابة والتوقف، وسوف تجابه القارئ ببعض الحقائق الموضوعية في النص، كالإشارة إلى مرور سنوات عدة على وجود الرجل في فرنسا قبل بدء العلاقة، ما يعني التقليل من حدة الفوارق الثقافية بين الاثنين، وما يمكن أن تتسبب به من معيقات أو عقبات في هذا السياق تحديدا. ولا يفوت المرء أن الرجل التونسي العربي ليس مجرد رجل مهاجر عادي، فهو درس في فرنسا، وحصل على شهادة الدكتوراه من إحدى جامعاتها، وأصبح أستاذا محاضرا -ولو جزئيا- في غير جامعة. وهذه العلامات كفيلة بإضافة رصيد إضافي لجسر الهوة الثقافية بين الطرفين، أو ردم قسم كبير منها على الأقل، رغم مدى تجذر الهوية في النفس البشرية، ومدى تشبث الجغرافيا بصاحبها.
لكن ذاتا أخرى كاتبة في النص، تحيل إلى أبعاد سيكولوجية فردية لا علاقة لها بالهوية والتاريخ والجغرافيا، تنحصر علاقاتها في الذات والنشأة الفردية الخاصة والخالصة.
فعلاقة محفوظ التونسي بماري كلير الفرنسية ليست أول علاقة تربطه بالمرأة الفرنسية، لكنها كما يقول أول حب. أي أن الرجل ليس جديدا على المرأة الأوروبية كي يكون ميراثه الشرقي هو الذي يتحكم فيه أثناء العلاقة. لكن هذا الحب الأول، له استحقاقات وسمات، وتترتب عليه حقوق وواجبات ونماذج سلوكية مغايرة لأي علاقة أخرى عابرة بين الرجل والمرأة. وهذا ما يصح على أي حب أول أيا كانت جنسية الرجل وميراثه وثقافته، وكذلك المرأة.
على أن هذه الصورة المبسوطة أمام القارئ، وهي ثلاثية المسارات، لا تعني أن هذه المسارات منفصلة بعضها عن بعض، وأن التلاقي والتقاطع بينها أمر غير وارد في أي حال من الأحوال.
فخيانة المرأة ليس شرطا ثقافيا شرقيا، ولكنه هنا يبدو كما لو أنه كذلك، حيث يشتهي محفوظ امرأة أخرى وهو رفقة حبيبته ماري كلير. وهذا التفكير ليس نمطيا في الغرب في حال كهذه، لكنه قد يبدو مقبولا في الثقافة الشرقية الذكورية، التي تفاخر بالفحولة في أشكال عدة، كتعدد النساء، وعدد المضاجعات، والمقدرة على الهيمنة الذكورية وبسط النفوذ الذكوري على المرأة، حتى لو كانت حبيبة حقيقية.
لكن اللافت أكثر في هذه العلاقة، هو أن الرجل التونسي مغرم بالصعاليك العرب، وهو يقوم بتدريس هذه المادة في الجامعات الفنرسية. والمعروف أن أكثر ما ميز الصعاليك الشعراء العرب، هي عزلتهم. ولذلك لم يكن غريبا أن يتمتع محفوظ بعزلته في شقته، إلى الحد الذي جعله يفضل العمل ليلا في الفندق الذي كان يعمل فيه، حيث قلة الزبائن والعابرين، ما يعني قلة الاحتكاك بالآخرين، ومن ثم النوم نهارا حين لا يكون مضطرا لمحاضرة جامعية. هكذا كان نمط الحياة اليومي خاصته محكوما وموسوما بعزلة اختيارية. ولكنها في العمق لم تكن كذلك. فمن خلال العودة إلى طفولته، يكتشف القارئ أن محفوظ الوحيد من إخوته الذي نجا من الموت بعد ولادتهم. وهذا ما جعله محط رعاية فائقة من قبل الأم، التي لم تفارقه كقيمة منذ رحيلها. لكنه أيضا -وربما لإبعاده عن الأولاد الآخرين- كان يقضي معظم وقته وحيدا كصبي معزول، وكان يقيم علاقات غريبة مع كائنات البرية، كالنمل والعقارب مثلا، ثم العلاقة الخاصة بالحمير.
لقد حمل محفوظ عزلته الذاتية وجاء بها إلى فرنسا، حيث الأضواء والصخب والعلاقات المفتوحة، ولكنه اكتفى من هذه الأجواء كلها بعلاقات نسوية محددة، ربما تشبه علاقته بالأتان في قريته.
في أجواء العزلة الذاتية هذه، تنشأ علاقة الحب الأول بينه وبين ماري كلير. وهنا تبرز الروائح التي تثير فيه مناخات غريبة من الشهوة. وهي فيتيشية من نوع مختلف عن فيتيشية الثياب، رغم اعترافه بولعه بالثانية. ولكن الروائح شيء آخر، حيث رائحة الإبط الأنثوي، التي هي مزيج من رائحة العرق الأنثوي والمعطرات المخففة. وإذا ما عرف القارئ مقدار ولع أم محفوظ به، وخوفها عليه طفلا، فسيتصور كم كانت تحضنه وتضع رأسه على كتفها وفي حضنها قريبا من الإبط المتعرق. وبمعنى ما، فإن محفوظ ربما في لا وعيه وجد في ماري كلير صورة من أمه الحنون، في ظل عزلته في مجتمع يتميز بالفردانية، واحترام خصوصيات الآخرين أيا كانت.
وربما يفسر لنا هذا سر الغيرة التي كانت تأكل الرجل من ماضي ماري كلير العادي جدا بالنسبة لفتاة فرنسية، بل وربما كان ماضيا محتشما مقارنة مع أخريات، حيث قبلها صبي مرات عدة في قبو منعزل. وربما يفسر لنا أيضا سر اشتهائه امرأة أخرى وهي صحبته في مساء ما. وربما تؤكد التفاصيل الصغيرة ذلك.. أي الحنان الذي كان يستشعره في علاقته بماري كلير، والحميمية التي تسم لقاءاتهما وجلساتهما، وخصوصا الصامتة منها، كلحظات الإفطار وما يليها من سكون وطمأنينة. وربما يفسر أيضا سر انقياده إليها في كل ما تقترحه وترغب فيه، وإعجابه بذلك في ما بعد، رغم عدم حماسته الأولية التي كانت ترافق اقتراحات مشاريعها. وقد أدركت ماري كلير ذلك، وبدا هذا في وضوح حين أخذت تسأله عن تفاصيل علاقته بأمه.
لكن اللافت في نهاية العلاقة، هو أنها ليست محبوكة كما ينبغي. أو ليست مبررة ومقنعة فنيا كما كانت التفاصيل الأخرى من قبل، اللهم إلا إذا أراد الكاتب أن يقول إن ماري كلير لم تعد تحتمل غيرته وما يترتب عليها من توتر المناخات بينهما. وهو أمر كان يمكن له أن يعالج في أكثر من وسيلة. لكن لا يمكن إهمال رغبة محفوظ في العودة إلى عزلته، رغم كل ما حققته له العلاقة من توازن نفسي.
في الأحوال كلها، فإن ما يهم في هذه الرواية هو بساطتها بنائيا ولغويا، بحيث كانت ملائمة لقصة حب شفافة إلى حد كبير، لا تحتاج إلى تعقيدات أو تغريب هنا وهناك. كما أنها رواية قابلة للقراءة في مستويات عدة، ولكن لا بد من النظر إليها في مستوياتها كلها معا، لكي يتمكن القارئ من إعادة كتابتها قدر المستطاع.