د. غسان إسماعيل عبد الخالق - إذا كان الغموض مصطلحا عاما يصعب وضعه بين قوسين، فإن الرمز في موروثنا العربي بوجه خاص وفي الموروث الإنساني بوجه عام، يمثل أكثر أقانيم الغموض بروزا واستثارة للنقاد.
لقد ابتكرت كل الحضارات البشرية رموزها المختلفة، وأبرزتها في موروثها المحكي والمكتوب. وفي حالات كثيرة مثلت بعض هذه الرموز جوامع مشتركة بين أكثر من حضارة، تبعا لمستوى تواصلها الحضاري والإنساني. وفي هذا الإطار كان للإنسان العربي رموزه الكثيرة التي وصلت إلينا مكتوبة من خلال موروثه الشعري، المحكي في البداية، والمتواتر مشافهة.
من حسن الحظ أن هذا الموروث الشعري الهائل، نال اعتناء كثير من من المثقفين والرواة والأدباء والنقاد الأوائل الذي احتفظوا لنا بجزء كبير من هذا الموروث، مضافا إليه مساهماتهم الأدبية والنقدية القيمة، غير أن هذا الجهد الثقافي الكبير، يظل بحاجة ماسة إلى مراجعات كثيرة.
وإذا تجاوزنا قليلا عن دور الأيديولوجيا السائدة في مرحلة التدوين في توجيه وتفسير الموروث الشعري، علاوة على تغييب بعض هذا الموروث في بعض الأحيان، فإن المهمة الأساسية الملقاة على عواتقنا تتمثل في فهم هذه الجهود النقدية والأدبية وتجاوزها في آن.
لقد كان العجز عن فهم الرمز في القصيدة الجاهلية أحد أهم ملامح القصور في الجهد النقدي، الذي يحتاج في أيما بيئة اجتماعية إلى شرط تاريخي وثقافي طويل كي يتمخض عنه منهج، وإلى عامل موضوعي يتعلق بانفراط الضوابط الاجتماعية والأيديولوجية التي تحد من تبلور هذا المنهج.
تاليا مقاربات لرمز القوس في ثلاث قصائد جاهلية، في ضوء النظر إلى الشعر الجاهلي على أنه أعلى أشكال الوعي المتاح لدى الإنسان العربي في ذلك العصر. ومن الضروري تأكيد حقيقة أن قراءتنا للرمز في هذه القصائد لا تعدو كونها احتمالا ممكنا ما دام أن النص ممكن الفهم على هذا النحو، وهي قراءة لا تلغي أي فهم آخر.
القوس في لامية أوس بن حجر
تتأسس قصيدة أوس بن حجر منذ البداية على فعل الانعتاق صحا من هم كثيرا ما أناخ بظله على وعي الشاعر، إنه هم أم عمرو التي كان من الممكن أن تكون محض امرأة يداعب طيفها مخيلة الشاعر، لولا أن تداعي وعي الشاعر باتجاه الحين يدفعنا إلى الاعتقاد أن أم عمرو هي المنية:
صحا قلبه عن سكره فتأملا
وكان بذكرى أم عمرو موكلا
وكان له الحين المتاح حمولة
وكل امرئ رهن بما قد تحملا .
@@@
في لحظة مواجهة مع حتمية الموت التي أرهقه التفكير فيها، يقرر الشاعر أن يكسر رهبة هذه الحتمية، وذلك من خلال الوعي على كونها قدرا مطلقا، إنها الحمولة التي ينذر لها الإنسان من أول لحظة في حياته، غير أن هذا الإصرار على المواجهة مع حقيقة الموت المطلقة ليس كافيا من وجهة نظر الشاعر، بل هو مرحلة أولى من مراحل التحدي، لذا فهو يعمد إلى فلسفة مواجهته، مرتبا مجموعة من المقدمات:.
فالموت بالنسبة له هو الموت عجزا، أي أنه يرفض ذلك الموت المبتذل البطيء. إن الموت والحياة كلاهما مسببان؛ العجز موت، والحياة حزم.
أقيم بدار الحزم ما دام حزمها
وأحر إذا حالت بأن أتحولا
وأستبدل الأمر القوي بغيره
إذا عقد مأفون الرجال تحللا .
@@@
والخدم الذي يحولون دون الموت ها هنا، أي دون العجز، أدوات الحرب: الرمح، الدرع، السيف والقوس:
وإني امرؤ أعددت للحرب بعدما
رأيت لها نابا من الشر أعضلا
أصم ردينيا كأن كعوبه
ندى القب عراصا مزجا منصلا
وأملس صوليا كنهي قرارة
أحس بقاع نفخ ريح فأجفلا
وأبيض هنديا كأن غواره
تلألؤ برق في حبي تكللا
ومبضوعة من رأس فرع شظية
بطود تراه بالسحاب مجللا .
@@@
إن القوس تغدو أداة تحجب كل الأدوات، وتستأثر بعشق الشاعر لها؛ فهي مقطوعة من على صخرة زلقة فوق جبل شاهق، يرنو إليها راع فلا ينالها، حتى إذا مر به رجل من ميدعان أشار عليه بها، فما يزال يرقى إليها حتى كاد يأكل الصخر أظفاره، وما إن يظفر بها وقد بلغ به الفرح مبلغا كاد ينسيه ما بذل فيها من عناء، حتى يعمد إلى تمظيعها ماء اللحاء خشية التلف، ثم هو يعالجها بصيقل حاد فيجردها صفراء ، ليس فيها طول فيعيبها، ولا قصر فيزري بها، كتوم، لكنها شديدة النواح إذا نبض عنها الرامي، لها سهام مريشة كجمر الغضا الملتهب:
على ظهر صفوان كأن متونه
عللن بدهن يزلق المتنزلا
يطيف بها راع يجشم نفسه
ليكلأ فيها طرفه متأملا
فويق جبيل شامخ الرأس لم تكن
لتبلغه حتى تكل وتعملا
فابصر ألهابا من الطود دونها
ترى بين رأسي كل نيقين مهبلا
فأشرط فيها نفسه وهو معصم
وألقى بأسباب له وتوكلا
وقد أكلت أظفاره الصخر كلما
تعايا عليه طول مرقى توصلا
فما زال حتى نالها وهو معصم
على موطن لو زل عنه تفصلا
فأقبل لا يرجو التي صعدت به
ولا نفسه إلا رجاء مؤملا
فلما نجا من ذلك الكرب لم يزل
يمظعها ماء اللحاء التذبلا
فجردها صفراء لا الطول عابها
ولا قصر أزرى بها فتعطلا
كتوم طلاع الكف لا دون ملئها
ولا عجسها عن موضع الكف أفضلا
إذا ما تعاطوها سمعت لصوتها
إذا نبضوا عنها نئيما وأزملا
وإن شد فيها النزع أدبر سهمها
إلى منتهى من عجسها ثم أقبلا
فلما قضى مما يريد قضاءه
وصلبها صرحا عليها فأطولا
وحشو صغير من فروع غرائب .
تنطع فيها صانع وتنبلا .
@@@
حكاية هذي القوس حكاية طويلة، كأن الشاعر لم ينشئ قصيدته إلا لكي يحكيها، وكأن الرمح والدرع والسيف ليست بعدة إلى جانب هذه القوس التي لم ينقع غلته سواها، والتي لولاها لما كان الشاعر قد اطمأن كل الاطمئنان للقول:
فذاك عتادي في الحروب إذا التظت
وأردف بأس من حروب وأعجلا
وذلك من جمعي وبالله نلته
وإن تلقني الأعداء لا أكف أعزلا .
@@@
فإن صح ما افترضناه سابقا، من أن الموت بالنسبة للشاعر في هذه القصيدة هو شغله الشاغل الذي أراد أن يريح ذهنه من الاشتغال به، وأن الموت بالنسبة له -وهو العربي الجاهلي الذي قسم الدهر شطرين: تارة يغزو وتارة يغزى، تارة يكر وتارة يفر- هو موت العجز وافتقاد الحيلة والعدة المسببة للموت أصلا، وأن هذه العدة لا تقارن بالقوس، فإن القوس -إن صح كل ذلك- هي وسيلة لكسر حتمية الموت البغيض إلى نفسه.
ولكن.. لماذا تكون القوس هي هذه الوسيلة دون السيف والرمح؟!.
ربما لأن القوس بما توفره للرامي عنها من فرصة للرمي دون المغامرة بالنفس، ومن مسافة آمنة تدرأ عنه غيلة أعدائه، فقد غدت تمثل في وعي الشاعر معادلا للمسافة التي يود أن يمتلكها وأن يحافظ عليها دائما في مواجهة الموت. إنه يواجه الموت، لكنه في الوقت نفسه يريد مسافة فاصلة بينه وبين هذا المصير، تتيح له الفرصة لتدبر أمره.
القوس في زائية الشماخ
تتأسس قصيدة الشماخ على فعل الخواء المكاني عفا .
عفا بطن قو من سليمى فعالز.
فذات الغضا فالمشرفات النواشز .
غير أن هذا العفاء، ما كان له أن يقفز إلى ذهن الشاعر لولا ارتباطه بمضمون إنساني هو الخليل باحتمالاته الممكنة: الصديق.. الحبيب... إلخ. ونحن وإن لم نكن نعرف شيئا من أمر هذا الحبيب الخليل ، إلا أن بوسعنا أن نستضيء بهذا التداعي المباشر من المكان إلى الإنسان:.
فكل خليل غير هاضم نفسه
لوصل خليل صارم أو معارز .
ولو افترضنا جدلا أن الخليل الذي أخلى المكان، طائعا أو كارها، هو خليل (غير هاضم نفسه)، فإن النتيجة المنطقية لذلك هي: العدم . وبما أن الصرم بالنسبة للشاعر هو تحصيل حاصل، على اعتبار أن الخليل راح، فإن الخيار الوحيد العاقل الذي يبعده عن الجهل هو الرحيل والنسيان ممتطيا ناقته، بغية كسر ذاكرة المكان:
ومرتبة لا يستقال بها الردى
تلافى بها حلمي عن الجهل حاجز
وعوجاء مجذام وأمر صريمة
تركت بها الشك الذي هو عاجز .
@@@
إن راحلة الشاعر، وسيلته للإيغال في الهرب من الذاكرة، تغدو في وعيه جأبا مطردا يطلب الماء في شدة القيظ والرماة من خلفه، حيث يصل الوعي إلى مرحلة التطابق التام بين الرمز والواقع، وكل منهما مطارد، الأول بالرماة، والثاني بذاكرة المكان. بمعنى آخر فإن الشاعر يغدو هنا طريدا: بالفعل، لتبدأ رحلة العذاب / الفرار:
كأن قتودي فوق جأب مطرد
من الحقب لاحته الجداد الغوارز
طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما.
جرت في عنان الشعريين الأماعز .
@@@
والصيادون / الذاكرة من الخلف، بدءا ب عثلب ، مرورا ب بني غمار ، وانتهاء ب أخي الخضر ، في تصاعد متوتر عنيف ينتهي بمحاولة الشاعر مواجهة الذاكرة وتجاوزها من خلال ابتكار معادل رمزي، يعوض الشاعر عما افتقده، واضعا حدا لسوط الذاكرة الممض.
فأي رمز يمكن أن يوفر له شعورا بالتعويض عن الصرم الذي لقيه؟ أي رمز استثنائي يحقق من خلاله صرمه هو، عملا بقوله: إن الخليل الذي لا يكسر نفسه لخليله، هو جدير بالهجر.
تتلقف ذاكرته القوس، وتبدأ مخيلته ببناء صورة استثنائية لقوس أثيرة تعادل في قيمتها، ذلك الذي ذهب.
إنها قوس تخيرها القواس من شجرة سدر، موغلة بين الأشجار، نمت في دغل ظليل متشابك الأغصان، يقيها أشعة الشمس، حتى إذا ظفر بها بعد لأي، وأهوى عليها بفأس حادة، شعر بغنى لا يحد، وأشربها مظعها ماء لحائها عامين متتاليين وهو يكلؤها برعايته ونظره، ثم هو يقوم اعوجاجها، فتستقيم له كما أراد، ويبادر إلى موافاة أهل المواسم بها، فينبري له مشتر يغلي بها الثمن من حرير ومتاع وذهب وأنعام، ويتردد بين رد وقبول، ثم يحسم أمره ويبيعها، وفي نفسه منها شيء كثير:
تخيرها القواس من فرع ضالة
لها شذب من دونها وحواجز
نمت في مكان كنها واستوت به
فما دونها من غيلها متلاحز
فما زال ينجو كل رطب ويابس
وينغل حتى نالها وهو بارز
فأنحى إليها ذات حد غرابها
عدو لأوساط العضاة مشارز
فلما اطمأنت في يديه رأى غنى
أحاط به وأزور عمن يحاوز
فمظعها عامين ماء لحائها
وينظر منها أيها هو غامز
فوافى بها أهل المواسم فانبرى
لها بيع يغلي بها السوم رائز
فظل يناجي نفسه وأميرها؟
أيأتي الذي يعطي بها أم يجاوز؟
فقالوا له: بايع أخاك ولا يكن
لك اليوم عن ربح من البيع لاهز
فلما شراها فاضت العين عبرة
وفي الصدر حزاز من الوجد حامز .
@@@
هنا يبرز هذا السؤال: ما دام أنه أراد بيعها، فلماذا عانى فيها كل هذا العناء؟ ولماذا تعهدها كل هذا التعهد؟ هذه القوس الأثيرة على نفس صاحبها، القوس التي إذا رمى عنها الرامون ناحت كامرأة ثكلى؟
سؤال قد تبدو الإجابة عنه صعبة، ولكن إذا صح ما ألمحنا إليه من أن الشاعر حاول ابتكار رمز استثنائي كمعادل للخليل المفقود، فإن بيعه القوس بدوره يمثل معادلا لرغبته الدفينة في التعويض، أي أنه يرد الصفعة التي تلقاها في الواقع بصفعة على الصعيد الذهني، لأنه إذ هو يبيع القوس، فإنما يسلو بذلك الخليل كما سلاه، وبهذا فهو يكسر ذاكرة المكان، وما إن ينفض عن كاهله هذه الحمولة من الحزن المتولد عن خواء الديار من الخليل وقسوة المكان المقفر، حتى يشعر أنه أصبح طليقا حرا من قيد هذه الذاكرة، هذه الحرية التي تعادل في النص الشعري المبتكر خلوص الأتن إلى الماء ينهلن منه ما يروي الظمأ.
القوس في لامية الشنفرى
تتأسس القصيدة على فعلي الثبات والتحول أقيموا/أميل :
أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل .
حيث يغدو فعل الثبات أقيموا فعلا غيريا متطرفا، في الوقت الذي تتنامى فيه أفعال التحول: حمت، شدت، من جهة، وأسماء المكان غير المحدد: منأى، متعزل. وإزاء انصرام الثابت القوم يبدأ وعي الشاعر بممارسة رد فعل دفاعي يتمثل في إثبات الذات من خلال ابتكار قوم طبيعي: الذئب، والنمر، والضبع.
المفارقة في هذا الابتكار تتمثل في أن الوعي هنا يختار هذه العائلة دون غيرها، رغم أنها من أشد الحيوانات فتكا وغدرا، وتكتمل هذه المفارقة عندما يتجه وعي الشاعر إلى إسباغ صفتي الكتمان وعدم الخذلان عليها، وبهذا يمسك الشاعر برمزه المزدوج:.
- قومه الأول الذين هم في لاوعيه وحوش كاسرة.
- وقومه الآخرين الذين يطمح إلى أن يكونوا، وحوشا كاسرة، بلا خذلان.
إنه لا يعترض أصلا على كونهم وحوشا، لكنه يعترض على أنهم خلعوه، والشعر منحاز بطبيعته إلى الوحش الممكن، لأنه الوحش الذي يبرر له ما يريد أن يفعله بالضبط، القتل، فحسب.
غير أنه في الوقت نفسه يعنى لاإمكانية تحقق هذا القوم -الوحش- الممكن، فلا يعود أمامه سوى محاولة إثبات الذات للقوم الواقع، بدءا من مهارته في الصيد وعدم الشراهة.. إلخ. مرة أخرى يتوتر وعي الشاعر، فيدرك لاجدوى إثبات الذات الطامحة إلى القوم - الوحش الممكن، من خلال معايير القوم - الوحش الواقع، فيجرب رمزه الآخر القوس ، لأنها وسيلة القتل الأكثر فاعلية، والأكثر أمنا، والمعادل الثاني الذي يجربه الشاعر للتعويض عن القوم المنصرم.
مرة أخرى تبرز هذه المفارقة الصارخة المتمثلة في خلوص الشاعر مباشرة إلى فاعلية القوس القاتلة، دون أيما محاولة لسرد حكاية هذه القوس، أو تبيان لمدى قيمتها لدى الشاعر. إنها قوس مصوته ملساء تزينها الرصائع، إذا جاوزها السهم ولولت كامرأة ثكلى، تندب، وتولول:
وإني كفاني فقد من ليس جازيا
بحسنى، ولافي قربه متعلل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيع
وأبيض إصليت، وصفراء عيطل
هتوف من الملس المتون تزينها
رصائع قد نيطت إليها ومحمل
إذا زل عنها السهم حنت كأنها .
مرزأة عجلى ترن وتعول .
@@@
إنها الرمز الأعلى للقوم الذي يريده، القوم - الوحش- القتل، إلا أنها مع ذلك لا توفر له ذلك الشعور الحميم بالتوحد مع القوم، فيتحول مرة أخرى إلى محاورة ثابتة؛ قومه المنصرمين بمعاييرهم، من خلال إثبات ذاته: فهو الواعي الفطن والزوج الرجل غير الملازم زوجه، غير الجبان، غير المشغول بجاراته... إلخ.
ليخلص في النهاية إلى استئناف بناء لوحة القوم - الوحش الممكن الذئب في مواجهة القوم - الوحش الواقع القطا ، هذا الوحش الفزع، الذي يرفضه الشاعر مفضلا عليه الوحش الذئب، الذي يتوحد فيه، فيجوع ويهزل كما جاع وهزل، ويصبر كما صبر.
وهكذا يستمر الشاعر ضمن حركة متعاقبة تراوح بين القوم - الوحش الواقع، والقوم - الوحش الممكن، حتى يصل إلى تحطيم الرمز القوس والتخلي عنها نهائيا، بكل ما تعني هذه القوس - القوم - القطا، مختارا فعل القتل المطلق:.
وليلة نحس يصطلى القوس ربها
وأقطعه اللاتي بها يتنبل .