** تنويع آخر على أطروحة د.ضرار بني ياسين حول الفارابي سياسياً
نزيه أبو نضال - كان د. ضرار بني ياسين قد نشر في الرأي الثقافي (26 حزيران 2009) دراسة متميزة عن الفلسفة السياسية عند الفارابي ، ما أعاد إلى اللحظة الراهنة جانباً من الحوارات المهمة التي انفجرت عشية انتصار الثورة الخمينية العام 1979 على النظام الشاهنشاهي في إيران، وكنا قد ساهمنا، آنذاك، بقسط وافر في هذه الحوارات، وها هي تعود إلى الواجهة اليوم ونحن نشهد إعصاراً كونياً لاقتلاع هذا المشروع وبرنامجه النووي تحت ضجيج الدفاع عن الديمقراطية والحرية التي تنعم بظلالها الوارفة كل المنطقة، خصوصاً في غزة، ومع نواب المجلس التشريعي الفلسطيني القابعين في زنازين الاحتلال الصهيوني المدجج بمائتي رأس نووي لا غير.
هذه الدراسة لا تدخل في سجال تفصيلي مع أطروحة بني ياسين، لكنها تسعى لإقامة أطروحة موازية، وإن تقاطعت معها في عدد من المفاصل.
حين تنعكس السياسة في لحظة تاريخية محددة على الفلسفة، فإن الانعكاس هنا يساوي موقفاً من الحياة وطموحاً لإعادة بناء المجتمع والدولة والعالم. أبو النصر الفارابي لا يخرج عن هذا الفهم، بل إن فلسفته من التعبيرات بالغة الوضوح عن علاقة الفلسفة بالسياسة، ودورها الوظيفي في هذا المجال.
والفارابي هو الابن الشرعي لعصرٍ من أزهى عصور العقل العربي والإسلامي الذي احتدمت فيه الصراعات الفلسفية والفكرية والسياسية كما لم يحدث من قبل أو بعد.
الفهم العميق لفلسفة الفارابي، وحتى لمدينته الفاضلة، لن يتأتى من خلال البحث عن أصولها اليونانية والأفلاطونية الإسكندرانية، ولكنه يتحقق فقط من خلال تحديد موقع الفارابي داخل الفرق والجماعات والاتجاهات المتعددة والمتصارعة التي حفل بها العالم الإسلامي في القرنين التاسع والعاشر للميلاد.
وإذا كانت الفلسفة انقلبت على أيدي أخوان الصفاء إلى أحلام سياسية، كما يقول دي بور، فإن الفارابي قد صاغ هذا الحلم السياسي في مدينته الفاضلة كجزء من منظومة فلسفية كونية شاملة. صلة الفارابي بإخوان الصفاء وبالشيعة عموماً هي المدخل الحقيقي الذي يلقي الضوء على كتاباته الفلسفية، وعلى المنطق الداخلي الذي حكم هذه الكتابات.
يمكن القول إن انتماء الفارابي الفلسفي للعقيدة الشيعية لا يتجلى عبر علاقة واضحة ومباشرة سياسية كانت أو دينية، ومردّ الغموض في هذه العلاقة يعود إلى سببين: اتباع الفرق الشيعية أساليب العمل والتنظيم والدعوة السرية، حتى إن هذا الشكل دخل في صلب عقائد الشيعة وبنائهم التنظيمي؛ والطبيعة التوفيقية للفلسفة الشيعية عموماً، ولجماعة إخوان الصفاء ولبعض الفرق الشيعية الباطنية على وجه الخصوص، ومثل هذه الوضعية حين تتصل بالفارابي تشكل له غطاء آمناً، حيث يعيش في عزلته وتنسكه بعيداً عن مجريات الحياة السياسية العملية، لينصرف إلى تآليفه الفلسفية النظرية بمصادرها المتعددة، وهي نفسها مصادر إخوان الصفاء والشيعة.
هذه الوضعية تسمح بالافتراض بوجود علاقة ما بين الفارابي وإخوان الصفاء أو مع بعض الفرق الشيعية، والمقصود بالعلاقة هنا: العلاقة العملية السياسية، لا العلاقة الفلسفية. وهذا الافتراض يطرح سؤالاً كبيراً: هل كان الفارابي فيلسوفاً باطنياً؟ بمعنى هل أن مؤلفاته الفلسفية قد وُضعت لخدمة هدف سياسي مباشر في إطار الصراعات المحتدمة بين القوى والجماعات المختلفة؟.
عاش الفارابي ثمانين عاماً (870-950 م) قضى نصفها تقريباً في فاراب في أطراف بلاد فارس قبل أن ينتقل منها إلى حاضرة الدولة الإسلامية في بغداد، وكان والده كما يروي ابن أبي اصيبعة، فارسياً تزوج امرأة تركية، وأصبح قائداً في الجيش التركي. وسيكون لهذه الولادة ولهذا الانتماء أثرهما اللاحق في التكوين المذهبي والفلسفي للفارابي.
ولا شك أن وضع الفارابي العائلي واشتغاله على ما يروى بالقضاء، قد أتاح له فرصة واسعة للاطلاع على الحركات السياسية والمذهبية التي عصفت في أرجاء الدولة الإسلامية، خصوصاً في بلاد فارس، وتواصلت حتى سقوط الدولة العباسية. ومن أبرز الحركات التي ظهرت في بلاد فارس وتركت تأثيرها المبكر في تكوين الفارابي: الحركتان الخرّمية والبابكية، اللتان يعثر المرء على الكثير من مبادئهما في مؤلفات الفارابي الفلسفية اللاحقة.
نشأت الحركة الخرمية على أثر مقتل أبي مسلم الخراساني، حيث أنكر بعض دعاتها موته وقالوا بعودته ليحل العدل في الأرض. ودعت على طريقة مزدك إلى المساواة في ملكية الأرض والنساء، كما آمنت أن جميع الرسل والأنبياء على اختلاف تعاليمهم يتلقون الوحي من مصدر واحد، ولهم أئمة يرجعون إليهم ورسل يتنقلون بينهم.
وذهبت الحركة البابكية بدورها إلى أن الرسل كلهم على اختلاف أديانهم وشرائعهم يحصلون على روح واحد، وإن الوحي لا ينقطع أبداً . أما على الصعيد الاجتماعي فقد نادت بتوزيع الأرض مجاناً على الفلاحين، وبتحرير المرأة ومساواتها بالرجل. وقد انتشرت هذه الحركة انتشاراً هائلاً، وضمت أقواماً من الفرس والأكراد والروم والأرمن والعرب.
@ @ @
تنهض دعائم الفلسفة الفارابية على الإيمان ب وحدة الفلسفة، ووحدة الحقيقة والمعرفة . وفلسفة الفارابي توفيقية، شعارها التوحيد والتأليف والتنسيق . وهذه الدعائم والأسس نجدها بوضوح في مبادئ الحركتين الخرّمية والبابكية اللتين تؤمنان بصوابية الأديان كافة، وبوحدانية الوحي لجميع الرسل والأنبياء، وهذا الإيمان عكس نفسه بالتسامح مع الأديان الأخرى على ما روى البغدادي. هذا الجانب من فلسفة الفارابي تتضح جذوره في رسائل إخوان الصفاء الفلسفية.
تذهب الخرمية إلى مبدأ الرجعة (أبو مسلم الخراساني)، وهذا هو المبدأ الأساسي الذي تنهض عليه الدعوة الشيعية، وكلا الحركتين تتحدثان عن الإمام المرجع الذي يحل العدل برجعته.. وهذا كما يقول الفارابي: هو الرئيس الذي لا يرأسه إنسان آخر أصلاً.. وهو الإمام، وهو الرئيس الأول للمدينة الفاضلة . هنا تتحول جمهورية أفلاطون إلى نظام مدينة عربية.
إن استخدام الفارابي لتعبير الإمام بالغ الأهمية، وهو شديد الاتصال بفلسفته وبالمذهب الشيعي. وثمة جانب مهم في المذهب البابكي يتصل بجوهر الفلسفة الفارابية، هو أن الوحي لا ينقطع أبداً .. هذا المبدأ هو صياغة أخرى لمبدأ الفيض الإلهي الذي فسر به الفارابي النبوة تفسيراً سيكولوجياً ، وعدّها وسيلة من وسائل الاتصال بين عالم الأرض وعالم السماء .
لقد أعلنت الرسالة الإسلامية محمداً خاتماً للأنبياء وبه ينقطع الوحي، فيما ذهبت البابكية إلى أن الوحي لا ينقطع أبداً . ويذهب الفارابي إلى أن الإنسان يوحى إليه إذا بلغ رتبة معينة.
لقد أرجع معظم الباحثين نظرية الفيض الفارابية إلى أفلوطين، وهذا صحيح من زاوية الصياغة الفلسفية، إلا أن جذور المبدأ الفلسفي نفسه تتصل بالمذاهب المتعددة التي عرفها العالم الإسلامي، ما يرجّح انتماء الفارابي إلى أحد هذه المذاهب أو بعضها، وهي الأشد تأثيراً في الحياة السياسية والعملية من النظريات اليونانية أو الأفلوطينية.
توحي مؤلفات الفارابي الفلسفية بانطباع عام مفاده أن الفارابي لم يشتغل أو يعنى بالمسائل السياسية والاجتماعية العملية. يعزز هذا الانطباع السيرة الشخصية لحياته وانصرافه عن الحياة العامة باتجاه قضايا البحث الفلسفي المجردة. فالفارابي كما يقول الخوري إلياس فرح: يغوص في أسرار حكمة الباري تعالى وشرائع السماوات والأرض، وعلاقة بعضها ببعض، ليحدد لنا مركز الاجتماع الإنساني في هذا النظام الكوني العجيب، حتى إذا ألفناه طبقنا نواميس مدينتنا على نواميسه، وانضممنا إلى هذا التوازن والتوافق الكلي الشامل لجميع البرايا . أما مدينة الفارابي، فسكانها كما يقول إبراهيم مدكور: قديسون، ورئيسها نبي، وهي مدينة لا وجود لها إلا في مخيلة الفارابي . ورئيس هذه المدينة يتصف بكل فضائل الإنسانية وكل فضائل الفلسفة ، وهو كما يقول دي بور: أفلاطون في ثوب النبي محمد .
رغم هذا الانطباع العام الذي دفع مدكور إلى القول إن آراء الفارابي السياسية، وإن اعتمدت على دعائم أفلاطونية، مشوبة بنزعة صوفية واضحة ، فإنه يلاحظ أيضاً أن الفارابي قد يكون أكثر فلاسفة الإسلام اشتغالاً بالمسائل الاجتماعية ، وأن كتاب آراء (أهل المدينة الفاضلة) يكفي وحده لأن يُعد الفارابي بين من فكروا تفكيراً منظماً في النظريات السياسية . بينما يؤكد د.جميل صليبا أن مذهب الفارابي مذهب عقلي متسق تمام الاتساق .
أما دي بور فيقول: إذا نظرنا إلى فلسفة الفارابي في جملتها، وجدنا مذهباً روحانياً منسقاً تمام الاتساق، وبعبارة أدق مذهباً عقلياً ، ويضيف: كان الفارابي يعيش في عالم العقل، ابتغاء للخلود، وكان ملكاً في عالم العقل .
إذا كان الفارابي الفيلسوف العقلاني من أكثر فلاسفة الإسلام اشتغالاً بالمسائل الاجتماعية، ومن الذين فكروا تفكيراً منظماً في النظريات السياسية، فإن النظرية السياسية له تتجلى عبر نزعته الشيعية، وفي محاولته توجيه الفلسفة نحو هدف سياسي اجتماعي، الأمر الذي تمسك به جميع غلاة الشيعة لقلب السلطة الحاكمة وإقامة نظام سياسي اجتماعي، يكون الإمام رأسه، ويكون فيه هذا الإمام مهدياً وهادياً، يهديه العقل الفعال بنوره، فيهدي هو الناس على ضوء ذلك النور نفسه .
إن المبادئ الاجتماعية في الحركتين الخرمية والبابكية لا نلبث أن نجدها بوضوح كامل لدى الفرق المتشيعة، خصوصاً القرامطة. وقد تَجنّب الفارابي الحديث عن هذه المبادئ بوضوح وتفصيل في مدينته الفاضلة، لكن يمكن العثور عليها بسهولة في تحديداته لمضادات المدينة الفاضلة، وكانت جمهورية أفلاطون هذه المرة هي الغطاء الأمني ، فيما الجذور الاجتماعية الفعلية في فلسفته تشكل أحد محاور الصراع الدموي لعصره كله.
@ @ @
إخوان الصفاء، هي إحدى الجمعيات السرية التي أنشأتها الحركة الإسماعيلية المتشيعة المتطرفة، وهي منظمة تنظيماً دقيقاً من سبع مراتب، ولا يعرف أسرارها وخططها إلا من قطع المراحل السبع ، وقد آمنت هذه الجمعية بالتقية من أجل سلامة الدعوة والعاملين فيها. وتمثَّلَ اتجاه الإخوان الفلسفي كما تظهره رسائلهم في تجميع عصارة التيارات الفلسفية الشائعة ، و تقدم الجمعية لأتباعها خطة ثقافة وخطة حياة وسياسة .
لا خلاف بين المؤرخين والباحثين على صلة الإخوان بالإسماعيلية، فغولدزيهر عدّهم جماعة إسماعيلية، وكذلك د.طه حسين. ويذهب كلود كاهن إلى أن رسائل إخوان الصفاء لا تنكر صلتهم بالإسماعيلية ، ويقول كل من حنا فاخوري ود.خليل الجر، إن من تتبع التاريخ ونظر فيه عن كثب، وجد أن إخوان الصفاء جمعية من الشيعة الباطنية عموماً، ومن الإسماعيلية القرمطية خصوصاً . ويؤيد مدكور هذا المعنى حين يؤكد: لم يبق اليوم شك باتصال إخوان الصفا بالإسماعيلية .
لقد عاصر الفارابي ذروة النشاط الثوري والسياسي والفلسفي للحركة الإسماعيلية (إخوان الصفاء، الحركة القرمطية). ففي العام 900 م حقق القرامطة انتصارهم الكبير بإقامة دولتهم في البحرين، التي راحت تهدد الخلافة العباسية نفسها، حيث شنت عليها هجمات متواصلة، منها الإغارة على البصرة وبغداد إلى احتلال مكة العام 930 م. كذلك نشبت ثورة خراسان القرمطية في العام 902 م، وراح الدعاة الإسماعيليون يبثون في أرجاء العالم الإسلامي دعوتهم، ويعملون على تفجير الثورات للإطاحة بالدولة العباسية.
في غمرة هذه الصراعات الاجتماعية والسياسية والفلسفية، لا يمكن أن يظل الفارابي متفرجاً أو محايداً. فما هو موقفه الحقيقي إذن، وإن كان لم يفصح عنه؟ وما هو انعكاس هذه الأوضاع على فلسفته؟ وما هي الروابط والصلات التي تجمعه بالحركة الإسماعيلية القرمطية وبفلاسفتها إخوان الصفاء؟.
تميز الفرع القرمطي من الحركة الإسماعيلية بنزعته الاشتراكية الرامية إلى إحلال العدل والمساواة بين الناس، وقد جاءت من هذا القبيل تتمة الحركة البابكية . وهذا يشكل بالنسبة لفلسفة الفارابي استمراراً منطقياً لعلاقته بالحركتين الخّرمية والبابكية.
في البحث عن أوجه الصلة بين الفارابي والإسماعيلية القرمطية وبإخوان الصفاء، يمكن تناول الجانبين الفلسفي والاجتماعي.
وحدة الفلسفة
آمن إخوان الصفاء بالوحدة الفلسفية، لأن الحقيقة في نظرهم واحدة، وليس اختلاف الآراء في المذاهب والديانات إلا ظاهراً، وأما الباطن فواحد يعرفه الحكماء الراسخون في العلم . وعليه، فقد أرادوا أن يجمعوا حكمة جميع الأمم والديانات، وأنبياؤهم: نوح وإبراهيم، وسقراط وأفلاطون، وزرادشت وعيسى ومحمد وعلي؛ وهم يجلون سقراط وعيسى وحوارييه، كما يجلون أبناء علي ويعدونهم رجالاً مطهرين . ويقولون في رسالتهم الرابعة من العلوم الناموسية الشرعية: بالجملة، ينبغي لإخواننا أيدهم الله تعالى أن لا يعادوا علماً من العلوم أو يهجروا كتاباً من الكتب، ولا يتعصبوا على مذهب من المذاهب، لأن رأينا ومذهبنا يستغرق المذاهب كلها، ويجمع العلوم جميعها .
إيمان الفارابي بوحدة الفلسفة ووحدة الحقيقة والمعرفة دفعه إلى التوفيق بين الحكمة والشريعة، بين الوحي والعقل، كما ذهب إلى الجمع بين رأيي أفلاطون وأرسطو وشرع في الجمع بين رأييهما، وهو من أجل الوصول إلى هذه النتيجة نراه يرفض الاحتمالات الممكنة لأوجه التعارض بين الحكيمين، ويتمسك فقط باحتمال أن يكون لها معانٍ وتأويلات تتفق بواطنها وإن اختلفت ظواهرها، فتتطابق عند ذلك وتتفق .
تستهدف هذه الدراسة فهم فلسفة الفارابي من خلال صلتها المباشرة بالحياة الإسلامية وبصراعاتها السياسية والمذهبية والاجتماعية، وتحديد موقفه الفعلي بين الجماعات والفرق والاتجاهات المختلفة. ذلك أن تحديد هذه الصلة بالفلسفة اليونانية ومذاهبها الأفلاطونية والأرسطوطالية والأفلوطينية لا يقدم مساعدة حقيقية في فهم الفلسفة الفارابية ودورها... كما أن ما عمد الفارابي إلى أخذه من الفلسفة اليونانية شديد الصلة بأوضاع الحياة الإسلامية نفسها، ويندرج في صلب الصراعات الدائرة فيها. وهي بالتالي ليست فلسفات أجنبية برانية ، يلهو بها هواة الفلسفة أو الفلاسفة الغائبون عن اللحظة التاريخية في عالم مجرد.
يلتقي إخوان الصفاء والفارابي حول نظرية الفيض ليمهدا للإمام، الرئيس، الملك المهدي الذي سيشيع العدل بعد الإطاحة بالسلطة السياسية الفاسدة وإقامة الحكم الصالح في المدينة الفاضلة. نظرية الفارابي هنا لم توضح النبوة فحسب، بل إنها تشرح فكرة الإمامة التي قامت عليها الدعوة الإسماعيلية . وهذا ينقلنا مباشرة إلى الجانب السياسي والاجتماعي من صلة الفارابي بالإسماعيلية وبإخوان الصفاء.
يقول مدكور إن الفارابي أظهر في جلاءٍ منزلةَ النبي السياسية والاجتماعية (...)، وبوضع النبوة هذا الوضع الإنساني الاجتماعي، يمكن أن تحل مشكلة الرياسة الدينية والسياسية التي شغلت المسلمين منذ القرن الأول للهجرة .
تتجسد رؤية الفارابي السياسية في مؤلفه الفلسفي المدينة الفاضلة ، إلى جانب بعض المؤلفات الأخرى. والحديث عن مدينة الفارابي الفاضلة يستدعي إلى الذهن فوراً جمهورية أفلاطون، على اعتبار أن الفارابي قد نسج على منوال فيلسوف اليونان بثوب إسلامي فلسفي، متداركاً بعض المسائل فقط من نوع شيوعية النساء.
لا يراد هنا إنكار صلة المدينة بالجمهورية أو صلة الفارابي بأفلاطون، لكن الهدف هو البحث عن المصادر الإسلامية المحلية التي شكلت الرؤية السياسية للفارابي، والتي عبرت عن نفسها بثوب فلسفي. لأن مثل هذه الصلة بالواقع الحي هي التي تمنح الفكر قيمته ودوره الفاعل والمغير. والمدخل الطبيعي لتحديد هذه الصلة السياسية الاجتماعية هو أن نلقي نظرة سريعة على الأوضاع الاقتصادية في العالم الإسلامي.
الحياة الاقتصادية
منذ أن تشكلت الإمبراطورية العربية الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب، تضافرت مجموعة من العوامل لكي ترزح الأمم المغلوبة تحت ثقل أوضاع اقتصادية شديدة الوطأة. فمن جهة، هناك تكاليف هائلة لأعباء الفتوحات العسكرية، ومن جهة ثانية هناك خبرات عربية ضئيلة في تنظيم الحياة الإدارية في الأقطار المفتوحة، وهناك من جهة ثالثة، وهذا هو الأهم، نظام الضرائب الذي لم يكتف بالجزية والخراج، بل أضاف ضرائب أخرى على الصنائع والحرف والمهن الحرة، وقد أدى هذا النظام منذ وقت مبكر إلى دخول أقوام كثيرين من سريان وأقباط وأنباط وفرس وأتراك في الدين الإسلامي تخلصاً من هذه الضرائب الباهظة، حتى إن مصر مثلاً كادت تخلو في خلافة عمر بن الخطاب من أهل الذمة وأصحاب الخراج، وكاد المال ينفد من بيت المال في أيام عثمان وعلي. ومع مجيء الأمويين -أحفاد تجار مكة- تفاقمت الأزمة الاقتصادية بتوالي الحروب والبذخ، والخراج، فعم السخط والهياج، وانتشرت الثورات والفتن.
مما زاد الطين بلة إقدام الأمويين على سن قانون جديد سيكون له أكبر الأثر في تطور الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية اللاحقة في حياة الدولة العربية الإسلامية. وبموجب هذا القانون سُمح للعرب المسلمين باقتناء الأراضي خارج الجزيرة العربية، فلم تمضِ خمسون سنة على حكمهم حتى أصبحت أخصب الأراضي في مصر وسورية والعراق وفارس بين أيدي فئة قليلة من المالكين يستغلونها على أيدي أبناء البلاد وزنوج إفريقيا، فازداد السخط والاستياء وتكاثر أعداء بني أمية، وفي عهد العباسيين لم تتحسن الأحوال الاقتصادية، بل ازدادت سوءاً، وزاد عليها أن كسبوا نقمة العرب إلى جانب نقمة الفقراء من الأمم الأخرى بسبب تقدم الفرس في مراتب الدولة. ثم يجيء مقتل أبي مسلم الخراساني على يد العباسيين في العام 755 م ليشعل ثورات فارسية لم تهدأ من ثورة سنباذ إلى آخر ثورة أطاحت بالخلافة العباسية.
في ظل هذه الأوضاع الاقتصادية والعامة وما رافقها من فتن وثورات وانتفاضات متعددة، يكون من الطبيعي أن تختلط العوامل الطبقية بالعوامل المذهبية بالعوامل القومية، وأن تتشكل على أرضية كل ذلك النظريات السياسية والفلسفية والمذهبية. وكل طرف أو فريق من خلال موقعه ومصالحه يسعى إلى توظيف أوسع القوى والإمكانيات وتدعيمها بالحجج والبراهين الدينية والعقلية والفلسفية لتغليب وجهة نظره وموقفه.
فلسفة الفارابي تعكس هذه الأوضاع وتحدد موقعه وموقفه منها، وهو كفيلسوف شمولي لا يطرح حلاً سياسياً لمعالجة ما هو راهن فقط، لكنه ينطلق من هذا الراهن لإعادة بناء المجتمع، الدولة (المدينة)، والعالم كجزء من المنظومة الكونية الشاملة.
قامت الحركتان الخرمية والبابكية، على أسس العدالة والمساواة والاشتراكية بما يتصل بملكية الأرض والنساء، وذهبت البابكية إلى العمل من أجل تحرير المرأة ومساواتها بالرجل، وإلى توزيع الأرض مجاناً على الفلاحين. وقد ترافقت هذه الاتجاهات الاشتراكية مع الحركات اللاحقة، كثورتي الزنج والقرامطة، مع مرحلة الانحلال النسبي للعلاقات القبلية في علاقات طبقية جديدة وضع أسسها المادية تجار مكة الأمويون قبل الإسلام، وتبلورت على يد عثمان بن عفان أولاً، وترسخت بقوانين الملكية في زمن الدولة الأموية بعد ذلك، وهذا هو الأساس الموضوعي لتعاظم الحركة الشيعية وامتداد نفوذها في أوساط الفئات المسحوقة والقوميات الأخرى المستغلة.
أما الحركة القرمطية، فقد ظهرت في أعقاب ثورة الزنج، 877 م، وامتازت بنزعتها الاشتراكية المتممة للحركة البابكية. بدأت هذه الثورة على يد حمدان قرمط في ضواحي واسط بين الكوفة والبصرة، وهي المنطقة الثورية للزنج، وسكانها خليط من العرب والأنباط والزنج.. وقد انتهى الأمر بحمدان وأتباعه إلى جعل كل ما يملكون مشاعاً بين الجميع، حتى لم يبق بينهم غني وفقير، ولم يعد أحد يملك لنفسه إلا سيفه وسلاحه. ومن هناك راح حمدان يبث دعاته إلى المناطق المختلفة للقيام بالثورة، فنشبت ثورة زكرويه في صحراء سورية العام 900 م، وفي خراسان العام 902 م، وثورة أبي سعيد الجنابي الناجحة في الإحساء والبحرين العام 900 م، وهؤلاء جميعاً (حمدان وزكرويه والجنابي) لم يكونوا سوى منفذين لأوامر دعاة أعلى منهم مرتبة لم تكن تُعرف أسماؤهم... .
لقد حاول القرامطة تحقيق العدالة الاجتماعية وبناء دولة مساواتية شكلت استثناء تاريخياً مهماً، ويبدو إنهم توصلوا إلى ذلك بصورة متقدمة، إلا أن مسلسل التشويهات اللاحقة التي فبركها مؤرخو السلطة حالت دون وصول الكثير من الحقائق إلينا. غير أننا رغم ذلك نملك بعض التفاصيل المتناثرة التي تعطي مؤشراً مهماً حول نظام الحكم القرمطي، فقد كتب الرحالة الفارسي ناصر خسرو الذي زار الإحساء سنة 1052 م، أن في الإحساء طواحين تخص الحكومة وهي تطحن للناس قمحهم مجاناً، لأن الحكومة نفسها تنقد الفعلة أجورهم، وتقوم بجميع نفقات الطواحين . وروى غيره أن كل شيء شائع عندهم إلا السيوف .
إخوان الصفاء
حين نتأمل البناء التنظيمي لإخوان الصفاء، يتبين لنا إن هذه الجماعة تمتلك تصوراً واسعاً وذكياً لأساليب وأشكال العمل في ظل ظروف السرية التي كانت تناضل تحت وطأتها. ويمكن القول وفق مصطلحات عصرنا، إن هذه الجماعة كانت تمتلك نظرية تنظيمية ونظرية فكرية فلسفية من أجل مهمة وغاية سياسية محددة وهي الاستيلاء على السلطة، وهذا ما فعله القرامطة في جنوب العراق والبحرين والإحساء.
عبد الله بن ميمون القداح القرمطي دعا إلى اشتراك جميع أعضاء الجمعية المتآخين إلى التضحية بالنفس في سبيل الجماعة، وإلى أن يكون الإنسان موالياً لرئيسه، مطيعاً له، حتى الموت .
يتبين مما تقدم أن مهمة الإخوان ليست فلسفية أكاديمية، وإنهم لم يكونوا يعيشون حياة هادئة مسالمة، كما وصفهم دي بور.
إن جوهر النظرية السياسية والفلسفية للتشييع عموماً تنهض على فكرة الإمام المهدي، ولا شك أن التقاء الإخوان مع الفارابي حول هذه المسألة تحديداً يمثل وقوفاً مشتركاً على أرضية سياسية واحدة تكفي وحدها للدلالة على موقع الفارابي الحاسم في داخل التيار التقدمي الذي مثلته الإسماعيلية القرمطية وإخوان الصفاء في العصر الإسلامي الوسيط. غير أنه ما يزال في جعبة الفارابي المزيد.
اشتراكية الفارابي
تتميز لغة الفارابي بالاختصار والتركيز الشديدين، وافتقار مقصود للوضوح المباشر. وهذه على أية حال صفة باطنية، ورغم ذلك فلنتأمل بدقة ما يقوله الفارابي: العدل أولاً يكون في قسمة الخيرات المشتركة التي لأهل المدينة على جميعهم. ثم من بعد ذلك في حفظ ما قسم عليهم. وتلك الخيرات هي السلامة والأموال والكرامة والمراتب وسائر الخيرات التي يمكن أن يشتركوا فيها .
لا تتجلى في الفقرة السابقة الدعوة إلى الاشتراكية فقط، وإنما يتجلى فيها إلحاح غير مألوف من الفارابي في التفصيل والإعادة والتوضيح والتعميم، فهو يتحدث عن العدل الذي هو قسمة الخيرات المشتركة ، وهذا قياساً على لغة الفارابي كاف وواضح، إلا انه يحدد هذه الخيرات التي لأهل المدينة على جميعهم ، وهذا تفصيل آخر. إلا أنه لا يكتفي بذلك، بل يذهب إلى تعداد هذه الخيرات: السلامة والأموال والمراتب ، وكأننا بعد ذلك بالفارابي يخشى أن يكون قد سها عن شيء من الخيرات المشتركة، فيضيف: سائر تلك الخيرات التي يمكن أن يشتركوا فيها . هذه العبارة تحمل إشارة للمستقبل أيضاً، وليس لوقت التقسيم فقط.
هذه الدعوة الاشتراكية الحارّة للعدالة الاجتماعية والمساواة والإخاء، لا تؤكد فقط ارتباط الفارابي الفكري والسياسي بالبابكية والقرمطية، لكنها -وهذا هو الأهم- تحدد الانتماء التقدمي التاريخي للفلسفة الفارابية على الأصعدة كافة. لقد حمل المجتمع العربي الإسلامي في أحشائه اتجاهين اجتماعيين-اقتصاديين عكسا نفسيهما بالضرورة على الثقافة السائدة، وحددا أيديولوجية الطبقات والقوى الاجتماعية المتصارعة، ولقد وقفت السلطة العباسية بما تمثله من مصالح الفئات الاجتماعية المرتبطة بها في وجه التيار التاريخي الاجتماعي التقدمي الذي مثلته حركات البابكية والزنج والقرامطة الثورية.
على أرضية هذا الواقع، فإن مدينة الفارابي الفاضلة تشكل إسهاماً ثورياً تقدمياً لإعطاء نضالات جماهير المسحوقين أبعادها النظرية وشرعيتها التاريخية، وهذا هو الانحياز الثوري الكامل، وإن ارتدى ثياب فيلسوف نظري زاهد لا يتعاطى في شؤون السياسة اليومية والعملية.
لقد ساهم الفارابي كما يقول طيب تيزيني، بشكل فعال، في تعميق خط التقدم للفكر الفلسفي والاجتماعي على وجه العموم . أما مدينته الفاضلة، فقد عبّر فيها عن مرحلة اجتماعية حضارية كاملة .
وأخيراً، لقد حدد الفارابي موقعه وانتماءه إلى جانب الخط التقدمي الثوري، كما مثلت مؤلفاته الفكرية والاجتماعية والفلسفية الغطاء النظري والشرعية التاريخية لحركة الجماهير الشعبية المسحوقة وطموحاتها في العدالة والمساواة. وهنا على وجه التحديد، تتجلى عظمة الدور السياسي والاجتماعي الذي مثلته الفلسفة الفارابية في العصر الإسلامي الوسيط، وما تقدمه من إضاءات راهنة.