سألني صديق حميم عن واقع الأمراض النفسية في الأردن وكيف نتعامل مع المرضى النفسيين. فمن المؤسف أن المواطن الذي يصاب بإضطراب نفسي نتصوره شخصا ليس طبيعيا وغريبا وربما منبوذا وننعته بالجنون، وكل ذلك بسبب ثقافة العيب التي نؤمن بها، أي أن الأمراض النفسية شيء معيب: أما التصرف المعيب والأخلاق المعيبة شيء نتغاضى عنه. هناك شريحة كبيرة من أفراد مجتمعنا تعاني من إضطرابات وأمراض نفسية، وللأسف نتجنب مخالطتهم ولا نتعاطف معهم. يقول الدكتور سمير سماوي من كبار مستشاري الطب النفسي أن نسبة الإضطرابات النفسية بكل أشكالها في مجتمعنا الأردني توازي بين 10-15% من مجموع السكان. ويشكل القلق والكآبة حوالي 10%.
كما تحدثت مع صديقي الدكتور كرابيد زكريان من قدماء إستشاريي الطب النفسي والذي ذكر لي بأن نسبة الإضطرابات النفسية في الأردن ربما تكون أكثر من 15% وداء الفصام 7%. وأن عدد إختصاصيي الطب النفسي في الأردن لا يتجاوز (65) وعدد منهم خارج الأردن وهي نسبة منخفضة، أي يوجد طبيب لكل 90 ألف مواطن، بينما النسبة في الدول المتقدمة هي طبيب لكل 5000 مواطن. وأن التخلف في التفكير يجعل الناس يساوون بين الإضطراب النفسي وكلمة جنون (MADNESS) ، وبعد البحث والتقصي عن معناها وجدت أنها لا تعني مرضا لكنها تصرف وفعل أي (صفة): الإضطهاد، الإرتياب، الشعور بالعظمة، والحماقة، الفصام، الغضب الشديد، والحماسة. وعلى كل حال فلقد تقدم تشخيص وعلاج الطب النفسي في العالم حتى أصبح المرضى النفسيون يعالجون في القاعات المخصصة لجميع فروع الطب. ويقول زكريان بأن أمراض الإضطرابات النفسية خاصة الكآبة والقلق وحسب دراسات منظمة الصحة العالمية ستكونان السبب الثاني للإعاقات الصحية في العالم عام 2020 بعد أن كانت السبب الرابع بعد (الحوادث والجلطة والسرطان).
شدني حافز الشعور بالتقصير لعدم معرفتي بواقع الأمراض النفسية في بلدنا إلى معرفة الحقيقة والقيام بزيارة المركز الوطني للصحة النفسية بالفحيص مرتين، واطلعت على أقسامه وتحدثت مع الأطباء وجهاز التمريض وإختصاصيي علم النفس والإجتماع. أما الحديث الهام فكان مع مدير المركز الدكتور أسامة مناور عويس والمسؤول الأول عن الطب النفسي في وزارة الصحة، وهو صديق قديم وشخصية هادئة ويعمل بجد ونشاط ضمن إمكاناته المحدودة، وشغل مناصب أكاديمية وإدارية في الخدمات الطبية الملكية ووزارة الصحة، قال : يعود تاريخ الصحة النفسية في الأردن إلى إنشاء مركز الدهيشة (بيت لحم)-390 سريرا- عام 1948. وإثر إحتلال الضفة الغربية عام 1967 قامت قوات الإحتلال بطردهم من المركز فنزح معظم نزلاء المركز إلى الأردن، فقامت وزارة الصحة بإنشاء مستشفى الأمراض النفسية في الفحيص بسعة 100 سريرا. وفي عام 1982 تم إنشاء مركز التأهيل النفسي في المقابلين (الكرامة) بسعة 150 سرير، وهو مخصص للحالات الصعبة والمزمنة والتي تقيم هناك طوال الوقت. وفي عام 1985 تم بناء المبنى الجديد بجوار القديم بالفحيص وبسعة 250 سريرا وسمي كل المبنى «المركز الوطني للصحة النفسية» وافتتح عام 1987 ليكون المركز الوحيد لعلاج المرضى النفسيين مجانا وكذلك كمركز لتدريب الأطباء.
هذا المركز يتحمل ضغطا هائلا من المرضى، بالإضافة إلى مسئوليته عن إدارة (30) عيادة منتشرة في كل المدن وكذلك برنامج تدريب الأطباء. ولقد علمت من مصادر مختلفة وموثقة أنه رغم إرتفاع نسبة الإضطرابات النفسية عندنا، فإن هناك نقصا حادا في عدد أطباء الطب النفسي وكذلك المرشدين في الطب النفسي السريري والمرشدين الإجتماعيين، وكذلك الجهاز التمريضي النفسي المتخصص.
إنطباعي أن ما يقوم به د. عويس وطاقمه فوق طاقتهم وإمكانات وزارة الصحة. المركز يحتاج إلى إعادة ترميم كامل.
أتساءل، كم من المسؤولين والنقابيين والسياسيين وإختصاصيي الإجتماع والأطباء والجمعيات الخيرية ومؤسسات المجتمع المدني عامة والبنوك، زاروا هذا المركز؟ هناك عشرات الجمعيات التي تعتني بالمرضى من إختصاصات طبية مختلفة ولها مجالس إدارة ومراكز وأنشطة وتقيم الحفلات وجمع التبرعات إلا مرضى الطب النفسي لماذا يا ترى؟ إنني هنا أحيي جهود السيدة هيفاء البشير، السيدة الوحيدة التي حاولت إقامة مركز (في حسبان) الذي لم يستمر لعدم وجود الدعم. السؤال هو لماذا يا ترى عدم الإهتمام، ولماذا لدينا اليأس بأن هذه الفئة من المجتمع لا يمكن تأهيلها وإعادتها معافاة إلى المجتمع ؟ إنها مرة أخرى ثقافة العيب.
وهنا أقف وبكل قوة لأناشد أهل الخير من مواطنينا ومؤسساتنا وكل ضمير حي، كذلك الأشقاء العرب مد يد المساعدة لفكرة المشروع الإنساني «لبناء مركز وطني حضاري جديد».
إننا «كلجنة مؤازرة ومساندة للمرضى النفسيين» نتوقع أن نتواصل لمد يد العون والمساعدة للمساهمة في هذا المشروع. وحمى الله الأردن وحمى شعبنا.
E-mail: [email protected]