فؤاد الخطيب: شاعر الثورة العربية الكبرى

فؤاد الخطيب: شاعر الثورة العربية الكبرى

هزاع البراري - كان الساحل السوري، منفتحاً على العالم منذ فجر التاريخ، فكان قبلة للقوافل التجارية، ومحطة أساسية في طريق الحرير الممتدة من الصين عبر قلب أسيا العظيم، ومركزاً رئيسياً لطريق التوابل الممتد من الهند والخليج العربي حتى موانئ البحر المتوسط السورية، وكانت لبنان بأرصفتها وأسوارها تشكل نقطة الارتكاز لهذا الحراك التجاري والحضاري، ولم تكن هذه السواحل والجبال المشرفة على البحر ببعيدة عن ما يجري في قلب المنطقة العربية، منذ عصر الهجرات والحضارات، وحديثاً كانت المنطقة تتحفز ليقظتها الكبرى في أواخر الحقبة العثمانية، حيث عانت البلاد عامة من إهمال وسؤ معاملة، وقد زاد في سؤ الوضع ممارسات جماعة الإتحاد والترقي التي سيطرت على الحكم في الأستانة وتمكنت من عزل السلطان عبد الحميد المعروف بمواقفه الوطنية المشرفة، مما ضيق الخناق على العرب، وتم فرض سياسة التتريك ومحاولة طمس الهوية العربية.
أدى سعي العرب لمقاومة هذه السياسة، من خلال العمل السري، وتنوير الناس بخطورة هذه الممارسات، أن تم التنكيل بهم وإعدام رجالات العلم والفكر الأحرار، فتحضر العرب لإعلان الثورة التي قادها الشريف الحسين بن علي شريف مكة، معلنة انتهاء مرحلة تاريخية كاملة وبدء مرحلة جديدة، وبذلك تعاضد مثقفو العرب ومقاتلوهم في مواجهة استحقاقات هذا الوضع الشائك، وهو أمر حاول العرب تجنبه، غير أن ما أقدم عليه الأتراك في المرحلة الأخيرة من عمر الخلافة العثمانية، لم يترك للعرب خياراَ.
هكذا كانت بلدة شحيم الرابضة على قمم جبال لبنان القريبة من بيروت، تستعد لتأخذ دورها في هذا الحراك، من خلال أحد أبنائها المبدعين، آلا وهو الشاعر العربي الكبير فؤاد الخطيب، فلقد ولد في هذه البلدة في حدود العام 1879م، وقد أفاد الخطيب من بيئته الخصبة في تلك المرحلة، فشحيم بلدة جميلة محاطة بالغابات ومفتوحة على المدى الواسع، حيث يمتد البحر الأبيض المتوسط في البعيد، من الشرق تلتمع قمم جبل الشيخ مكسوة بالثلج على مدار العام، وكان لهذا المحيط الجمالي الطبيعي، دوره في المساعدة على تفتح موهبته الشعرية، وصقلها مع مرور الأيام، ولا شك أن والده ساعده في هذا المجال، حيث كان والده يعمل قاضياً في محكمة البداية، مما يؤكد اهتمام العائلة بالعلم والمعرفة.
تلقى فؤاد الخطيب تعليمه الابتدائي في مدرسة سوق الغرب، وكان الخطيب من الطلبة المبرزين في المدرسة سواء في المرحلة الابتدائية أو الثانوية، وقد تعلم اللغة التركية أيضاً، التي كانت تدرس في المدارس العربية حينها، وبعد إنهائه المرحلة المدرسية، التحق الخطيب بالجامعة الأمريكية في بيروت، وقد تمكن من الحصول على بكالوريوس اللغة العربية، وتخرج عام 1904م، توجه بعدها للعمل العام، وكان عليه السفر إلى مدينة يافا الفلسطينية، حيث تم تعيينه مدرساً للغة العربية في الكلية الأرثوذكسية، وقد واكب انخراطه في الوظيفة، أن بدأ العمل على كتابه الأول ( قواعد اللغة العربية ) وكان للكتاب أهميته الكبيرة، في فترة عانت فيها اللغة العربية من إهمال المؤسسة التعليمية الرسمية.
في عام 1909م تمت دعوة فؤاد الخطيب لكي يعمل مدرساً في كلية (غوردن ) في عاصمة السودان الخرطوم، حيث ارتحل إليها ، وقد عمل مدرساً بجد ونشاط كبيرين، لكن الخرطوم أتاحت له العمل على ديوانه الشعري الأول، فلقد أنجز الجزء الأول منه وعمل على نشره سنة 1910م، وفي العام 1912م قام بنشر مسرحية شعرية طبعت تحت عنوان ( فتح الأندلس )، كشف فؤاد الخطيب في كتاباته وقصائده عن ميول وطنية وقومية واضحة المعالم، فلقد تشبع بالقضية العربية من ونعومة أظفاره، لذا نظر للوطن العربي باعتباره امتدادا طبيعيا لبلده لبنان وقريته شحيم الجبلية، لذا عمل في يافا، وأنتقل إلى السودان، ولم يمنعه ذلك من التفاني بالعمل وبث الروح القومية بين الطلبة، وتوعية الناس بأهمية الوحدة والتحرر من خلال كتاباته الشعرية.
أطلق الشريف الحسين بن علي شريف مكة، الرصاصة الأولى للثورة العربية الكبرى، فتداعى رجالات الأمة وأحرارها للانضواء تحت لوائها، فما كان من فؤاد الخطيب العربي القومي، إلا أن بادر بالالتحاق بالشريف الحسين وأبنائه قادة الثورة، فغادر السودان عام 1916م، منضماً إلى جيش الثورة في الحجاز، وقد أوقف شعره على الثورة ومعاركها، وكتب فيها أفضل أشعاره، حتى لقب بشاعر الثورة، وكان بمثابة الناطق الإعلامي لمسيرة الثورة، وعمل بجهد من أجل الترويج لها، وبث روح الحماسة ورفع معنويات المقاتلين، فكانت له مكانته المقدرة والمتقدمة، كما هي مكانة الشعر والشعراء لدى القبائل العربية القديمة، عندما كان الشاعر ينهض في هكذا ظروف بدور إعلامي يوازي وزارة إعلام هذه الأيام.
عمل الخطيب على تولي رئاسة تحرير جريدة ( القبلة ) التي كانت تصدر في مكة المكرمة، ونظراً لمكانته وما قدمه للثورة، عينه الشريف حسين وكيلاً لوزارة الخارجية، خلال سير جيش الثورة إلى الشمال، وكان ذلك عام 1916م، وعندما حققت الثورة مبتغاها، وتجاوز جيشها حلب الشهباء، تعرض مشروعهم الوحدوي والتحرري إلى مؤامرة غربية، دبرت في ليل لا قمر فيه، فأنضم الخطيب إلى الملك فيصل بن الحسين في مؤتمر فرساي الذي أقيم بعيد انتهاء الحرب العالمية الأولى، بعد ذلك دخل الخطيب الحكومة الفيصلية التي أنشئت في دمشق، حيث تم تسميته أميناً للشؤون الخارجية في القصر الملكي في دمشق عام 1929م.
أقام في دمشق فترة من الزمن بعد سقوطها بيد الفرنسيين، بعيد خسارة العرب لمعركة ميسلون بقيادة يوسف العظمة، بعد قتال بطولي غير متكافئ، بعد ذلك دعاه الملك حسين بن علي إلى الحجاز، وعينه من جديد وكيلاً لوزارة الخارجية، وقد كان بذلك مؤدياً لوجبه الوطني في بقاع الوطن الكبير كافة، لا يتأخر عن تلبية النداء، غير عابئ بحجم الأعباء والمشاق التي سيواجهها، فلقد لازم الملك حسين ملك الحجاز في أحلك الظروف، وبعد خروج الملك حسين من الحجاز إلى منفاه في قبرص، عام 1924م، وكعادته في عدم تخليه عن مهامه الوطنية، أنتقل إلى أمارة شرق الأردن، وقد رحب به الأمير عبدالله وعينه مستشاراً خاصاً له، تقديراً للدور الكبير الذي اضطلع به الشاعر والمناضل الكبير فؤاد الخطيب، ومنحه الأمير عبدالله لقب باشا.
وقد طاب له المقام في عمان عاصمة أمارة شرق الأردن، وبقي فيها حتى العام 1939م، حيث قرر العودة إلى بيروت، وأقام فيها وكانت سمعته الطيبة تسبقه إلى أي مكان يذهب إليه، وكان له تقدير خاص في الجزيرة العربية منذ أنضم لجيش الثورة، لذا عمل الملك عبد العزيز آل سعود على دعوته إلى الرياض، فوصلها عام 1945م، وأقام فيها، وقد عينه الملك عبد العزيز سنة 1947وزيراً مفوضاً، ثم عينه سفيراً للمملكة العربية السعودية لدى أفغانستان، وصل إلى عاصمتها كابل سفيراً يعمل في السلك الدبلوماسي، وشاعراً لا يشق له غبار.
خلال عمله كسفير في كابل واظب على تنسيق الجزء الثاني من ديوانه، وعمل على مراجعته وتصحيحه، وتثبيت شروحاته، حتى توفي فيها عام 1957م، ونقل جثمانه إلى مسقط رأسه شحيم كما أوصي، ووري الثرى في بلد ولادته لبنان، تاركاً تاريخاً من العمل الوطني الطويل، وإبداعاً شعرياً يذكر به وبمرحلة غنية من تاريخ العرب الحديث.