أمل بورتر - يطلق بعضهم صفة الفن الإسلامي على الفنون التي أُنتجت في الدول التي تبنت الإسلام كدين وكفلسفة، لكنني أفضّل أن تُدعى الفنون المتأثرة بالفكر الإسلامي ، ف الفن الإسلامي تعبير استشراقي أوروبي محض ظهر في القرنين الأخيرين.
شهد القرن السادس الهجري، الذي عاش فيه الواسطي، استقرارا سياسيا ورخاء اقتصاديا في المنطقة العربية. حينها تم هزم الصليبيين والمغول، وبُنيت أركان ثلاث دول: دولة الموحدين في المغرب، والأيوبيين في مصر، والعباسيين (الفترة الثانية-المتأخرة) تحت خلافة الناصر لدين الله، ثم خلفه المستنصر بالله. وقد وُجدت نسخة مزوقة من مخطوطة الواسطي لمقامات الحريري، مؤرخة في الفترة التي حكم فيها هذا الخليفة.
من أهم معالم هذه الفترة: بناء مدينة مراكش للموحدين، بناء القلعة وقبة الإمام الشافعي في مصر، بناء المستنصرية وإغناء مكتبتها. كما ظهر في هذه الفترة ياقوت الحموي وابن الاثير وابن الرزاز الجزري مؤلف كتاب النافع في صناعة الحيل ، ويحيى الواسطي صاحب مدرسة بغداد للتزويق، كما كان يُطلق على الفنون التشكيلية.
وقد عُرفت فنون التزويق في الحضارة العربية الإسلامية مع ما عُرف من مؤلفات الحضارات والموروثات السابقة، خصوصا كتب ماني الذي كان رساما تشكيليا مبدعا، بالإضافة إلى فكره الفلسفي. وجرى تعريب تلك الموروثات من كتب الطب والفلك والفلسفة والتاريخ منذ بداية العصر الأموي، خصوصا في زمن هشام عبد الملك، إذ عُرب كتاب عن ملوك الفرس، وكان يشتمل على 27 صورة لملوك رجال وصورتين فقط لملكتين.
زاد التعريب أيام المأمون الذي أنشا دار الحكمة، وعرب عبد الله ابن المقفع كتاب كليلة ودمنة ، وهناك إشارة من المعرب تقول: وضحه بالصور ليكون موردا للناسخ والمزوق . ولأن كتب الديانات الأخرى كانت مزوقة، فقد أفاد الفنان المسلم من تزويق الكتب الدينية في تزويق الكتب التى لا تعنى بالدين. وأقدم مخطوطة كاملة مزوقة من كتاب صور الكواكب لعبد الرحمن الصوفي، موجودة في أكسفورد، وأقدم كتاب مزوق ومنمنم بأسلوب الواسطي هو كتاب الترياق لجالينوس، وهو محفوظ في باريس.
ويقال إن الحريري كتب المقامات على غرار مقامات بديع الزمان، ويقال أيضا إنه كتبها بناء على طلب من الوزير شرف الدين بن نصر، وزير الخليفة المسترشد حينها، حيث كان الحريري يعمل بوظيفة صاحب خبر (وزير إعلام أو ثقافة حاليا). عدد المقامات 50 مقامة، فيها شخصية السروجي التي بنيت على أحد طلاب الحريري واسمه المطهر ابن سلام، وهو لغوي من البصرة. وشخصية الحارث تمثل الحريري.
روى الحريري المقامات بكثير من الدقة والمصداقية، وبروح مرحة تخلو من الوعظ المباشر الجاف، وكنص كتابي كانت موجزة ومقتضبة من ناحية الوصف، إلا أن الواسطي صوَّرها بطريقة تشيكيلية تفصيلية أقرب إلى الواقع، مستخدما التقنيات التي كان يحذقها، رابطا الزمان بالمكان بشكل واضح.
ابتدع الواسطي أسلوبا خاصا به. هذا لا يعني إلغاء تأثره بالتجارب السابقة، لكن تطويره لتلك التجارب جاء واضحا ومتميزا، كما أنه اهتم بالتعبير. الشخصيات التي رسمها الواسطي -وأغلبها من الذكور- تبدو منشغلة بأمور الحياة اليومية بكل ما فيها من مظاهر، وهناك من مؤرخي الفن من يقول بمحدودية تصوير الواسطي للوجه الإنساني، مع هذا نجد أن الواسطي قد أعطى أهمية كبيرة للشخصيات التي تنصت وتستمع أو تراقب شيئا ما. هذه الشخصيات ترتسم على وجوهها تعابير واضحة.
صوَّر الواسطي الطبيعة، فكان أحيانا كثيرة ينقل عنها حرفيا، وأحيانا أخرى يحورها، وفي أغلب الأوقات كان يترك لخياله العنان في تصوير أي منظر طبيعي، لكن من وجهة نظره هو، لمجرد تعزيز الإنشاء التصويري.
لم تكن المناظر الطبيعة هي الموضوع الإنشائي، بل جاءت ضمن سياق المادة، إذ إن المواضيع كانت تصور الحياة اليومية بكل أبعادها، لذا فإن لوحات الواسطي تحمل بعدا تسجيليا، إضافة إلى قيمتها الفنية الجمالية.
رسوم الواسطي لا تقلد الطبيعة، وإنما تستعير الكثير من مفرداتها من الطبيعة، لكن الواسطي يوظفها بشكل مقنع وكأنها جزء من المشهد، كما أنه لم يهتم بالمقاييس الحقيقية للمفردات، بل كبّرها وصغّرها لتناسب الموضوع والإطار العام للّوحة.
صوّر الواسطي الحياة اليومية من دون مجاملة أو تحيز، ولوحاته تعكس مجالس الأنس والطرب والخمر، ومجالس القضاة، وقوافل الحج.وحاول تصوير البعد الثالث بوهم المشاهد، وذلك بتغيير الألوان من الفاتح إلى الداكن، واختلاف الأحجام من الكبير إلى الصغير. وفي استعماله اللونَ كان يحاول تتبع الحدث نفسه، وكسر الملل والرتابة. أما البراقة، فكان يختارها بكثير من الدقة للمحافظة على توازن الأشكال، بعكس ما نرى في المنمنمات الآسيوية التي تطغى عليها الألوان الصاخبة.
شخوص الواسطي ثابتة مستقرة متوازنة، تستند إلى الأرض بكل ثقة وصلابة، وليست عائمة أو تطوف في فضاء اللوحة (كما في المنمنمات الفارسية أو الهندية)، يتأكد لنا ذلك من رسم خط الأرض، وما يمثل هذا الخط من مفردات بيئوية، من تشكيل جذاب مدروس للشوك، أو رسم شجرة برتقال أو جمل يحرك قائمته، أو حصان يمد رأسه إلى الأمام يتطلع قدما إلى الرحيل، مشاركا الحجيج رغبتهم العارمة الذهابَ إلى بيت الله، كما في صورة قافلة الحج.
شخوص الواسطي أهم من الخلفيات، وأحجامهم لا تتناسب مع البنايات أو الحيوانات والأشجار في الخلفية، إذ إن الإنسان أكبر وأضخم وأهم، وهو المحور الأساسي. ولم يهتم الواسطي بالنِّسَب، فتصوير الفكرة المتمحورة على الشخصية الآدمية أهم بكثير من الخلفية المعمارية، وعَرْض الإنسان بهذا الحجم فيه شيء من التحدي والمجابهة.
ورغم تنفيذه الخلفيات الطبيعية والمعمارية بحجم أصغر، إلا أنه أعطاها كل التفاصيل التي تستوجبها، من رسم الشرفات، وتوضيح أن البناء من طابقين، أو أن الناعور يعمل، والماء يندلق ويجري، وأن الخيمة لها دعامة، وأن الأشجار محملة بثمارها، والأشواك قوية وشائكة، وأن الجزيرة الصغيرة العُمانية تحوي أسماكا معروفة في عُمان إلى يومنا هذا.
إضافة إلى ذلك، هناك أفكار ريادية وأسلوب متفرد للواسطي، حيث أدخل الفراغ، وألغى الإطار المتعارف عليه، وأكد على خط الأرض، ونفذ الكتابات بشكل مختلف عما كان متعارفاً عليه.
المرأة التي ترعى الجمال، تبدو تكورات جسدها واضحة: ورك، وعجيزة كبيرة، ويد رشيقة، وأصابع ناعمة، وخدود ملونة، وعيون مكحلة، وأكمام واسعة عريضة لا تخفي الكثير. المرأة هنا بحجم الجمل، وهذا يدل على أهمية الإنسان. تكرار الجِمال في اللوحة يهدف إلى تجنب الرتابة، والتعدد اللوني للجِمال بدا واضحاً بهدف كسر الملل، وإضفاء الواقعية على العمل. الأرض صلبة وحقيقية، والجِمال كما الراعية تثبت أرجلها على الأرض بثقة واطمئنان.
المقامة العُمانية ذات أهمية قصوى في حركة الفن التشكيلي عالميا. فموضوع الولادة الفعلية للجنين وخروجه من جوف أمه موضوع حساس للغاية، ولم يتطرق له الفن الأكاديمي الأوروبي بشكل مباشر، لكن في كثير من الحضارات غير الأوروبية، أو حتى ما قبل التاريخ، يحظى هذا الموضوع بأهمية خاصة.
تصوير الواسطي للمرأة في حالة الوضع، ورغم التفاصيل الدقيقة، لا يجعل أحداً يشعر أن هناك ما يبعث الخجل أو يثير دوافع جنسية، بل إن المشاهد يجد أن ذلك حدث طبيعي لا حرج فيه مطلقا. تشريح جسم المرأة صحيح، والمبالغة في حجمها والتأكيد على التكورات يذكّرنا بتماثيل الإلهة (الأم) في حقب ما قبل التاريخ (الفنون البدائية). الرجل حاضر ولم يتغيب، إنه موجود في المكان نفسه، ربما في غرفة أعلى، أما مساعدوه فهم أصغر حجما لتقليل الأهمية. ولخداعنا بالمنظور الذي يقنعنا ببعدهم بعض الشيء، جعل الواسطي حجم المرأة كبيراً، وكذلك القابلة والخادمات أو الوصيفات.
في هذه المقامة يرتبط الزمان والمكان معاً بشكل عضوي حي: زمان ولادة الطفل ومكان الولادة، ثمة اتصال وثيق بين البعدين. ونجد السروجي على يسار اللوحة وهو يكتب تعويذته السحرية لتعجّل الولادة، والحارث في الجهة الأخرى، ومن لون بشرتيهما نستطيع التمييز بينهما.
عمّم الواسطي هذا الشكل المعماري في غالبية ما نفذ من أعمال تشير إلى بيت أو حانة، لكنه أعطى بعض الخصوصية له، إذ إن السروجي يضع قدمه على ما يشبه الدكة، فيما تحمل إحدى الوصيفات بيدها مبخرة، والبخور مادة أساسية في حياة الإنسان العماني، ولا يخلو بيت منها. ونلاحظ أن المرأة، حتى وهي في ساعة الولادة الصعبة، ما تزال ترتدي حليها حول رقبتها أو معصمها وكاحلها.
عاد الواسطي إلى رسم الهالات. كانت الهالات أُلغيت في بدايات الدعوة الإسلامية، وظهرت مرة أخرى بعد فترة قصيرة، خصوصا على النقود والمسكوكات، لكنها جُردت من أهميتها، إذ أصبحت تبدو كأنها مجرد دائرة حول الرأس. الواسطي أعاد الهالات بكثير من الحذر، ولم يستعملها اعتباطا، أو يقحمها، بل اختار الموضوع المناسب لها بذكاء وتأنٍّ.
الحركة اللامتناهية للخط التي اتسم بها الفن المتأثر بالفكر الإسلامي، لا تظهر بشكلها المعهود في أعمال الواسطي، أي حركة الخط المتواصلة، لكنها تظهر واضحة في تصوير طيات الملابس وكأن القماش أو الملبس في حركة دائمة. لا يلتزم الواسطي بالقواعد الثابتة في تصوير حركة الخط اللامتناهية، بل يخرج عنها مقتبسا من تراث الماضي في وادي الرافدين ومتأثرا بحضارات مجاورة، وقد صب كل هذه المعطيات بقالب خاص به، كما تلاعب بالخط وفقا لهواه، بهدف التعبير عن الموضوع، فنجد الخط الغليظ، والخط الرفيع، والانسيابي، والمقطوع عند حدود معينة.
ويبدو أن الواسطي كان يتذوق الشعر جيدا، لذا يحضر التناغم والتوازن والإيقاع كمعطيات واضحة في أعماله. إحدى اللوحات تُظهر حركةَ الجمل، وميلان أغصان النبات، وانحراف النخلة، والدجاجة التي تلتقط الحب.. كل هذه التفاصيل صوّرها الواسطي بروح تشكيلية. كذلك الحال في صورة قافلة الجمال، التي تبدو سيمفونية نغمية لفظية تشكيلية. وفي صورة الحج هناك تجاوب في الحركة المندفعة إلى الأمام، وترقب وتأهب من قبل الجِمال، وكلاهما -الإنسان ومطيته- يحسّ برغبة الوصول إلى مبتغاه بسرعة، وحركة الرايات المندفعة إلى الامام.. كل هذه صور شعرية بحتة.