سيظل الشريط الذي بثته «الجزيرة» والمنسوب الى زعيم «القاعدة» اسامة بن لادن موضع جدل عميق على مدى ايام طويلة، قبل ان يلفه النسيان مثل اشرطة اخرى سابقة له.
والناس في ذلك فريقان، احدهما يشكك في الشريط، وفي نسبته الى ابن لادن، نفسه، على الرغم من ان المصادر الاميركية الاستخبارية وحدها سارعت الى القول انه «يحمل بصمات صوت ابن لادن» وهي الوحيدة -كما يبدو- القادرة على ذلك.
والفريق الثاني يرى ان مضمون الشريط مختلف وان الرجل يعرض هدنة -للمرة الاولى- على الاميركيين، دون ان يدخل في التفاصيل، وان كان يبدو متأكدا من «هزيمة اميركا في العراق» استنادا الى استطلاعات رأي صادرة في اميركا. وتبدو لغة ابن لان مختلفة بعض الشيء، رغم نغمة الثقة التي سادت لغة التصريح والعرض.
وهناك من يرى ان ابن لادن نفسه صنيعة اميركية، وهذا ما وصف به ابن لادن قناة الجزيرة التي يحرص على الاستفادة من انتشارها الواسع ليوصل اراءه وافكاره.
وقد بدا لي ان ابن لادن قدم تحليلا سياسيا متقدما بخصوص الوضع في العراق، وظهر من تصريحه انه يتابع الاحداث بدقة، وهذا مثير للتساؤل في ظل الظروف الصعبة التي يعيش فيها الرجل الخلافي، حيث يقال انه معزول ومشرد او هائم على وجهه في براري افغانستان او بعض الاراضي الباكستانية!
لا يهمنا كثيرا جدية العرض الذي قدمه ابن لان، فاميركا بادرت الي رفض العرض الذي تضمن هدنة طويلة الامد ضمن «شروط عادلة» وابرزها استجابة اميركية عاجلة للرأي العام الاميركي المؤيد للانسحاب من العراق.
ويبدو الهدف من هذه الهدنة «وجيها جدا» فهو «لينعم الطرفان بالامن والاستقرار ولنبني العراق وافغانستان اللتين دمرتهما الحرب»؟
وحسب ابن لادن فانه «لا عيب في هذا الحل سوى انه يحول دون انسياب مئات المليارات الى اصحاب النفوذ وتجار الحروب في اميركا الذين دعموا حملة بوش الانتخابية»، ولكن المهم هو ان يلقى قبولا لدى الطرف المعني وهو الادارة الاميركية.
ومع ان ابن لادن يعرف جيدا الرد الاميركي ذي الطابع الرافض لهذا الاقتراح الا انه كما يبدو يحاول ان يزيد الثقة اتساعا بين الادارة الاميركية والشعب الاميركي الذي ترفض قطاعات واسعة منه هذه الحرب العدوانية واستمرار وجود القوات الاميركية في العراق.. وقد لا يكون هذا «الرهان» ناجحا، فصورة ابن لادن لا تدعو الى الارتياح لدى الاميركيين جميعا، ومن هنا جاء رد البيت الابيض سريعا «لا تفاوض ولا هدنة مع ارهابيين» في حين قال ديك تشيني ان العرض «مجرد خداع»!
اما المسألة الاهم والتي هي ابعد من عرض الهدنة فهي «التهديد بعمليات جديدة» والقول ان العمليات تحت الاعداد وسترونها في عقر داركم حال الانتهاء منها»، ولا نظن ان واشنطن سوف تتجاهل مثل هذا التهديد، كما فعلت في السابق.
ويبقى القول ان التخبط الذي تعاني منه السياسة الاميركية في العراق سيجعل هذا الشريط موضع دراسة اكثر من الاشرطة السابقة، ولعله يشكل مفتاحا لحل تبحث الادارة الاميركية عنه منذ زمن!