دعوة لصوغ بنية فكرية جديدة للنخب الثقافية

دعوة لصوغ بنية فكرية جديدة للنخب الثقافية

الكتاب : أوهام النخبة أو نقد المثقف
الناشر: المركز الثقافي العربي - الدار البيضاء- المغرب
المؤلف: علي حرب
صفحات الكتاب: 222 من الحجم الوسط

مراجعة - ماجد جبارة

يدعو مؤلف الكتاب علي حرب إلى ضرورة صياغة سياسة فكرية جديدة للنخب الثقافية في العالم العربي، وهو بذلك يحاول تشخيص الازمة في ضوء الوقائع المباغتة، من خلال فقدان المصداقية الفكرية والفاعلية النضالية، بعد تصدع النظريات الشاملة المعتمدة في قراءة العالم، وبعد انهيار المشاريع الإيديولوجية والسياسية في ضوء التحولات المتسارعة على ارض الواقع المتحرك: فالشعارات المتداولة في الخطاب الثقافي، على حد قول المؤلف ، تحولت إلى أسماء على غير مسمياتها، أي تحولت إلى مطلقات خاوية أو إلى متعاليات هشة، بعد أن تكشفت محاولات الاستنارة والعقلنة عن عتماتها ولا معقوليتها، وبعد أن آلت مشاريع التقدم والتحرر إلى رجعيتها واستبدادها، مؤكدا أن هذا هو المأزق الحرج في وضعية المثقف: انفجار العلاقة بين الدال والمدلول، ما جعل الأفكار الكبرى التي شهر المثقفون سلاح النقد من اجلها، تتحول إلى سلاح عاجز، مفلول ، يرتد على أصحابه، ولا ينتج سوى ألغامه.
ويعتقد المؤلف انه فتح ملف المثقفين امام النقد والمساءلة، حيث عمل على زعزعة القناعات الراسخة، وإعادة صوغ الأسئلة؛ وسلط الضوء على المناطق المستبعدة من نطاق التفكير، مما حمله على قلب الآولويات ، وتغيير وجهة النقد: بينما كان عمل النقد يتركز على الخارج والواقع، وجهت سهام النقد إلى الداخل، أي إلى واقع المثقف، فكر وممارسة، أو خطابا ومؤسسة.
ويبين حرب في هذا الكتاب أن الأفكار ليست شعارات ينبغي الدفاع عنها، أو مقولات صحيحة ينبغي تطبيقها، بقدر ما هي أدوات لفهم الحدث وتشخيص الواقع، مشيرا إلى أنها حيلنا في التعقل والتدبر، للحياة والوجود، باجتراح القدرات التي تتيح لنا أن نتحول عما نحن عليه، عبر تحويل علاقاتنا بالأشياء أو بنسج علاقات مغايرة مع الحقيقة، وبقدر ما ننجح في تغيير أنفسنا وواقعنا، تتغير أفكارنا ذاتها، ذلك أن ما نصبو إليه أو ما نصير إليه يتغير بقدر ما نتغير نحن بالذات، بمعنى أن الهدف الذي نسعى نحوه، يتغير خلال المسعى نفسه، بما هو اشتعال على النفس والفكر. بهذا المعنى، يجري صنع الأفكار وإعادة ابتكارها، بقدر ما يصار عبرها إلى صناعة العالم وتكوين المشهد أو إلى تغيير الواقع ورسم المصائر.
ويعتقد حرب أن المثقف التنويري والعقلاني والتحرري، ليس هو الذي يحيل الأفكار الخصبة التي أنتجت حول التنوير والعقل والحرية إلى مجرد معلومات يرددها على شكل محفوظات، وإنما هو الذي يقيم علاقة نقدية مع ذاته وفكره، على نحو يتيح له أن يتحول عما هو عليه، بإغناء مفاهيمه عن الحرية والعقلانية والاستنارة. لذا ، فإن الذي يصنف نفسه في ملكوت العقل والحرية، لكي يطرد سواء إلى خارج هذا الملكوت، لا يحصد سوى الخرافة والظلام والاستبداد، على ما آلت إليه التجارب لدى الدعاة، في العالم العربي بنوع خاص.
ويؤكد حرب أن مقولة  المثقف بات اعجز من أن يقوم بتنوير الناس هي مقولة صحيحة، إذ أصبح المثقف يحتاج إلى التنوير، بنقد دوره وتفكيك خطابه عن العقل والاستنارة، وذلك بقدر ما تعامل مع فكرة التنوير بصورة غير تنويرية، أي على نحو أصولي أو إيديولوجي، بهذا المعنى لا يعد نقد مشروع التنوير تراجعا عن الفكرة، بل يشكل محاولة لتفكيك آليات العجز، باستخراج إمكانيات جديدة للتفكير والعمل، تتيح الخروج من النفق أو الفكاك من المأزق.
ويشير الكاتب حرب إلى قضية هامة ألا وهي:  نهاية المثقف مبينا أن الدور النخبوي للمثقف انتهى داعيا إلى ضرورة أن يعمل المثقف عل تغيير صورته عن نفسه، بحيث يعيد ابتكاره لدوره، بعد كل هذا الهزال الوجودي والقصور المعرفي والسياسي، أي بعد الفشل في مهمة قود المجتمع أو البشر، نحو علم اقل استلابا أو أكثر تقدما، سواء تعلق الأمر بقول الحقيقة أو بممارسة الحرية أو بتحقيق العدالة. فالأجدى أن يعمل المثقفون على التحرر من أوهامهم النخبوية، لإعادة صوغ المفاهيم المتعلقة بالتغيير الاجتماعي والعمل السياسي أو الإنمائي.
ويختتم حرب بالقول: إن مهمة المفكر هي تجديد عدته المفهومية وأدواته المنهجية، تماما كما أن مشكلة السياسي تكمن في سياساته العاجزة عن إيجاد الأجوبة والحلول للمشكلات المعقدة التي يولدها الواقع الاجتماعي. ولذا فإن مهمته هي في تحديث الخطط والبرامج أو في تفعيل الوسائل والإجراءات.